الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني: صرخة كبرى مازالت إلى اليوم .. مدوية
في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني: صرخة كبرى مازالت إلى اليوم .. مدوية

في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني: صرخة كبرى مازالت إلى اليوم .. مدوية

رؤية ـ زهير ماجد:
يسافر المرء شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، لكن أرضه لا تسافر .. تظل في مكانها غير محكومة بكل القوانين إلا بقانون واحد هو الجغرافيا الذي وضعها في هذا المكان وجعل لها مكانتها الدائمة.
هكذا نفهم فلسطين التي صارت هي الأرض إن شئنا التمعن، وإن أردنا الفكرة من أساسها .. فليس هنالك مايشبه فلسطين إلا فلسطين، وليس هنالك قضية عادلة بمثل قضية فلسطين، وليس من شعب أراد أن يكون لفلسطينه بلا تراجع مثلما هو الشعب الفلسطيني.
عندما نتذكر يوم الارض، تلك الجملة السحرية التي يشمخ بها الفلسطينيون وحدهم في العالم، وكأنما الارض صارت كلها فلسطين، وليس من بعدها ماهو بحجمها ومكانتها، تتورد الخدود، وينفتح الثغر على ابتسامة من القلب. فهو اليوم الذي تتواعد فيه كل الأيام التي كأنما صنعت من أجله.
يوم الارض إذن ، بوصلة ضميرية ومقولة وجدانية وحدث سياسي مهم جدا في تاريخ الشعب الفلسطيني داخل أراضي العام 1948 .. يشكل هذا الحدث مفصلا مركزيا ومحورا أساسيا في تطور الوعي الجماعي لدى المجتمع الفلسطيني، فهو حدث تاريخي مازال صداه يشكل عاملا مهما في ذاكرة المجتمع العربي وفي علاقة هذا المجتمع بالدولة الاسرائيلية وقد بقي يوم الارض يوما وطنيا يغذي ويحيي الذاكرة الجماعية الفلسطينية، على جميع مركباتها، منضما بذلك إلى أيام ذكرى أخرى، فيها من الشبه وفيها من الاختلاف، مثل يوم النكبة 1948. ولا تنبع أهمية يوم الارض من كونه يوم تحد للسلطة المغتصبة فحسب، وإنما لكونه يتمحور حول المركب الأكثر أهمية في الوجود الفلسطيني تاريخيا وانسانيا وحضاريا، الا وهو العلاقة العضوية بين الشعب والارض .. فالارض لاتعني الوجودين البيولوجي والمادي فقط، ولا تقتصر على الجغرافيا والطوبوغرافيا، فأهمية الارض تتمحور في كونها حاملة للابعاد الحضارية والثقافية والرمزية للتواجد الانساني، عبر جدلية الجهد والابداع البشري والرقي المعرفي، وهي لاتقاس بفلاحتها او استغلالها حصرا، وانما بتوفيرها للحيز الأمن للحراك الاجتماعي والثقافي والحضاري كذلك”.
تعلمنا منذ عام يوم الارض، أن نتذكر نظرة العيون الناعسة باتجاه فلسطين، وكنا في أعوام سبقت، نتفحص الوجوه التي لوحتها الشمس وهي تنشد في قواعدها أغنية فدائي التي تحولت الى نشيد وطني .. ففي تلك القواعد التي زرعت حول فلسطين، صار هنالك نبض جديد للأفق الفلسطيني الذي بلور حالة آجلة لاسترجاع الارض الفلسطينية. فيوم حمل الفلسطيني السلاح، أراد ان يضع مواعيد للمرحلة المقبلة من الصراع مع العدو الصهيوني، كما أراد ان يؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ ماكان لها ان تصمد لولا ثورته التي أحاط بها بعناية فائقة.
لا يحترم العالم الضعفاء، ولهذا اختار الفلسطيني ان يكون محترما مع ذاته وأمام هذا العالم .. فقصة بلاده لاتحتاج للكثير من الاثباتات على انها أرضه ومكانه وتاريخه وهندسة حياته .. انها مروية من جيل الى جيل ، من كلام منقول ومن كتب موثقة ، ومن شواهد تظل قائمة على ذلك.
