الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ما علاقتنا بالإسراء والمعراج؟!

ما علاقتنا بالإسراء والمعراج؟!

محمد النابلسي: لابد من الوقوف عند ذكرى الإسراء والمعراج، دون أن تمر علينا مروراً يشبه أن تكون عادة من عاداتنا إذا عرفنا أن هذا النبي العظيم كان قدوةً لنا، كان هو هدفاً من أهداف الإنسان في الدنيا، واحتفلنا حقاً بهذه الذكرى على الإنسان أن يعمل حساباً لحاله، وما دام قلبه ينبض فالباب مفتوح، وعليه ان يفهم جوهر المناسبات الدينية

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
في محاضرة قيّمة للدكتور محمد راتب النابلسي ـ الداعية الإسلامي المشهور في الإعجاز العلمي والتفسير ـ حول (ذكرى حادثة الاسراء والمعراج)، استهل محاضرته قائلاً: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وقال: أيها الإخوة المؤمنون، لابد من أن نقف عند ذكرى الإسراء والمعراج، هذه الذكرى تمر على المسلمين مروراً يشبه أن تكون عادة من عوائدهم، يصوموا في هذا اليوم، ويشاهدوا الاحتفالات، ويستمعوا إلى الخطب، وانتهى الأمر، لذلك ترى أن المسلمين على كثرتهم، وهم يعدّون ألف مليون لا وزن لهم في الأرض، أما أصحاب النبي (عليه الصلاة والسلام) فعلى قلَّتهم كانوا هداةً للأمم، فالسؤال أنحن رجال وهم رجال؟ النبي (عليه الصلاة والسلام) بشر ونحن بشر؟!.
مؤكداً في حديثه: إن الإنسان حينما يرى هذه العظمة، وهذا الخلق العظيم، وهذه الرفعة وهذا الذكر العلي، كيف يفكر؟ دائماً هناك تفكير واقعي، وهناك تفكير غير مجدي، لو تصورنا إنسان فقير وله قريب غني، قد يملأ الحديث كله عن هذا القريب الغني، كيف يأكل، أين يذهب، كيف يدعو الناس إلى ولائمه، كيف يسافر، كم ينفق، لباسه، بيته، فالحديث على هذا القريب الغني ماذا يجدي هذا الفقير؟ الفقير هو هو، والغني هو هو، هذا التفكير غير واقعي. مهما تحدثت عن النبي (عليه الصلاة والسلام) هو هو ونحن نحن، ولكنك إذا عرفت أن هذا النبي العظيم كان قدوة لنا، كان هذا النبي الكريم هدفاً من أهداف الإنسان في الدنيا، إذا فكرت في مناسبات الإسراء والمعراج مثل هذا التفكير، احتفلت حقاً بذكرى الإسراء والمعراج.
وقال: ان النبي (عليه الصلاة والسلام) جاء إلى الدنيا وشغلته معرفة الله عز وجل، فحينما كان صغيراً كان يدعى إلى اللعب، له كلمة مأثورة كان يقول (عليه الصلاة والسلام) حينما كان طفلاً: لم أخلق لهذا، كأن هدفاً كبيراً يشغله، كأن طموحاً كبيراً يملأ ساحته، كأن هماً كبيراً يحمله، لم أخلق لهذا، تعبَّد في غار حراء، انقطع عن الناس، غار حراء لو أنك ذهبت إلى الأماكن المقدسة، وأردت أن تصل إلى غار حراء، لاحتجت بعد ركوب السيارة مسافةً طويلة عن مكة، إلى مشيٍ شاق يزيد عن ساعتين أو ثلاثة ساعات، كي يصل إلى جبل اسمه جبل النور، كان (عليه الصلاة والسلام) يتعبَّد الأيام ذوات العدد، يوم ويمان وثلاثة، فهذا النبي (عليه الصلاة والسلام)، هكذا عرف الله عز وجل، فهل أحدنا له مع الله جلسة ربع ساعة باليوم؟ هل له ذكره؟ هل له تفكُّره؟ هل له تلاوته؟ هل ينقطع عن الناس ويقبل على الله عز وجل، الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج من هذا القبيل، هكذا كان النبي، باب البطولة مفتوح على مصراعيه، النبي (عليه الصلاة والسلام) بشر ونحن بشر، الإنسان ألا يطمح أن يكون إنسان عالي الشأن عند الله، أيكتفي أن يكون عالي الشأن في الدنيا، أيكتفي أن يكون همه بطنه، أن يكون همه الدرهم والدينار، أيكتفي بهذا!.
