الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في ذكرى الإسراء والمعراج .. الأقصى يشكو حال الأمة

في ذكرى الإسراء والمعراج .. الأقصى يشكو حال الأمة

السيد عبد العليم

” تأتي ذكرى الإسراء والمعراج للتذكير بأن المسجد الأقصى المبارك ـ الذي وصله رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء التي انطلقت من المسجد الحرام بمكة المكرمة ليصله الرسول ليلا والذي عرج منه الى السموات العلا ـ يشكو حاله الذي يمثل انعكاسا واضحا لما آلت إليه أحوال المنطقة والأمة عموما، حيث يعد بمثابة المؤشر على صحة أو وهن المنطقة والأمة. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تهل علينا في هذه الأيام ذكرى غالية على قلوب المسلمين في أنحاء الأرض، وهي ذكرى الإسراء والمعراج التي مثلت تحولا كبيرا في طريق الدعوة الى الله وتبليغ رسالته التي أساسها المودة والرحمة للبشرية جمعاء، “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (الأنبياء:107). لكن بكل أسف نرى أن حال المنطقة والمسلمين قد بعد عن تلك الرحمة حتى حل القتل محل الحوار ولم يعد هناك حرمات ودماء مصانة ويحدث ذلك في الشهر الحرام. وهذا تعبير واضح عن البلاء الذي حل بالأمة وما آل إليه حالها.
عندما ضاقت الأرض بما رحبت على رسول الله صلى عليه وسلم جراء الوقوف في وجه دعوته من قبل مشركي قريش ورحلته الى الطائف على أمل أن يجد فيها مأمنا ومتنفسا يستطيع من خلاله مواصلة نشر دعوته وتبليغ رسالة ربه، وما كان في تلك الرحلة من الإيذاء الذي تعرض له من تسليط سفهاء الطائف صبيانهم للنيل منه، وعندما لم يقدر أهل الأرض قيمة هذا الرسول العظيم وقيمة دعوته السمحة، وعندما توجه الى الله سبحانه بتلك الشكوى وهذا الدعاء المؤثر”اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس….”، إزاء كل ذلك كانت استجابة السماء من خلال تلك الدعوة الربانية له برحلته السماوية ليريه الله سبحانه من آياته الكبرى “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ” الإسراء (1). وليظهر له قدره بأن عرج به الى السموات العلا ليعلم النبي قدره عند خالقه وعند الملائكة والرسل الكرام الذين يعرفونه ويقدرونه حق قدره لدرجة تقديمه للصلاة بهم.
تأتي ذكرى الإسراء والمعراج للتذكير بأن المسجد الأقصى المبارك ـ الذي وصله رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الاسراء التي انطلقت من المسجد الحرام بمكة المكرمة ليصله الرسول ليلا والذي عرج منه الى السموات العلا ـ يشكو حاله الذي يمثل انعكاسا واضحا لما آلت إليه أحوال المنطقة والأمة عموما، حيث يعد بمثابة المؤشر على صحة أو وهن المنطقة والأمة.
وتأتي هذه الذكرى المباركة في شهر رجب وهو من الأشهر الحرم الذي يحرم القتال وإراقة الدماء فيه. ومع ذلك لا نجد من يلتفت لحرمة الشهر، فنجد القتال بين المسلمين يتزايد وبحور الدماء والقتل تطفو وتعلو وإلى الله المشتكى.
ويشكو المسجد الأقصى بداية من التصارع والتناحر بين الاخوة في حركتي فتح في الضفة الغربية التي قطع اواصرها الاحتلال وجعلها اشلاء ويعثون فيها فسادا من عمليات اعتقال ومصادرة الأراضي وتهويد للقدس المحتلة وتضييق على المصلين في الحرم الأقصى فضلا عن الانتهاكات المتكررة من قبل قوات الاحتلال للحرم وأعمال البناء تحته وحوله، وبين حركة حماس التي تدير قطاع غزة والذي يقع تحت حصار شديد برا وبحرا وجوا ، فضلا عن الغارات التي تقوم بها من وقت لآخر وعمليات التوغل المحدودة في القطاع ناهيك عن الحروب التدميرية التي لا تفتأ قوات الاحتلال تقوم بها ضد القطاع.
ومع وجود عدو مشترك وإدراك تام أن المصلحة تقتضي من الغريمين الفلسطينيين أن يضع كل منهما يده في يد الآخر وينحيا خلافاتها جانبا ويتحدان وينسقان لمواجهة مشتركة للعدو المحتل للضفة والمحاصر للقطاع، نجد الفصيلين لا يحاولان التوصل الى تسوية بينهما يتخلى بمقتضاها كل طرف عن جزء من متطلباته بغية التوصل الى اتفاق تسوية ومصالحة بدلا من مراوحتها مكانها منذ سنوات طويلة خلال جولات في القاهرة او الدوحة وكان امر المصالحة بات من المستحيلات.
