الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: السيسي باللباس المدني

باختصار: السيسي باللباس المدني

زهير ماجد

حتى في لحظات هزيمته عام 1967 أعطى الشعب المصري لجمال عبدالناصر تفويضا بالحرب بعد التشبث ببقائه .. وعندما قال استقالته، طالبته أم كلثوم بأغنية لم يسبق أن كتبت ولحنت وغنيت بهذه السرعة قائلة له “ابق” .. فيما غنى له عبدالحيم حافظ في الأيام الصعبة ما بعد الهزيمة “ناصر يا حرية” .. كلهم غنوا له، أسمعوه إرادتهم التي توجها في مؤتمر الخرطوم بلاءاته الثلاث المعروفة.
سوف يعز على المشير عبدالفتاح السيسي، الرئيس المقبل لمصر كما تقول التوقعات، أن الساحة الفنية فارغة من عمالقتها .. يحتاج كل قائد كبير إلى الإعلام الذي يسهل له الطريق نحو الشعب، وإلى من يقدم له حكمه وتجربته، وإلى من يربطه مع شعبه بأبهى ما يكون الرباط. يحتاج السيسي أن يكون له منبره الذي تطل منه تجربته عبر أفواه الآخرين، وألحان الآخرين، وأدواتهم. فكثيرا ما ينجح الرئيس لأن المناخ السائد حوله ساعده على التخطي.
تغيرت مصر ما بعد عبدالناصر، ربما لو كان ناصر في مثل هذه الظروف المصرية المعاشة والعربية أيضا والعالمية، لغير كل استراتيجيته .. فهل يبدأ السيسي الذي كان في كامل أناقته بلباسه المدني، من حيث انتهى عمر عبدالناصر، قادرا على حذف عشرات السنين من عمر تجربة أوصلت مصر إلى مكان لم تعد تهواه ولا تريده، أم تراه سيبدأ من حيث ما بشر به من مصاعب، واضعا الناس أمام اختبار أولي بتفهم الحالة المصرية، وبإعطائه جرعات من الوقت الذي تحتاجه عمليات الترميم وصولا إلى تسهيل مهمته، وبعدها ما هو مطلوب منه كرئيس في زمن الصبر المصري.
عندما فكر محمد علي باشا بمصر قوية، عملاقة، ميسور لها سبل العيش، التفت إلى بلاد الشام، وعندما أرادها كذلك عبدالناصر التفت إلى المكان ذاته .. كان أعداء محمد علي هم غير أعداء عبدالناصر، وما كبله غير ما كبل ناصر، بل ما أطلق يده هو اعتماده على الفكرة القومية وكذلك عبدالناصر .. لكن مصر اليوم أقرب ما يكون إليها كمطلب، لكنها عاجزة بحكم اتفاقية تكبلها، وتمنعها من أن تحدد غدها، بل ثمة من يصر على أن تلك الاتفاقية هي التي كبلت مصر السادات ومبارك، ولسوف تعيق أي تقدم مصري كائنا من كان فيها الرئيس.
جميل لباس السيسي المدني، وهو يستعد لليوم الموعود .. هو الجيل الذي يفترض أن يكون صدى لعبدالناصر وليس لناصرية متأخرة .. فالحكم في مصر في ظروفها الصعبة، والعارفون يؤكدون أن كل ظروفها لم تكن هينة، تحتاج إلى مناخ جاهز يقدم لمن يقود ما هو قادر على اختراق مناخات التحدي .. وقبوله من قبل المشير السيسي عملية تحدٍّ كبرى يفترض فيها أن تقلب المعادلة، وأن تتواجه مع التحدي وأن لا تخاف كما يقول روزفلت من “أن الشيء الوحيد الذي نخافه هو الخوف نفسه”. فمصر اليوم في لحظة غروب، عليها أن تستعيد شروقها الذي كان، وموقعها الذي تبوأته، ودورها الذي مكنها من أن تكون رائدة عربية إسلامية إفريقية وعدم انحياز.
يبدو أن مصر بحاجة للمشير السيسي في لباسيه المدني والعسكري .. ولتكن لحظة خيار حكمها في هذا التوقيت، هو الحكم الذي ينده على كثير من التاريخ وقليل من الحاضر، وعلى حكم له قابلية مسح كل ما علق من معوقات كي يظهر وجهها الحقيقي .. فمصر ليس لها بالتالي سوى وجه واحد كونها أم الدنيا.

إلى الأعلى