موضحاً في هذا الجانب: ان النبي (عليه الصلاة والسلام) كان يتعبَّد الليالي ذوات العدد في غار حراء، في الأربعين جاءه الوحي، يعني نظري، صار مؤهلاً للرسالة، صار مؤهلاً لنشر الحق، لهداية الخلق، جاءه جبريل، قال: اقرأ، قال: لست بقارئ، والقصة المعروفة، عرف النبي (عليه الصلاة والسلام) في هذا الوقت وقت نزول الوحي، أنه مبعوث العناية الإلهية، هذه الهموم العالية، التي كان يحملها قلبه الكبير، هذه الأهداف الكبيرة أن يعم الأرض الهدى التي كان يطمح إليها، جاء الوحي مصداقاً لها، دعا قومه إلى عبادة الله عز وجل، حاربه قومه، ضايقوه، شددوا عليه، كذَّبوه، ائتمروا عليه، عذبوا أصحابه، أخرجوهم، هنا السؤال: الله سبحانه وتعالى أليس قادراً أن يخلقه في بيئة لا كافر فيها؟ سؤال: لو أن النبي (عليه الصلاة والسلام) وجد في بيئة كلهم مؤمنون، كلهم آمنوا به، وأحبوه، وعظموه، وبجلوه، وأيدوه، وليس له عدو؟، كما ان النبي (عليه الصلاة والسلام) انطوى قلبه على كمالٍ عظيمٍ لا يظهر إلا بهذه المضايقات، جاءه جبربل، قال له:(يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين. قال: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله).
وقال النابلسي: لقد ضيق في تلك الفترة على النبي (صلى الله عليه وسلم) قومه، ائتمروا على قتله، حاولوا أن يضيقوا على أصحابه، قاطعوه، هذا كله زاده صلابة:(والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)، وهنا نصل بحادثة الإسراء والمعراج، حينما اشتدت عليه المحن، وحينما توفي عمه أبو طالب، وتوفي أقرب الناس إليه، عندئذٍ أسرى الله به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى عُرج به إلى السماء، في السماء رأى من آيات ربه الكبرى .. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (سورة النجم ـ 17)، فيبدو أنه في الإسراء والمعراج عرف أنه سيد الأنبياء، وأنه سيد ولد آدم، وأنه باب الله، وهذا الباب لا ينبغي إلا لواحد من خلقه وهو النبي (عليه الصلاة والسلام)، فالنبي (عليه الصلاة والسلام) أكرمه الله عز وجل، فنحن ربنا عز وجل قال:(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء 78 ـ 79).
وقال: والذي أريده من هذا الحديث عن الإسراء والمعراج شيءٌ واحد، ما علاقتنا نحن كمؤمنين بالإسراء والمعراج؟ فهذه آية للنبي (عليه الصلاة والسلام):(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ ..) (الإسراء ـ 1)، هو آية كبرى له، أما نحن ما علاقتنا بالإسراء والمعراج؟ نحن كبشر لا نرقى إلا إذا عرفنا الله سبحانه وتعالى (ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء)، الناس غارقون في شهواتهم، غارقون في تجاراتهم، غارقون في أعمالهم، غرقون في أهوائهم، غارقون في ملذاتهم، لو كشف لهم الغطاء لأراهم خسارتهم، لوجدوا أنهم في خسارة لا تعوض، لذلك ونحن أحياء وقبل أن يفوت الأوان، الإسراء والمعراج يذكِّرنا بأن أثمن شيء في الدنيا أن تعرف الله، فإذا عرفته كشف الله على بصيرتك، زادك هدىً .. (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (الكهف ـ 13).