يوم الارض لا يعبر بالهين، مجرد تكراره كل عام يسمح لذكراه ان تحمل ملامح جبروت شعب يقوى على كل ضعف او مهانة. ففي ظل أوجاعه على الحياة الاجتماعية المزرية التي يعيشها في المنافي وفي المهاجر، يظل لديه الأمل بأن يقدم على كتابة سطور جديدة في تاريخه.
ومنذ أن حمل السلاح، تزينت الارض بشهدائه .. ولكم أعجبتني إحدى أغنيات المقاومة التي هي حوار جميل ينم عن أنسنة ثورته بقوله:” واحدة لغة البارود / واحدة واسال الرصاص / واحد دم الثوار / واحد واسال التراب ” .. الكل يعترف بأن الدماء الفلسطينية عادت تصب في مجراها الطبيعي، على الثرى الفلسطيني، وعادت الاقدام العارية تلامس الثرى الفلسطيني .. صار الفدائي ابنا مطلوبا لخلايا أرضه التي كم عانقها وقدم لها شرايينه المفتوحة على مداها. وأذكر أن أحد الفدائيين الفلسطينيين عندما عاد من عملية له في فلسطين قاطعا الشريط الحدودي مع لبنان، أخبرني في وقت لاحق، انه ما أن تسلل الى أرضه الفلسطينية حتى اشتم عبق أجداده وشعبه وكاد ان يسمع همساتهم، وأن فرحه بعناقها كان السبب الذي أنساه لدقائق المهمة التي جاء من أجلها، فكان أول مافعله أن قبل أرضه، واشتم رائحتها فوجدها مختلفة كما أوصاه يوما جده الذي رحل عن الدنيا تاركا غصة في قلبه وفي حلقه.
يوم الارض الفلسطينية يمكن ان يكون ذاكرة كل المدن الفلسطينية التي مازالت هويتها التاريخية والجغرافية على حالها .. لم تتغير مواقعها مهما اختلف تغيير شكلها او ظل على ماهو عليه .. مازالت حيفا تداعب جبل الكرمل، وما زال الجليل يصب نقاوته في مدينة صفد ويعقد فرحه مع قراه وبلداته المختلفة، بل مازالت عكا سيدة البحر المنفتحة على كل الاشرعة البعيدة والقريبة. وما زالت يافا ناطقة بلغات سابقة على العبرية التي أكلت نسيجها لكنها لم تستطع ان تغير من شأنها العزيز على قلبها القوي .. كيفما تقلبت مدن وقرى فلسطين، فهي مقيمة حيثما اقامت، وهي تعيش حنينا لايشبهه حنين الى تلك الاذرع القوية التي عانقتها دائما في رحلة البحث عن الخير العميم فيها. سمعت كثيرا من الفلسطينيين الشباب الذين لم يعرفوا بلادهم بل تعرفوا عليها كلاما من الجد او الأب، او رأوها صورا مثلهم مثل اي غريب عنها، ان فلسطين تستأهل الموت من أجلها .. ربما كل وطن له النظرية ذاتها، لكن فلسطين عالم آخر ليس له شبيه، انها تشبه وحدها.
ويوم الارض الفلسطينية، ندخل الى الاماكن التي حولها بعض الفلسطينيين الى متحف لتاريخهم المنوع .. اذكر اني دخلته مرات سواء في لبنان او في الاردن .. مازالت عيناي تقويان على تذكر مارأيت وما شممت من روائح شهية في ماتبقى من هذا الإرث الذي حاول الصهاينة الحديث عن انه يهودي، وهو ليس بيهودي ولن يكون .. فاللباس الفلسطيني الشعبي كان معروفا، ووسائل الحياة كانت معروفة، ومن البساطة القول ان الفلافل مثلا هي مأكول واختراع فلسطيني حاول الصهيوني الصاق هذا ” الانجاز ” المعوي به، وكذلك الفول والحمص وغيره .. في تلك المتاحف الصغيرة التي نفذها بعض الفلسطينيين على حسابهم الخاص وقدراتهم المادية السبيظة، تمكن كل متجول في تلك الاروقة المحدودة المساحة ان يرى تعابير من تاريخه ومن استعمالاته الجغرافية وأن يأنس لكون هذا التراث مازال حيا ولسوف يتم توارثه، رغم محاولة التزوير الصهيوني له.