كما تأتي الذكرى في ظل حالة من عدم الاستقرار والمشاكل الداخلية في عدد من بلدان المنطقة، اضافة الى صراعات اقليمية وحروب بالوكالة من بلدان عربية على أرض عربية، وبدلا من تحويل كل تلك الجهود لمواجهة العدو المشترك المتربص بالمنطقة ككل، اذ بالتناحر والتقاتل بين الاشقاء هو سمة المرحلة. الامر الذي جعل الاقصى وفلسطين عموما بعدما كانت قضية العرب الاولى صارت في مؤخرة اهتمامات الانظمة الحاكمة في المنطقة.
هذا في الوقت الذي يعيش فيه الكيان المحتل أفضل أوقاته. لم لا؟ وليس هناك من ينغص عليه عيشه وعربدته في المنطقة! فقد صار بعض العرب يكفونه عن اداء دوره المعهود بالعمل بشتى السبل على إضعاف جيوشهم ـ التي من المفترض أنها معدة في الأساس لمواجهته ـ فأين الجيش العراقي الذي كان يمثل حائط صد قويا في وجه الاحتلال وأين الجيش العربي السوري بل وأين الجيش المصري الذي ينهك حاليا في مواجهة الارهاب في سيناء؟ فقد دخلت تلك الجيوش في حالة من الضعف بسبب المواجهات التي تتعرض لها، او ما يمكن وصفه بحروب الاستنزاف التي دخلت فيها. ليكون الرابح الاكبر في ذلك هو جيش الاحتلال، الذي يتفرج على تدمير واضعاف جيوش خصومه دون ان يكلفه ذلك اطلاق رصاصة واحدة من جانبه. بينما يتجه هو الى تحديث منظومات تسليحه وتعزيز اوضاعه العسكرية والاقتصادية.
وإضافة إلى التردي العسكري العربي جراء الحرب في سوريا واليمن والصراعات في ليبيا والعراق ومحاربة التنظيمات المتطرفة المسلحة، لم يعد هناك جيش عربي قوي متحد يعرف قادته بوصلة الحرب من خلال التمييز بين العدو والأخ والصديق، صار هناك ترد اقتصادي حيث تشهد اقتصادات المنطقة تراجعا كبيرا في نموها وايراداتها المالية جراء الانفاق الكبير على الجانب الحربي وتراجع أسعار النفط ، مما ترتب عليه تداعيات كبيرة على الأنشطة العمرانية والاجتماعية والصناعية في المنطقة.
كما تأتي الذكرى في ظل تراجع للهوية الإسلامية، حيث بات كثير من الأنظمة تخشى من أن تعلن أنها إسلامية وتدعو الى اصلاح الخطاب الديني بشكل يفرغ الدين من مضمونه وجوهره الحقيقي. وصار هناك من يدعو ـ جهارا نهارا ـ الى تجريم رموز إسلامية كالنقاب في بلاد المسلمين! فتلك دعوة لمؤتمر لمنع النقاب وذلك مشروع قانون لمنع وغير ذلك. بينما يرفع العدو راية يهودية الدولة، والتي يستغلها كواجهة لمشروعه الصهيوني التوسعي الاستعماري. ففي زحمة أخبار تفجيرات بلجيكا الأخيرة التي أسفرت عن مقتل 34 شخصا وإصابة أكثر من 200 آخرين، واستغلالا لحالة الحرب والفوضى في اليمن، أعلن جهاز الموساد (المخابرات) الإسرائيلي عن نجاحه في اخراج كتاب التوراة الذي كتبه اليهود في اليمن والذي يزيد عمره على 800عام. وذلك ضمن عملية سرية نفذتها سلطات الاحتلال لاخراج 29 أسرة يهودية من اليمن من بينهم حاخام ومعهم الكتاب الذي ظل الموساد لعدة سنوات يخطط لعملية جلب اليهود والكتاب المقدس من اليمن الى دولة الاحتلال. وكدلالة على الاهمية الكبرى لهذا الحدث، كان رئيس وزراء الاحتلال في مقدمة مستقبلي اليهود اليمنيين الذين يعتبرون من اقدم واعرق الجاليات اليهودية ذات الاصول المنتمية للهيكل اليهودي الاول.
أي ان العرب حاليا صاروا يساعدون في التمكين لدولة اسرائيل” ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ” آل عمران 113. وذلك بمواجهة بعضهم البعض بدلا من مواجهة الصهاينة المحتلين والذين يكيدون ويدسون الدسائس لأبناء الامة. وكذلك بانصرافهم عن التعمير والبناء والتصنيع والاهتمام بالانشطة الاقتصادية الحقيقية في بلدانهم.
فإلى متى يستمر هذا الهوان وهذا التقاتل والتشرذم؟ وهل هذا يرضي صاحب ذكرى الاسراء والمعراج العطرة والناصح لأبناء أمته في حجة الوداع ” لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض”. وأما آن لحكام وأبناء المنطقة أن يفيقوا ويرجعوا إلى صوت العقل والحكمة ويوقفوا تلك الفتن وتلك المجازر التي يندى لها الجبين مهما كانت الحجج والمبررات؟

إلى الأعلى