الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنسان البدوي في بيئته: وجود لازمني

الإنسان البدوي في بيئته: وجود لازمني

أ.د. محمد الدعمي

إذا ما حاول المرء الارتجاع إلى جزيرة العرب قبل الإسلام على نحو تخيلي واعتمادًا على المتاح من التواريخ، فإنه سرعان ما يتفاجأ بالفراغ الهائل لشبه الجزيرة العربية التي بقيت منذ الأزل أرضًا يبابًا قوامها الصحراء الرملية. وقد عكس القوم الذين عاشوا في قلب هذا الفراغ المهول (بوجودهم البدوي دائم الترحال، الطافي على “بحر” لازمني من الرمال)، طبيعة تلك البيئة الموحشة والقاسية. اعتصر الإنسان البدوي الموارد الطبيعية النادرة إلى أقصى طاقاتها في سبيل استخراج العناصر الضرورية لبقائه ولبقاء حيواناته. من هنا جاء الاعتماد المتبادل القديم بين الإنسان والحيوان، فقد تواشجت الحياة بتوافر عنصر الماء النادر.
لذا كرس ذلك الإنسان وجوده للبحث عن الماء ولطرائق خزنه من أجل بقائه وبقاء حيواناته المدجنة. وقد تضاعفت أهمية تلك الحيوانات بسبب فوائدها في النقل والغذاء.
إن عربي الصحراء هو إنسان ذاتي التمركز بطبيعته، حاملًا معه إرث جده الأول الذي يظهر في النصوص القديمة حسب الوصف التالي: “كان إسماعيل رجلًا بريًّا، يده ضد أيادي البشر”.
ربما تم اشتقاق اللفظ “سارسين” Saracen لوصف العرب في المصادر الغربية القديمة والوسيطة من طبيعة هذا الوجود الصحراوي، فقد فضل الإنسان البدوي أسلوب حياة يرتبط فيه بعدد قليل فقط من أقرانه لأن العيش كان يعتمد على الكدح العضلي للفرد وعلى قدرته على التحمل، بالإضافة على اعتماده مقدارا محدودا من العمل الجماعي.
وقد ثبتت الفردية نفسها في دواخل العقل العربي حالًا اعتيادية، لأنها الصفة الجوهرية للوجود البدوي في الهوام منذ دهور غائرة في القدم. وتركت هذه الفردية آثارها على الشخصية العربية، متجسدة من آن لآخر في التقاليد والقيم الاجتماعية السائدة في الصحراء، خاصة تلك التقاليد المتصلة بالفروسية والكرم والانتقام والثأر والتمسك بمبدأ “العين بالعين”. أما الفروسية العربية، فقد ترادفت مع الميل العربي للغيبي وللشعري، بينما ظهر الكرم العربي (لثلاثة أيام فقط) من ضرورات الهوام المهول حيث وجد هذا الإنسان نفسه طافيًا في هذا الفضاء مع شعور وسواسي بالخوف وباللاجدوى يترافق مع ندرة الموارد الطبيعية. ومن ناحية ثانية، فقد انبعثت قيم الانتقام والثأر من غياب المؤسسات والقوانين، فكان على الفرد أن يفرض نسخته الخاصة من العدالة في مجتمع مشتت بلا محاكم وبلا قوات لفرض النظام والقانون. هناك، في ذلك الخواء المهول للصحراء، يتوجب على المرء البحث عن الجذور النفسية للفردية العربية مع ما يرافقها من حب للامتلاك وصعوبة الالتزام بالأنظمة الجمعية الخاصة بالإرادة وبالثروة العامة. وإذا ما كانت هذه الصفات تبدو أنانية وذاتية التمركز، فإنها ينبغي أن ترصد وتقيم على خلفية البيئة القاسية التي أسهمت بميل الإنسان العربي للخيالي وشغفه بالغيبيات منذ عصور غابرة. ومع هذا كله، تبلورت الوحدات الاجتماعية الأولية من نوع العائلة والعشيرة والقبيلة، متأسسة على آصرة الدم العائلية التي أتاحت تجمع الأقارب، ذلك التجمع الذي ساعد على حفظ الحياة والممتلكات. لقد ارتكنت بواكير هذا النوع من التجمع إلى رابط عائلي، جمع بين الأقارب على نحو وجود مجتمعي أكبر. وقد دل البحث الأبدي عن الماء والكلأ على أنه كان حاسمًا في قضية تكوين السلطة وتقرير شكلها هناك، بغض النظر عن نوعها، لأن من يبسط هيمنته على منابع المياه النادرة يكتسب السلطة تلقائيًّا، كما هي عليه الحال اليوم حيث تحل منابع النفط محل مصادر المياه النادرة حقبة ذاك.
لذا ارتهنت السلطة والدولة بفرض الهيمنة على الثروات، الماء أولًا، ثم النفط.
كان هذا هو النمط البدائي من الوجود، أي النمط الذي طور مفهومه للسلطة على ما سبق ذكره من عوامل البيئة والسيطرة على الثروة، متحررًا من تعقيدات وآثار الأمم الأجنبية وتقاليدها القديمة، تلك الأمم المتحضرة التي استقرت في الوديان الخصيبة حوالي أواسط بلاد العرب حيث توافر المياه العذبة على نحو غزير، كما كانت عليه الحال في وديان الأنهار العظيمة كبلاد الرافدين ومصر، زيادة على السهول الساحلية لسوريا واليمن وعمان وفارس.
بقيت الفردية لدى أبناء “إسماعيل التائه”، أبو العرب، كما تسميه المصادر التوراتية قابعة في قعر العقل العربي منذ أقدم العصور نمطًا نفسيًّا جمعيًّا مترسبًا من الحاجة والإرادة الوجودية للبقاء، فقد بقيت دافعية البقاء تنتقل على نحو وراثي، متواصلة من جيل لآخر، رمزًا سلاليًّا سريًّا مضمومًا ومذابًا في الدم العربي. بحسب رأي الفيلسوف الألماني “جوته” Goethe، الذي اعتصر هذا الأسلوب في الحياة الآدمية للعيش إلى أدنى الحاجات الأولية، جاعلًا الإنسان العربي يفتخر بثلاث منها فقط، هي: الخيمة والعمامة والسيف، رموزًا لوجوده وبقائه في البرية. وبينما يضيف الناقد البريطاني “جيمس ميو” Mew ممتلكًا آخر إلى قائمة جوته أعلاه، وهو “الحكاية”، فانه إنما يؤشر الملكة الخيالية للإنسان العربي.

إلى الأعلى