ويوم الارض الفلسطيني’ تصبح كل ارض عربية ملاذا للشقيق الفلسطيني الذي لايهوى أرض غيره، متمسكا بأرضه الى ابعد الحدود وعاملا من أجله ما استطاع .. لكنه اليوم ممنوع من ان يمارس حقه في هذا الأمر. مرحلة سوف تمر كغيرها من المراحل ، لكن موضوع السلاح سيبقى جوهرة المواضيع والملتقى الذي يعيش من أجله كل الفلسطينيين. وهو حين حمله إنما عبد الطريق الى بلاده المسروقة منه، حاول ان يكون وفيا معها، لكن محاولته باءت بالفشل بعدما منع، وصدر الأمر بحقه ان حاول فعلها، وهكذا نامت فلسطين في جوارير القول لا الفعل، عادت موضوعا في المؤتمرات، ورقم بند في سلسلة بنود، مع انها الاساس، بل يجب ان تكون لوحدها بدون بنود، لا بل ان تكون مقاومتها المشروعة محل تفكير كل مسؤول عربي وكل مساعد مسلم لها ..
ويوم الارض الفلسطيني، هو يوم الحوار بين أهل الشتات وبين أمكنتهم، هل يظلون أسراها أم يحرقونها كما طالبت إحدى الاغنيات الثورية الفلسطينية كي يفوزوا بالثورة الدائمة. لكنه ايضا الحوار بينهم وبين أهل الداخل الذين صنعوا يوم الارض وخلصوا إلى كونه يوما فلسطينيا يتشارك فيه الفلسطينيون اينما كانوا وأينما عاشوا وكيفما عانوا. ففي يوم الارض هذا، تهدى طبيعته الى كل فلسطيني في العالم، ويكاد ان يأمر بجدواه كونه صرخة تهز الكون بصداها وتظل تتردد دون توقف. فقضية فلسطين لم تعد فقط عربية او اسلامية وانما هي عالمية، انها كونية بامتياز ويجب ان نعترف بذلك، وحرارتها باتت تلسع كل وجه في هذه الدنيا.
ويوم الارض الفلسطيني هي روح تشد اليها كل طفل فلسطيني يحلم بأرض، ثم يعيد حلمه فتكون ارضه التي كانت يوما لأجداده .. عالم الطفولة الفلسطيني لايعرف الحلم بعد، لكنه كرس نفسه ان يكون له حلم واحد هو العودة التي كثيرا ماسمعها وتحدث عنها الأباء وتكررت أمامه .. قد لايعرف معناها ومبناها، لكنه يشعر بها، كلما رأى مخيمه المفتعل على شكل وطن وليس بوطن، وكلما أحس بذل المكان وما هو بمكانه .. فالعالم يكبر لكنه أمام عينيه يصغر. لقد ولد هذا الطفل كبيرا، من يتعلم الوطنية باكرا يدخل الشباب قبل مرحلته.
ويوم الارض الفلسطيني هو أن نردد معا العودة لفلسطين ضمن حتمية لا رجعة عنها .. حلم الثوار حقيقي، فهم بالتالي يتخيلون شكل الوطن الذي سيعودون إليه .. ومع انه طال السفر خارج الارض الحبيبة، فما زال هنالك عقل يتدبر المسيرة الوطنية مهما حاولوا إلغاءه وتحويله الى مجرد منصة للافكار غير المنتجة. فالعودة هي الصميم، بل في الحتمية التي لابد إدراكها . عامل الزمن قد يحلها، إصرار الفلسطيني واستعداده يصنعها، المجاهرة بها في كل وقت من ضرورات سماع العالم والآخر كلمة السبب الذي من أجله قد يعيد الفلسطيني ترتيب اوراقه وفي طليعتها امتشاق السلاح الضرورة في زمن الاقوياء. فالاسرائيلي لن يعترف إلا بهذا القوي، والحوار بين ضعيف وقوي كما يجري اليوم بين الفلسطيني والاسرائيلي هو من قبيل الاداء الحسن للاسرائيلي كما يشتهي ان تكون الحوارات التي لن تصل في احسن الاحوال سوى الى اقامة آلاف المساكن مقابل التنازل عن عشرة منها.عند الحاجة.
هكذا نفسر يوم الارض الفلسطيني بكل تعرجاته ومندرجاته، بكل محاسنه التي تؤدي الى تفجير الذات الفلسطينية كي تظل متوهجة وحاضرة لأن الصهيوني يسعى الى إطفاء جذوته.
ولأنه يوم متكرر في ذات التاريخ ، فهو اليوم الذي يكون عاما مشتعلا بلا انطفاء. بعض الايام تكون عاما لأنها الاصل في ان تكون على مدار الشهور الطويلة التي يعنيها العام، فهي بالتالي لاتنتهي في يومها.
يوم الارض:
ماميز يوم الارض اذن هو خروج الشعب الفلسطيني لوحده الى الشارع دون أي تخطيط، قادت هذا الشعب نفسه الى الصدام مع الكيان الغاصب، بعدما بلغ الوعي بالخطر الداهم على الارض أوجه في يوم الارض .. واقترب الشعب في الثلاثين من مارس الى إطار العصيان المدني الجماعي فتصرف الشعب لاول مرة كشعب منظم دون قيادة تقود، مستوعبا فيه أبعاد قضيته الاساسية ألا وهي قضية الارض. فما هي القرارات التي صدرت حتى أدت الى هذا الخروج الواسع والشامل؟
كان السبب المباشر لهبة يوم الارض قيام السلطات الصهيونية بمصادرة 21 دونما من أراضي عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها لتخصيصها للمستوطنات الصهيونية في سياق مخطط تهودي الجليل .. لابد من التذكير الى ان السلطات الصهيونية صادرت بين الاعوام 1948 وهو عام النكبة والعام 1972 اكثر من مليون دونم من اراضي القرى العربية في الجليل والمثلث ، اضافة الى ملايين الدونمات الاخرى من الاراضي التي استولت عليها السلطات الصهيونية بعد سلسلة المجازر المروعة التي ارتكبها جيش الاحتلال وعمليات الابعاد القسري التي مارسها بحق الفلسطيني عام النكبة ايضا . يقول كاتب ” ان هبة يوم الارض لم تكن إذن وليدة الصدفة بل كانت وليدة مجمل الوضع الذي يعانيه الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة منذ قيام اسرايل ” . مضيفا انه ” شارك الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة 1967 وأصبح يوم الارض مناسبة وطنية فلسطينية وعربية ورمزا لوحدة الشعب الفلسطيني التي لم تنل منها كل عوامل القهر والتمزق وذكرى للتلاحم البطولي للشعب الفلسطيني في جميع اماكن تواجده.
إن نظرة على منطقة الجليل سوف تعطينا مؤشرا للحالة التي تسود هناك، فرغم كل المؤامرات الصهيونية انتصرت الاغلبية العربية مما دفع اسرائيل الى إطلاق مشروعها المعروف عام 1975 وهو ” تطوير الجليل ” في حين كان المشروع تهويده، وهي الخطة التي تعتبر من أخطر ماخطط له الاسرائيلي وما ذهبت إليه حكومة اسرائيل .. فلقد اشتمل المشروع على إشادة ثماني مدن صناعية في الجليل مما يتطلب مصادرة 20 الف دونم من الاراضي العربية، ذلك ان نظرية الاستيطان والتوسع توصي بأن لاتقام مظاهر التطوير فوق الاراضي المطورة، وانما فوق الاراضي البور والمهملة وهي التسميات التي تطلق على الاراضي التي يملكها العرب. وقد حدد اول رئيس وزراء لاسرائيل ديفيد بون جوريون هدف ذلك بقوله ” الاستيطان نفسه هو الذي يقرر اذا كان علينا أن ندافع عن الجليل ام لا “.
كانت سياسة الغائبين التي ابتدعها الصهاينة عملية سرقة لاراضي الجليل، فقد أصدروا قرارا بالاستيلاء على كل اراضي الغائبين، فكان ان وضعت اليد ايضا على كل املاك حكومة الانتداب البريطاني وتقدر هذه الاراضي بحوالي 2ـ3 مليون دنم .. وهكذا اصبحت اراضي الفلسطينيين بيد الاسرائيلي، فقد كان العرب عام 1948 يملكون حوالى 13 مليون دونم من اصل 27 بينما لم يكن لاسرائيل سوى 5 ملايين دونم والباقي اراضي مشاع.
ومنذ العام 1948بدأ الاسرائيليون في سرقة الاراضي العربية ولكن بشكل اظهرت سرقتها وكأنها مبررة وشرعية .. فمن قانون الاراضي البور الى المناطق المغلقة الى قانون املاك الغائبين الى مناطق الامن الى استملاك اراضي الى ارغام العرب على رهن أراضيهم، حتى تمكنت من تجريد العرب من حوالى مليون دونم من أخصب وأطيب أراضيهم، وكان ذلك تحت شعار اسرائيلي عجيب ” ما اصبح في يدنا هو لنا، والذي مايزال في يد العرب هو المطلوب”.
لم يسكت فلسطينيو الجليل على مايجري ضد أرزاقهم وأرضهم، خصوصا وأن اللصوصية الصهيونية قد فاحت رائحتها في كل الجليل، ولم يعد بالامكان اعتبار مايجري مجرد صدفة، بل هو مخطط متصاعد كان على الجليليين التصدي له بأي شكل من الاشكال. وهكذا تشكلت لجان مختلفة وحصلت اجتماعات متعددة وجرى تنسيق كامل بين الاهالي والسكان العرب دعا الى اعتبار يوم الثلاثين من مارس 1976 اضرابا عاما استنكارا لمصادرة الاراضي. يقول كاتب انه كان تحديد ذلك اليوم ثمرة تصاعد النضال الوطني في الجليل وبلوغه مستوى كبير من التنظيم، فقبل ذلك ومنذ النكبة كانت مقاومة عرب 48 قاصرة على الدفاع ” السلبي ” بالتمسك بالارض والبقاء عليها والتكامل فيما بينهم ، ورفض محاولات التفرقة بين صفوفهم وانتظار الظروف المناسبة للهجوم وإعداد الجيل الجديد من أبنائهم لتلك اللحظات.
لهذا، نستطيع القول ان قرار الاضراب كان بمثابة اول اعلان منذ النكبة على هذا المستوى من الخطيط والعاطفة الفلسطينية والتمسك بالارض .. وفي حين لم يكن لدى الفلسطينيين أي سلاح آخر، كانت الحجارة في يدهم اهم سلاح ، والتعاضد فيما بينهم سلاحا فتاكا، اضافة الى الفؤوس والعصي والمناجل والسكاكين وصفائح البنزين المشتعلة، فيما حصل على الطرف الآخر ان حاول بعض العرب التصدي للجيش الاسرائيلي في سبيل الحصول على أسلحة منه .. وكان من روائع هذا اليوم التاريخي ان استجاب كل العرب اليه رغم محاولات اسرائيل لإفشاله بأي ثمن كان. ومما يذكر في هذا الصدد ان الشرطة الاسرائيلية داهمت قبل يوم اعلان الاضراب قرية عرابة وأخذت تستفز الفلسطينيين بالضرب وإطلاق النار عليهم تخويفا، فاشتبكت مع الاهالي وكان من نتيجة ذلك سقوط شهيد يدعى خير احمد ياسين مازال اسمه محفوظا في سجل الشهداء لا بل الشهيد الاول في إضراب يوم الارض. ولم تقتصر الممارسات الاسرائيلية على هذا النحو، بل شرعت في الثلاثين من مارس اي في اليوم الثاني الى اصدار أوامر بمنع التجوال خلال 24 ساعة في قرى الجليل والمثلث، وعمدت سيارات الشرطة الى تفريق الاهالي وقامت بتنبيههم بأن من يحاول الخروج من بيته اما ان يقتل او يلقى عقابا، لكن ذلك لم يمنع الفلسطينيين من التعبير عن سخطهم ، فبدأ التجمع في الشوارع، وحدث اشتباك جديد بين الاهالي والشرطة في معركة قيل انها من اقوى المعارك التي حصلت. وفيما كانت المعركة دائرة كانت المظاهرات تعم جميع انحاء الجليل وقراه ومدنه، وتطورت الاستفزازات التي مارستها الشرطة الى اشتباكات معها ثم تطورت مع الجيش ايضا الذين حاولوا تفريق المتظاهرين مستعملا كافة انواع الاسلحة.
وهنا حدثت المجازر المتوقعة نتيجة ممارسة الشرطة والجيش الاسرائيليين .. ففي قرية سخنين كانت الاشتباكات على ضراوتها بعدما زعم الاسرائيلي ان الاهالي خرقوا اعلان التجوال وانهم استعملوا القوة فكان ان سقط ثلاثة شهداء وجرح اكثر من خمسين شخصا .. وفي قرية كفركنا تم استفزاز المتظاهرين باطلاق النار عليهم والقاء القنابل المسيلة للدموع واستعمال الهراوات والاعتداء على النساء والاطفال، فاستشهد شاب وجرح آخرون واعتقلت الشرطة العشرات .. واما في قرية الطيبة فاستعمل العنف ذاته مع اهاليها وبطرقه المختلفة، فسقط شهيد، وقامت الشرطة بعد ذلك بحملة واسعة من الاعتقالات .. اما في الناصرة فكانت الممارسات في غاية وضوحها ضد رئيس بلديتها ومن ثم ملاحقة العديد من الشبان والزج بهم في الاعتقالات . وفي قرية طمرة حولت الشرطة ساحة البلدة الى ساحة حرب استخدمت فيها المجنزرات والسيرات العسكرية، وفي دير حنا سقط احد الشهداء واصيب آخر بجراح واعلن الاسرايليون من جانبهم ان 38 جنديا اصيبوا بجراح وان ست سيارات عسكرية قد احرقت. وفي الطيرة اصاب الاسرائيلي عددا من الشبان واعتقل حوالى 40 شخصا .. وفي باقة الغربية خرج الاهالي الى شوارع القرية في تظاهرة كبيرة في عملية تحد للشرطة ولبيانها .. وفي قرية كسرى تصدى الاهالي لجرافات الاحتلال التي منعوها من دخول قريتهم .. وفي كفرقاسم مدينة المجزرة الشهيرة اضربت المتاجر والمدارس وتجمهر حوالى الف شاب في ساحة المجلس المحلي وهتفوا هتافات وطنية ثم ساروا في مسيرة صاخبة الى الاسلاك الشائكة التي اقامتها اسرائيل حول اراضيهم المصادرة واقتلعوها . وفي قلنسوة وضع المتظاهرون حواجز في الطرق واحرقوا اطارات السيارات .. واضربت قرية الرامة التي ينتمي لها الشاعر سميح القاسم. وكذلك فعلت القرى الأخرى وكان التعبير مماثلا لما جرى في القرى والبلدات المذكورة أعلاه .. فكان هذا اليوم لامثيل له من حيث الاضراب والتعبير، وكان مثالا لانضباط جميع فلسطينيي الجليل، بل كان صرخة كبرى مازالت مدوية الى اليوم، ولهذا اعتبر هذا اليوم بمثابة الحدث الذي يتكرر كل عام والذي لابد من ان يعيد الفلسطينيون خلاله فتح الجرح الذي لن يلتئم اطلاقا، ليس بسرقة الاراضي واستملاكها والاعتداء على الناس وقتلهم وارهابهم وغيره من الموبقات ، بل بسرقة وطن بأكمله وإضاعة هويته.

إلى الأعلى