الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النور المبين ورحمة الله للعالمين

النور المبين ورحمة الله للعالمين

إبراهيم السيد العربي:
يا من تحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هنيئاً لك هذا الحب الذي به تصل إلى مرتبة المحبين وعليك أن تتذكر أنه حين وصف الله تعالى سيدنا محمداً (صلى الله عليه وسلم) بأنه رحمة للعالمين لم يكن هذا الوصف تحية من عند الله تعالى فحسب بل كان كذلك إرهاصاً بما سيظفر به من البشرية في كل عصورها وأجيالها من حمد لا يُطال ومجد لا ينتهي بهاؤه.
فلقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحمل قلباً كبيراً فيه من الرحمة بأمته والحرص على هدايتهم الكثير والكثير.
لقد كان (صلى الله عليه وسلم) داعية إلى كل خير للبشرية أجمعين, ولقد ربى أصحابه الكرام ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ رباهم على الصدق في القول وفي العمل ورباهم كذلك على السلوك المستقيم, ومنذ أن جاء النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم)برسالته السمحاء إلى الناس أجمعين إلى أن تقوم الساعة, سيظل هو النور المبين وهو الهادي إلى كل خير, وسوف يجد كل عصر فيه وفي دينه القدوة والأسوة الحسنة, وسيجد كل مسلم في دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الآمال المرجوة, والخلاص المرتقب من كل مأزق يحيط بالبشرية, فهو (صلى الله عليه وسلم) : إمام كل زمان وقائد موكب النور المبين, والقيم النبيلة والعظيمة: لقد قال أحد العلماء المستشرقين عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لقد أظهر محمداً عظمته الحقيقية في أنه لم يكن رجل عصر بعينه بل رجل كل العصور, كان رجل دولة لا نظير له فقد استطاع في عصره الذي عمّ فيه الفساد استطاع أن يحوّل هذا الظلام إلى نور يسطع في كل الجزيرة العربية ومن بعدها على العالم أجمع) وربما سائل يسأل: ما هو السر الذي جعل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الشخصية العظيمة والتي تتجلى في كونه رحمة الله تعالى للعالمين؟ السرُ في هذا: أن الله تعالى هو الذي رباه, وكوّن شخصيته القوية في الحق, هذه القوة التي جعلته يقف أمام كل المغريات التي عرضتها عليه قريش لكي يرجع عن دعوته, ولكنه وقف صامداً مؤيداً من الله تعالى, ولقد كانت البيئة المحيطة بالرسول (صلى الله عليه وسلم) تتصف بالعناد والتكبر, ومع هذا استطاع أن يدعوهم إلى الهدى وإلى الصراط المستقيم , وفي سبيل ذلك تحملَ منهم ما لا يطيقه بشر وفي أصعب المواقف وفي أشد الكربات كان يدعو لقومه بدل أن يدعو عليهم، فهو القائل:(اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون) (صلى الله عليه وسلم) لقد جاءه ملك الجبال عند خروجه من الطائف مهموماً فقال له:(لو أمرتني لأطبقت عليهم الأخشبين لفعلت, وإذ بالرؤوف الرحيم يقول له (لعله يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله) فيقول له الملك:( صدق من سماك الرؤوف الرحيم) نعم والله إنه رحمة من الله للعالمين، وهنيئاً لنا أمة الإسلام بنبينا العظيم محمداً (صلى الله عليه وسلم).
جاء في كتاب (رجال حول الرسول) هذه التساؤلات: ما الذي جعل سادة قومه يسارعون إلى كلماته ودينه أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم؟ ما الذي جعل ضعفاء قومه يلوذون بحماه ويُهرعون إلى رايته ودعوته وهو يبصرونه أعزل من المال، ومن السلاح ينزل به الأذى ويطارده الشر, في تحدٍ رهيب دون أن يملك له دفعاً؟ ما الذي جعل جبار الجاهلية عمر بن الخطاب وقد ذهب ليقطف رأسه العظيم بسيفه يعود ليقطف بنفس السيف الذي زاده الإيمان مضاءً رءوس أعدائه ومضطهديه؟ ما الذي جعل صفوة رجال المدينة ووجهائها يفدون إليه ليبايعوه على أن يخوضوا معه البحر والهول, وهم يعلمون أن المعركة بينهم وبين قريش ستكون أكبر من الهول؟ ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون ولا ينقصون وهو الذي يهتف بهم صباحاً ومساءً (لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً) إلى أن قال صاحب الكتاب: أجل الذي جعلهم يصدقون هذه النبوة يحدثهم بها رسولهم (صلى الله عليه وسلم)، وهم الذين يلتفتون حولهم فلا يجدون أمامهم وخلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم سوى القيظ والسغب وحجارة تلفظ فيح الحميم، وشجيرات يابسة طلعها كأنه رؤوس الشياطين؟ ما الذي ملأ قلوبهم يقيناً وعزماً؟ إنه ابن عبد الله ومن لكل هذا سواه؟ لقد رأوا رأي العين كل فضائله ومزاياه لقد رأوا طُهره وعفته، وأمانته واستقامته وشجاعته رأوا سُموه وحنانه رأوا عقله وبيانه، سمعوا نمو الحياة يسري في أوصال الحياة عندما بدا محمد يفيض عليها من وحي يومه وتأملات أمسه رأوا كل هذا، وأضعاف هذا، لا من وراء قناع .. بل مواجهة وتمرساً وبصراً وبصيرة، ولقد كانت رسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، كان بمثابة الولادة من الظلمة إلى النور.
لقد قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بواجب الدعوة إلى الله تعالى بمجرد أن تلقى الأوامر من رب العالمين، وكما أمره ربه فقال تعالى:(وأنذر عشيرتك الأقربين) فصعد جبل الصفا ونادى: يا معشر قريش: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم. أكنتم مُصدقيّ؟ قالوا في صوت واحد: نعم واللات فما جربنا عليك كذباً قط قال: فإن الله قد أرسلني إليكم , لتعبدوه ولا تشركوا به شيئاً, وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فمن هذه الكلمات يتبين لنا. مدى حرص الرسول (صلى الله عليه وسلم) على أمته ورحمته بهم فلقد جاءنا ليحذرنا من النار، ويدعونا إلى جنة الرضوان، فهنيئاً لمن سمع وأطاع, ويا خيبة من عصى وتكبر على رحمة الله للعالمين (صلى الله عليه وسلم).
هذه دعوة وتذكرة لكل مؤمن أن يحمد الله تعالى أن جعله من أتباع البشير النذير (صلى الله عليه وسلم).
فاللهم احشرنا في زمرته، واسقنا من يده الشريفة من حوضه المورود, شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً .. اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

* إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى