الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أمل ليبيا الكبير

أمل ليبيا الكبير

” .. على الرغم من الدعم الكامل من مجلس الأمن الدولي، فإنه لا يزال هناك اعداء لحكومة الوفاق الوطني هذه. فبعض الخصوم يريدون إحباط تطلعات الحكومة الجديدة لصالح ليبيا ديمقراطية تعيش في رخاء بعد الثورة وذلك من خلال العودة لنظام حكم على نمط نظام القذافي. بينما يخشى آخرون بشكل واضح من ان حكومة الوحدة سوف تقوض مكانتهم وسلطتهم.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في ليبيا وفي عام 2011، ساعدت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في الاطاحة بنظام حكم معمر القذافي الذي استمر 42 سنة.
ولسوء الحظ، فان عدم تدخل التحالف في المرحلة الانتقالية في البلد سمح بوجود فراغ سياسي، يتقاتل عدد من الجماعات لملء هذا الفراغ منذ ذلك الوقت.
وقد ترتب على تلك الفوضى ان اصبحت اجزاء من ليبيا مفرخا لمسلحين يستلهمون فكرهم وتحركهم من تنظيم الدولة. وقد زاد ذلك بدوره الازمة الامنية في البلد سوءا، في الوقت الذي تدعي فيه جماعات معارضة الحق في الحكم تحت راية العلمانية.
الحقيقة ان الصراع في ليبيا ليس بين الاسلاميين والعلمانيين. فهذا التأطير الممل لتفسير السياسة العربية يخفي تعقيدات وراءه للوضع في ليبيا. فتقريبا كل الفصائل الرئيسية المتنافسة في ليبيا تضم أعدادا من الاسلاميين والليبراليين والمتشددين المسلحين.
بل إن التقسيم الحقيقي في البلد هو بين اولئك الذين يريدون ان تتحرك ليبيا وتمضي الى الامام عبر حكومة الوحدة التي تم تشكيلها مؤخرا وبين اولئك من هم على شاكلة الجنرال القوي خليفة حفتر الذي سيطر على جزء كبير من الشرق بعد سقوط العقيد القذافي والكاره للتخلي عن حكم الرجل الواحد لاقطاعيته منطلقا من مدينة طبرق الساحلية.
ان التحرك صوب حكومة الوحدة بطيء وصعب. فحتى ديسمبر الماضي لم تكن الجهود التي تدعمها الامم المتحدة قد أتت اكلها بالتوقيع على الاتفاق السياسي الليبي نتيجة للمفاوضات الطويلة بين المعسكرين السياسيين المتصارعين في طرابلس العاصمة وطبرق وغيرهما. ولم يدخل مسئولو الحكومة الجديدة طرابلس الا قبل اسابيع قليلة.
وعلى الرغم من الدعم الكامل من مجلس الامن الدولي، فانه لا يزال هناك اعداء لحكومة الوفاق الوطني هذه. فبعض الخصوم يريدون احباط تطلعات الحكومة الجديدة لصالح ليبيا ديمقراطية تعيش في رخاء بعد الثورة وذلك من خلال العودة لنظام حكم على نمط نظام القذافي. بينما يخشى اخرون بشكل واضح من ان حكومة الوحدة سوف تقوض مكانتهم وسلطتهم.
ومن بين الرافضين قيادات مثل اللواء حفتر الذي يريد السيطرة على وزارة الدفاع ونوري ابوسهمين رئيس المؤتمر الوطني العام الذي يريد التراجع والتفاوض على اتفاق سياسي جديد. وعادة ما يبرر هؤلاء المعارضون مواقفهم بوصفها استجابة لما يرونه تصرفا غير نزيه من خصومهم السياسيين في حكومة الوحدة.
ومع ذلك، فان هدفهم ليس الترويج لفكر بعينه بل لحماية السلطة التي اكتسبوها في فوضى ما بعد الثورة الليبية. وهم قلقون في الاساس من ان حكومة الوفاق الوطني، التي لا يحظى فيها اي فصيل باغلبية، لا يمكن السيطرة عليها بالطريقة التي يمكن ان يقدموا بها برامجهم وحساباتهم الشخصية.