إذا عرفته رفع لك ذكرك، ما من إنسان رفع الله مقامه وذكره كالنبي (عليه الصلاة والسلام)، فأنت أيها الأخ الكريم، أنا هذا الذي أُلِحُّ عليه اليوم، أنت أنت إذا تعرفت إلى الله سعدت في الدنيا، وسعدت في الآخرة، وفتح على بصيرتك، فرأيت ما لم يرَ الناس، سمعت ما لم يسمعوا، شعرت بما لم يشعروا، أحسست بما لم يحسوا، أدركت ما لم يدركوا، ورفعك الله مقاماً علياً في الدنيا قبل الآخرة، فالشيء الذي يدعو للعجب، كيف يرضى الإنسان عن نفسه وهو مقصر؟ ألا يقول في نفسه أهذا بشر وأنا بشر؟ أهذا النبي العظيم الذي اصطفاه الله، والذي رفع ذكره وقربه وكرمه، أهذا بشر وأنا بشر؟ لا أقول لك كن مثله، باب النبوة قد خُتِم، أقول لك كن على أثره، اقتدي به، اقتفي أثره، اجعله قدوةً لك، اجعله أسوة لك، اجعله أمامك، اجعله هدفاً من أهدافك، فالنبي (عليه الصلاة والسلام) صبر على الأذى، وتحمَّل المضايقات، وتحمل التكذيب، وتحمل المعارضات، وائتمر عليه كفار قريش، وهو صابر محتسب ما غير وما بدل، فأكرمه الله عز وجل.
فأحياناً يتجلى الله على قلبك، فتنسى كل هموم الحياة، تنسى كل متاعبها، تنسى كل مشكلاتها، تحس أن لك عند الله شأناً كبيراً، تحس أن لك عند الله مقاماً، تحس أنك موضع عناية الله سبحانه وتعالى، تحس أنك في عنايته المشددة، فمغزى الإسراء والمعراج أنه ينبغي أن تتخذ النبي (عليه الصلاة والسلام) قدوة لك، أن تكون همومك سماوية لا أرضية، الآن تقعد مع واحد ما له هم إلا ارتفاع الأسعار، ومعاشه لا يكفي، هذه النغمة لا يوجد عنده غيرها بكل حياته، لا يوجد حديث يديره إلا على دخله قليل، والحاجات تغلى، وما في إمكان يعيش، وكيف يزوج أولاده، ينسى أنه لما تزوج لم يكن عنده بيت، ينسى أنه لما كان في سن الشباب لا يملك شيئاً من حطام الدنيا، والله سبحانه وتعالى أكرمه، فنحن لما تمر ذكريات عزيزة على قلب كل مسلم لا ينبغي أن تمر هكذا، لا ينبغي أن تمر كعادة من عاداتنا، يجب أن تقف عندها.
