السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (79)

تكـريـم الله للإنسان (79)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فإن الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) قـد نهى عـن تـلـقي الـركـبان، وذلـك أن يخـرج الـتاجـر طالب السـلعـة إلى طـريـق جالبها، فـيـتـلقـاهـم قـبـل أن يصـلـوا بها إلى السـوق العـامة فـيسـتأثـر بها دون الناس، ثـم يكـون سـبـبا لاحـتكار في السـلـع، ولعــل الجـالـب للسلعـة لا يعـلـم سـعـرها الحـقـيـقي في السـوق ، فـيبـيعـها بأقـل مـن سـعـرها فـيـعـتـبر هـذا تحـايـل لا يقـره الإسلام.
إن مـن يـفـعــل ذلـك لا شــك أنـاني لا يـحـب إلا نـفـسه، ومـن كان كـذلـك يجـب أن يحـرم، ويمـنـع مـن هـذا التصـرف اللا إنساني، والمثـل يـقـول:(مـن تعـجـل الأمـر قـبـل أوانه، عـوقــب بحـرمانه)، وفي الـنهـي عـن ذلـك تـأديـب للـنـفــس وتهـذيـب للأخـلاق الفاضلة والمـزايا الكاملة.
ونهـى رسـول الله (صـلى الله عـليه وسـلم)، عـن أن يبـيع حاضـر لـباد (القادم مـن الباديـة) فـقال:(دعـوا الناس في غـفـلاتهـم ، يـرزق الله بعــضهـم مـن بـعـض).
ولاشـك أن أهـل الـبادية إذا اعـتـمـدوا في بـيـعـهـم عـلى أهـل الحـضـر، وغــلا السـعـر بطـل جانـب عـظـيـم مـن جـوانـب الـرزق، والمساهـلة والمسـامحـة والمـؤمـن ســمح إذا اشـترى سـمح إذا باع.
ويسـتحـب عـدم الجـدال، في البـيـع والشـراء ، وإن ما نـراه في عـصـرنا الحاضـر، مـن كـثـير مـن الناس أنهـم يـتخـذون الجـدال والمـراء والحـلف سـلاحا قـويا لتـرويـج سـلعـهـم، وقـد حـذرنا الله عـن ذلك بقـوله:)وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الـواقـعـة ـ 82).
فـلم يسـلم البائـع ولا الـشـاري، مـن الجـدال والمـراء والحـلـف ، حـتى أن بعـض الـذين يـريـدون شـراء السـلعـة المعــروضة، يــوهـمـون البائـع بأنهـم وجـدوا نـفـس تلـك السـلعة مـع غـيره بأقـل مما عـرضها عـليه هـو، فـيـدخـل البائع في دوامة الحـيرة مـبهـوتاً، لا يـدري ما يعـمـل، وكل ذلك يقـع عـنـدما يـبتـعـد الناس عـن روح الإسـلام، في البيـع والشـراء.
فالسماحـة في البيـع والشـراء، والأخـذ والعـطـاء مأمـور به، وواجـب اتبـاعـه، وفي الحـديـث الـنـبـوي الشـريـف يقـول (صلى الله عـليه وسلم):(رحـم الله رجـلا سـمحا إذا باع ، سـمحا إذا اشـترى).
ويحـرم الإسـلام الاكـتساب لابـتـغـاء عـرض الحـياة الـدنيا ، بما هـو محـرم شـرعاً أو بما ينافي في الخـلـق والـفـضيلة كالـربا والقـمار ودور البغـاء واحـتكار الطعـام وما يضـر بالناس احـتكاره، ولأن الطـعـام يعــتبر مـن الضـروريات التي لا يستغـنى عـنها الإنسان، بـل هي قـوام حـياته.
ويحـرم البيع والشـراء سـاعة الـنـداء لصلاة الجـمعـة ، لقـوله سـبحانه وتعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (الجـمعـة 9 ـ 11).
وتحـريـم البـيع والشـراء في سـاعة الـنـداء لصلاة الجـمعة لأن فـيه إيـثار لعـرض الـدنيا عـلى الآخـرة، وفـيه مخالفة لأمـر الله، وفـيه إلى جانـب ذلـك ظهـور بمـظهـر الجـشـع والـتـلهـف للـمـال، وهـو مظهـر في ذاتـه ينافي الخـلـق الكـريـم، الـذي يسعى الإسلام إلى تـرسـيخه في قـلـوب المـؤمـنـين.
وواجـب عـلى الإنـسـان المـؤمـن، أن يكـون الـفـقه الإسلامي هـو فـكـرته ومنهاجه ولكـل أمة نـظـام ومنهـج وفـكـرة، تـدعـو إلـيها وتحاول جـمع الناس إلـيها، والـتـزامهـا بتـطـبيـق تـلـك الـقـوانـين والـتـشـريعـات، وتجـعـلها فـوق الـكل، والـكل يخـضـع لهـا، بغـض النظــر عـن المسـتـوى الاجـتماعي أو الـوظـيفي أو المالي أو الـعـائـلي.
لـقـد كان مـوقـف الأنصـار مـوقـفاً مشـرفـاً، في نصـرة الإسـلام والمسـلمين وحسبهـم شـرفاً ثـناء الله عـليـهـم في كـتابه الـعـزيـز، حـيث قـال جـل قـائـلاً عـليـماً:(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحـشر ـ 9).
إن المـراد بالـذين تـبـوأوا الـدار هـنا هـم الأنصـار، والمـراد بالـدار هـي المـدينة المنـورة، أي أن الأنصـار اسـتـوطـنـوا المـدينة قـبـل أن يهـاجـر إليهـم المهاجـرون، واسـتـقـروا فـيها، وأخـلـصـوا الإيـمـان بالله ورسـوله، ولـزمـوه ولـم يـفـارقـوه، وهـم يحـبـون مـن هـاجـر إليهـم مـن إخـوانـهـم المـؤمـنين، الـذين أخـرجـوا مـن ديـارهـم بغـير حـق، وكل جـريمتهـم أنهـم قالـوا ربنـا الله، ولا يجـد الأنصار في صـدورهـم أي غـضاضـة أو حـرج مـما هـيئه الله تعـالى للمهـاجـريـن مـن فيء أو خـير، بـل ويفـضـلـونهـم عـلى أنفـسهـم في الاسـتمـتاع بالخـير، ولـو كان الأنـصـار محـتاجـين إلـيه، فـفـاز الأنصار بهـذا الـفـضـل العـظـيـم، وحسبهـم ثـناء الله سـبحـانه وتعـالى عـليـهـم شـرفاً وعــزة وتكـريماً.
ولقـد نـزل المهاجـرون حـين وصـلـوا إلى المـديـنة، في دور الأنصار مـكـرمين مـعــززين عـلى الـرحـب والسـعـة، في ظـلال الإيـمان والحـب والكـرم والمـواسـاة، فـلمـا غـنـم الـرسـول (صلى الله عـليه سـلم) أمـوال بني النضـير، دعا الأنصـار وشـكـرهـم عـلى ما صـنعــوا لإخـوانهـم المهاجـرين، مـن إنـزالهـم إياهـم في مـنازلهـم، وإشـراكـهـم في أمـوالهـم، ثـم قال لهـم:(إن شـئـتم قـسمـت للمهـاجـرين مـن ديـاركـم وأمـوالكـم، وشـاركـتمـوهـم في هـذه الغـنيـمة، وإن شـئـتم كانت لـكـم دياركـم وأمـوالـكـم ولـم نقـسـم لـكـم مـن الغـنيـمة شـيئاً).
فـقال الأنـصار ـ رضـوان الله عـلـيـهـم ـ بـل تـقـسم لإخـوانـنـا مـن ديارنا وأمـوالـنـا وتـوثـرهـم بالغـنيـمة فـنـزلت الآيـة ، وقـيـل لما قال لهـم الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(إن شـئـتم قـسـمـت ما أفـاء الله عـلي مـن بنـي النضـير بينـكـم وبينهـم، وكان المهـاجـرون عـلى ما هـم عـليه مـن السـكـن في مـساكـنكـم وأمـوالـكـم وإن أحـبـبـتـم أعـطيـتهـم وخـرجـوا مـن دياركـم).
فـقال كل مـن سـعـد بن مـعـاذ سـيـد الأوس، وسـعـد بن عـبادة سـيـد الخـزرج بـل تقسمه بين المهـاجـرين، ويـكـونـون في دورنا كما كانـوا، فـنادت الأنصـار قـائلـين: رضـينا وسـلمنا يا رسـول الله، عـنـدئـذ قال الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(اللهـم أرحـم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار).
والإيـثار أرفـع درجـات السـخاء، إذ يجـود الإنسان بالمال مـع الحاجـة إليه، والرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) ينصح المـؤمنين قـائـلاً:(إياكـم والشـح، فإن الشـح أهـلـك مـن كان قـبلـكـم، أمـرهـم بالبخـل فـبخـلـوا، وأمـرهـم بالقـطـيعـة فـقـطـعـوا).
وقـد حـذر الله تـبارك وتعـالى عـباده وخـوفهـم الـركـون إلى الـدنيا وإيـثارها عـلى الآخـرة، فـقال تعـال:(فَأَمَّا مَن طَغَىٰ، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) (النازعات 37 ـ 39)، وقال:(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) (الأعلى 16 ـ 17).
ومن أكـرم الإيـثار وأفـضـل أنـواعه وألـوانه: إيـثار التضحـية بالنفـس النفـيسة في سـبيـل الله، وبـذلها بـلا خـوف ولا وجـل.
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى