الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مسجد العباد .. تحفةٌ من مآثر الدولة المرينية بالجزائر
مسجد العباد .. تحفةٌ من مآثر الدولة المرينية بالجزائر

مسجد العباد .. تحفةٌ من مآثر الدولة المرينية بالجزائر

أوصت اليونسكو بضرورة العناية به باعتباره تراثا إنسانيا خالدا
الجزائر ـ العمانية:
عند سفح جبل شديد الانحدار يقع مسجد حيّ العباد الأثري في الشمال الشرقي لمدينة تلمسان. ونواة هذا المسجد عبارة عن رباط كان يتعبد به المتزهّدون والمتصوّفون، ويرابط فيه المجاهدون دفاعا عن مدينة تلمسان من الغارات والهجمات الخارجية التي تشنها القبائل المعادية أو البلدان المجاورة.
ووفقا لما تذكره المراجع التاريخية، قصد الولي الإشبيلي الصالح أبو مدين شعيب بن الحسين إلى هذا الرباط قادما من بجاية في طريقه إلى فاس بالمغرب، وتوفي بعين تاقبالت قرب تلمسان قبل أن يصل إليه، فنُقل إليه ودُفن هناك عام 596 هـ (1197 م)، فاشتهر الحيُّ به وأصبح يُعرف بعباد سيدي بومدين، وبُني عليه ضريح، ثم دُفن معه الشيخ عبد السلام التونسي، شيخ عبد المؤمن الموحّدي مؤسس وباني الدولة الموحدية الكبيرة التي امتدت سيطرتها السياسية من طرابلس الغرب شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن أعماق الصحراء جنوبا إلى الثغر الأندلسي الأعلى بأحواز طليطلة شمالا.
بُني مسجد العباد بجوار قبة وضريح الشيخ أبي مدين شعيب بأمر من السلطان المريني أبي الحسن عام 739 هـ (1339 م). ولهذا المسجد باب رئيسي كبير في جهته الغربية صُنع من شجر الزان الصلب ومزيّن بمسامير نحاسية كبيرة وجميلة، وله قفل تقليدي ضخم من الداخل غُلّف بصحيفة مزخرفة من البرونز.
وفي نهاية المسجد على اليمين، توجد منارة ومئذنة مربعة الشكل، ومزخرفة بنقوش جميلة جدا، كما زُيّنت كثير من جدران المسجد والمحراب بنقوش وآيات قرآنية كريمة.
وللمسجد مدخلان جانبيان عن اليمين واليسار، ومدخل رابع خاص بمكان الصلاة على الموتى يقع على اليسار الشمالي الشرقي خلف المحراب.
وتؤكد المراجع التاريخية أنّ الأمير عبد القادر قام بتجديد المنبر الأصلي للمسجد خلال حكمه (1834-1839م)، وكتب على مقدمته بيته الشعري التالي:
ومن تكن برسول الله نصرته
أن تلقه الأسد في آجامها تهم

يتألف المسجد من قاعة للصلاة مستطيلة الشكل تضمُّ عشرين سارية مربعة الشكل وعالية، وفي مؤخرة القاعة غربا ساحة تتوسطها نافورة مياه وصهريج للوضوء، وحولها على اليمين واليسار رواقان امتدادا لقاعة الصلاة، وفي نهاية الرواقين غربا على اليسار واليمين قاعتان صغيرتان مرتفعتان عن ساحة المسجد خُصّصتا للنساء.
كما يضم المسجد بيتا لتعليم الأطفال القرآن الكريم، وقد أشرف العلّامة ابن مرزوق الخطيب على بناء هذا المسجد كما جاء في كتابه “المسند الصحيح الحسن في محاسن مولانا أبي الحسن”. ومما زاد من مكانة هذا المسجد وجود قبر وضريح الولي الصالح أبي مدين شعيب بن الحسين، الذي درس ببجاية سنوات طويلة وتزوج فيها وأنجب، ووجود المدرسة اليعقوبية التي أسّسها أبو الحسن نفسه للتعليم والتدريس على يمين المسجد عام 1347م، وتتألف من قاعة للصلاة والتدريس ذات قبة خشبية نادرة الوجود بزخارفها ونقوشها مزيّنة بالآيات القرآنية، إضافة إلى جدران ومحراب زُيّنت كلُّها بالآيات القرآنية.
كما توجد بالمدرسة ساحة خلفية تتوسّطها فوارة مياه تحيط بها بيوت مخصّصة لإقامة الطلبة في الطابقين الأرضي والعلوي، وهي التي كان يدرس بها العلّامة ابن خلدون أيام أزماته السياسية مع عروش وبلاطات بلدان المغرب على عهد بني حفص، وبني زيان، وبني مرين.
وقد لعبت هذه المدرسة إلى جانب مسجد العباد دورا رائدا في النهضة الفكرية الدينية والأدبية والتربوية لمدينة تلمسان والجزائر، وحتى المنطقة المغاربية على مدار نحو سبعة قرون، حيث قاومت هذه الصروح الدينية الاستعمار الفرنسي الذي تكالب على طمس الهوية الإسلامية للجزائر، كما ظلّ مسجد العباد ومدرسته وضريحه يُضفون على مدينة تلمسان مسحة من أصالتها الإسلامية التي تمتدُّ جذورها إلى أعماق التاريخ.
وبالنظر إلى القيمة التاريخية لهذه المعالم الأثرية، فقد سجّلت منظمة اليونسكو هذا المسجد والآثار المحيطة به ضمن المناطق التاريخية التي يجب الاهتمام بها وأوصت بضرورة العناية بها باعتبارها تراثا إنسانيا خالدا.

إلى الأعلى