وهنا يتساءل النابلسي قائلاً: ما الذي نستفيده نحن كما قلت قبل قليل: إذا إنسان فقير له قريب غني، جلس وحدثك عن هذا القريب ساعات طويلة، حدثك عن رحلاته، عن احتفالاته، عن ولائمه، عن بيته، عن ترتيب بيته، عن لبسه، وأنت، وهذا الفقير هو هو، فقير فقير، لكن لو تأمَّل هذا الفقير كيف صار قريبه غنياً؟ ما الطريق الذي اتبعه؟ ما الأسلوب الذي سلكه؟ وبدأ يقتفي أثره إلى أن صار على شيء من الغنى، هذا تفكير صار مجدي، الآن هذا التفكير مجدي، إن وصفت لنا قريبك الغني، وأنت فقير أنت أنت وهو هو، ولكن إذا اتخذت من طريقته في تحصيل المال درساً لك، إن اتخذت من أسلوبه في جمع الثروة منهجاً لك، عندئذٍ يكون التفكير في هذا الموضوع مجدياً، هذا المثل للتوضيحي، إذا حدثتنا عن النبي (عليه الصلاة والسلام) فقط، هكذا كانت صورته، هكذا كان مربوعاً، هكذا كان أبيض اللون، كان أزهر، كان منطقه كذا وكذا، هذا الحديث على عظم شأنه، وعلى أنه يثلج الصدور، ولكنه غير مجدٍ لنا، لكنك إذا فكرت في النبي عليه الصلاة والسلام كيف عرف الله؟ كيف أحبه؟ كيف آثره على كل شيء؟ كيف سخر كل إمكاناته لتعريف الناس به؟ كيف صبر؟ كيف ذكر؟ كيف شكر؟ كيف كان عند الله ذا مكانة عليَّة؟ إذا اتبعت سنته، واقتفيت أثره، فقد احتفلت بذكرى الإسراء والمعراج، قال (عليه الصلاة والسلام):(الصلاة معراج المؤمن) ـ من شرح الجامع الصغير، فالنبي (عليه الصلاة والسلام) لعلو مقامه عرج من الأرض إلى السماء، وفي السماء تجلَّى الله على قلبه فأراه حقائق الوجود .. (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)(النجم 17ـ 18)، (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (النجم 12 ـ 15).
وقال النابلسي: ان الوصف صعب، فإذا واحد منكم بهذا العمر قرأ القرآن، ففاضت دموعه، وامتلأ قلبه رحمة، يعرف ما أقول، فالإنسان يحتاج إلى أن يجتهد، فإذا كان تمكن أن يصلي بالليل ركعتين، ويتجه بهما إلى الله من كل قلبه، إذا تمكن أن يقرأ في اليوم صفحتين من كتاب الله ويتفاعل معها، أن يرى أمر الله فيعظمه، أن يرى نهي الله فيبتعد عنه، أن يقرأ قانوناً سنه الله لخلقه، فيتمسك به، ويبث في قلبه الطمأنينة، فكم الآن متاعب في الحياة، من مخاوف .. من مهلكات، فالشيء الذي يميز المؤمن الصادق عن غير المؤمن هي (الصلاة)، فالنبي (عليه الصلاة والسلام) حقق أعلى صلة ينالها مخلوق في الكون في الإسراء والمعراج، وأنت أيها المؤمن يجب أن تحقق نوعاً من الصلة، فأنت تصلي وتصلي، وتقول:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فهل قلبك شاكر لله؟ وهل أنت مع معنى العبادة، معنى الاستعانة، معنى الدعاء، معنى الرحمة، معنى الحمد، هكذا أنت؟ والنبي (عليه الصلاة والسلام) لعلو مقامه عرج إلى السماء، ورأى من آيات ربه الكبرى، وعرف أنه سيد الخلق وحبيب الحق، وعرف أنه صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، عرف أنه لا إنسان فوقه في الوجود، هكذا، فأين أنت ؟ أين أنت من هذه المقامات؟ وبهذه المناسبة المباركة مناسبة الإسراء والمعراج أتمنى لك أيها الإنسان ان تعمل مراجعة لحساباتك كلها، فالإنسان يعمل حساب لحاله، ما دام القلب ينبض فالباب مفتوح، وإذا تمر المناسبات الدينية هكذا، نفهم جوهرها .. هكذا.
وختم النابلسي محاضرته بقوله: وبعد أن أمضينا دروساً كثيرة في شمائل النبي (عليه الصلاة والسلام)، ليسأل كل منكم نفسه هذا السؤال: ماذا طبقتم من هذه الشمائل؟ فهل أحدكم سمع شيء من أخلاق النبي العالية فاقتدى بها في حياته اليومية؟ إذا واحد حقق شيء من هذه الأخلاق والله استفاد فائدة كبرى، أما إذا كان استمع ولم يطبق فقد خسر خسارة كبرى، لأن العلم علمان مطبوع ومسموع، العلم الذي على اللسان حجةٌ على ابن آدم، والعلم الذي في القلب ذلك هو العلم النافع.
* المصدر:(من موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية)

إلى الأعلى