وفي الوقت الذي يبرر فيه معسكر اللواء خليفة حفتر تصرفاته العسكرية عبر التحذير من سيطرة الاسلاميين، حاول انصار ابو سهمين تصوير حكومة الوحدة على انها مؤامرة غربية، وانه اذا سمح لها بالحكم، فانها سوف تتخلى عن سيادة ليبيا وتتجاهل الاهداف الاصيلة للثورة. وللمضي قدما يتعين على الليبيين عدم الالتفات الى تلك الاصوات الرجعية.
وغالبا ما يعرض افراد تلك المجموعات انفسهم بطرق مختلفة على انهم ليبراليون او اسلاميون معتدلون او ديمقراطيون ذو ميول قومية. ويتحدثون عن العمل من اجل حكومة نزيهة، وان كان الكثيرون قد جمعوا سلطات شخصية واسعة وثروات طائلة من خلال استغلال الاضطرابات الاخيرة. وبعض مما يوصفون بالليبراليين الذين يحبون التحذير بصوت عال من نفوذ الاسلاميين قد تحالفوا مع امراء الحروب من امثال اللواء حفتر. وعلى ما يبدو فانهم لا يمانعون اعتلاء السلطة السياسية على ظهر دبابة وتحطيم الديمقراطية المؤسسية. والغرض الاساسي لحكومة الوحدة هو كشف هؤلاء المتعصبين.
وقد ظهر السفير الليبي لدى الامارات العربية المتحدة عارف علي النايض التابع لمجلس النواب في طبرق، المجلس المدعوم من قبل حفتر بوصفه صوتا بارزا لأولئك الذين يصورون كل الاسلاميين وبدون تمييز على انهم “ارهابيون”. وذلك من خلال وضعه تنظيمات متنافرة سياسيا بشكل كبير مثل الاخوان المسلمين والجماعات الجهادية وتنظيم الدولة في سلة واحدة، واتهامهم باضطهاد الشعب الليبي تحت ستار حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الامم المتحدة.
كما يذكر ايضا ان تلك الاطراف المتحاربة حاولت اضفاء الشرعية على نفسها عن طريق احياء المؤتمر الوطني العام، بعدما كان من المفترض ان يفسح الطريق امام مجلس النواب المنتخب قبل سنتين. وما لا يذكره النايض وغيره هو ان المحكمة العليا في ليبيا قضت في عام 2014 بان التعديل الدستوري الذي اقره المؤتمر قبل انتخاب مجلس النواب باطل. وهذه يعني ان العملية التي تشكل على اساسها مجلس النواب باطلة وانه يجب حل البرلمان الجديد.
وفي خضم تلك النزاعات، باتت النزعة الطائفية السياسية في ليبيا اكثر ترسخا. وعلى النقيض من ادعاء النايض بحكم الاسلاميين المستبد، فان كثيرا من الزعماء الليبيين بما فيهم رئيس حزب العدالة والبناء وهو الحزب السياسي الاسلامي البارز( والذي انا عضو فيه) قد عمل بشكل جدي على تخفيف التوترات وتمهيد الطريق امام المفاوضات.
ان تشكيل حكومة الوحدة يعد انجازا كبيرا، وان كان الطريق الى نظام ديمقراطي لا يزال شاقا، ولاسيما عندما يتعلق الامر بانهاء العنف بين الفصائل المتعصبة. ويتخذ اللواء حفتر بشكل خاص الجيش الذي شكله مجلس النواب بوصفه قاعدة قوة وسلطة ينافس بها خصومه السياسيين في طرابلس. وكما اوضح مارتن كوبلر المبعوث الاممي الخاص بليبيا فإن تلك القوة لا تمثل كل ليبيا. وبغية اعطاء الحكومة الجديدة احتكار استخدام القوة، فانه يتعين على كل الجماعات المسلحة بغض النظر عن خلفيتها الفكرية، ان تتخلى عن سلاحها، ويجب ان يكون الجيش موحدا تحت هيكل قيادة واحدة.
ان المجتمع الدولي يدرك انه لا يمكن ان يسمح لليبيا بالتحول الى دولة فاشلة، وهذا هو السبب في ان الامم المتحدة تلقي بثقلها خلف المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني. كما ان المعركة الحقيقية لليبيا هي بين اولئك الذين يفضلون اعادة تأسيس حكم استبدادي واولئك الذين يريدون بناء ديمقراطية سليمة.

عبد الرزاق العرادي رجل أعمال
وعضو المجلس الانتقالي الليبي السابق. خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى