الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أهمية مصر

أهمية مصر

أحمد مصطفى

”.. كان قد بدا في الأشهر الأخيرة أن القوى الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، على وشك تليين موقفها من تنظيم الإخوان وداعمه الإقليمي (تركيا) لأسباب تكتيكية تتعلق بالأزمة السورية والصراع مع إيران. وفهم من ذلك ان دعم دول الخليج لمصر سيتراجع، وروج الإخوان عبر منافذهم الإعلامية ولجانهم الإلكترونية لذلك بشكل جعل الزيارات للقاهرة والقمم المتتالية تبدو وكأنها لدحض تلك الادعاءات.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهدت القاهرة في الأسابيع الأخيرة “زحمة” قمم عربية مصرية مختلفة، ركز الإعلام في أغلبها على الدعم الخليجي لمصر بسبب ما يعانيه اقتصادها الذي لم يتحسن بعد من سنوات الاضطراب السياسي والاجتماعي التي أعقبت ثورة يناير 2011. كانت البداية زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى مصر والتي استغرقت خمسة أيام وتضمنت الإعلان عن مساعدات ومشروعات واتفاقات بمليارات الدولارات إضافة إلى الانتهاء من ترسيم الحدود البحرية بين البلدين وتسليم السيادة على جزيرتين في مدخل خليج العقبة من مصر إلى السعودية. ثم تلتها زيارة ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد للقاهرة والإعلان أيضا عن دعم ومشروعات بمليارات الدولارات. ثم بعد ذلك زيارة ملك البحرين إلى مصر، ويتوقع ايضا زيارة عاهل المغرب وملك الأردن إلى مصر.
لم يكن رد الفعل داخليا في مصر على تلك الزيارات متسقا مع الأهمية التي برزت في الإعلام عموما، ولا حتى ما فيها من دعم قوي لمصر خاصة اقتصاديا. وأثارت مسألة الجزيرتين بين مصر والسعودية حملة معارضة في الداخل المصري اعتبرت ـ في أقل تقدير ـ أن التوقيت يعني “بيع مصر لجزء من سيادتها بالمال”. حتى الدعم المالي الذي تحتاجه مصر بشدة، وينعكس معاناة للناس بانهيار قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، لم يكن له اثر في تغيير حالة الاحتقان الداخلي بسبب سياسات الحكومة الداخلية. وربما كان هذا التوتر الداخلي في مصر واستمرار أعمال العنف التي تستهدف الجيش والأمن ويقوم بها إرهابيون في سيناء وزيادة الضغوط الخارجية لأسباب عدة أحد أسباب التداعي بالزيارات لتعبير دول الخليج وغيرها من الدول العربية على دعم مصر والوقوف بجانبها والاستعداد لفعل كل ما يلزم لتجنيبها الدخول في مسار انهيار.
وكان قد بدا في الأشهر الأخيرة أن القوى الرئيسية في المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، على وشك تليين موقفها من تنظيم الإخوان وداعمه الإقليمي (تركيا) لأسباب تكتيكية تتعلق بالأزمة السورية والصراع مع إيران. وفهم من ذلك ان دعم دول الخليج لمصر سيتراجع، وروج الإخوان عبر منافذهم الإعلامية ولجانهم الالكترونية لذلك بشكل جعل الزيارات للقاهرة والقمم المتتالية تبدو وكأنها لدحض تلك الادعاءات. لكن، الواقع أن الحكم في مصر يواجه فعلا مشاكل داخلية لا تقتصر على الاقتصاد وإنما على تركة ثقيلة من الاهتراء في كافة مؤسسات الدولة لم تبذل بعد محاولات جذرية لإصلاحها. وفي الوقت نفسه يواجه إرهابا وحملة عدم استقرار يثيرها الإخوان من الخارج مع داعميهم ومن الداخل عبر أنصارهم متقاطعين مع قوى أخرى لا تستسيغ نظام الحكم.
لذا، جاء هذا التداعي والعد معبرا عن تقدير لدول الخليج وغيرها من الدول العربية لمدى أهمية مصر، والحرص على ألا تصل مشاكلها إلى حد إضعافها وإبعادها عن دور في قضايا المنطقة. وتدرك تلك الدول أيضا أن هناك مشكلة حقيقية في العلاقات بين مصر والغرب، ولا تريد أن تتعرض مصر لضغوط غربية تفرض مشاركة الإخوان في السلطة كما حدث مثلا في الحكومة التي شكلتها الأمم المتحدة في ليبيا بضغط أميركي/بريطاني. وبما أنه يصعب إصلاح العلاقات المصرية/الأميركية لأسباب تتعلق بالإخوان ودورهم أيضا، فلا مناص من دعم مصر حتى لو كانت هناك ملاحظات على طريقة الحكم فيها.
وتقاطعت تلك الزيارات إلى القاهرة مع القمة الأميركية الخليجية التي شارك فيها الرئيس الأميركي باراك أوباما مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وهي القمة التي وصفت بأنها قمة “وداع ورأب صدع” بنهاية فترة أوباما التي تميزت بتوتر مكتوم بين الجانبين. وبدا أن دول المنطقة لم يعد أمامها سوى القبول باستراتيجية “فك الارتباط” الأميركية (التي تطبق في الواقع من عهد بوش ولا علاقة لها بشخص من يسكن البيت الأبيض) وأن عليها أن تتولى أمورها في قضاياها الإقليمية الساخنة بنفسها. وهنا تأتي أهمية مصر مرة اخرى، حتى لو لم تكن قادرة على الفعل النشط القوي خارج حدودها. وبما أن القوى الإقليمية (إيران وتركيا) لها مصالحها الخاصة فليس أمام الدول العربية سوى لملمة ما تبقى من قواها التي أنهكتها الأزمات من الربيع العربي إلى الحروب الأهلية والطائفية وتصاعد الإرهاب.
هناك مثل شعبي قديم (أكثر انتشارا في صعيد مصر) يقول “جنازة بالتار ولا القعدة في الدار”، أي أن المشاركة في جهد عام خارجي حتى لو كانت مخاطره عالية أفضل من الانكفاء على الذات والغرق في الهموم المحلية. وربما يكون الرهان العربي على أهمية مصر له فائدة أخرى تتعلق بوضع مصر داخليا، فأي انخراط خارجي (إقليمي طبعا) لمصر خارج حدودها (وليس بالضرورة عسكريا) قد يساعدها على الارتفاع فوق كثير من تفاصيل أزماتها الداخلية لتخطيها. يحتاج ذلك بالضرورة لقدر من التفاف الناس حول قيادتهم، وربما هذا ما يضيف مسؤولية ملحة على الحكم في مصر لاستعادة شعبيته التي كان عليها قبل عامين عندما أطيح بحكم الإخوان تلبية لرغبة جماهيرية.

إلى الأعلى