الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قصة اللغة!

قصة اللغة!

جواد البشيتي

”الإنسان، في سعيه المعرفي، إنَّما يستهدف الوصول إلى “الحقيقة”، أيْ إلى فهم الأمور فهمًا يمْكن، عبر الممارسة والتجربة العملية، إقامة الدليل على صحَّته. وتوصُّلا إلى “الحقيقة” لا بدَّ من إنشاء وتطوير منهج، يتأكَّد، عبر الممارسة والتجربة العملية، أنَّ أخْذَنا به يُوْصلنا إلى “الحقيقة”، التي ليس من ميزان نزنها به سوى ميزان الممارسة والتجربة العملية”
جواد كاتب فلسطيني ـ الأردن
الحاجات والضرورات (وفي المقام الأوَّل منها تلك التي لا بدَّ من تلبيتها والتوافُق معها، تفكيرًا وممارَسةً، من أجل البقاء) هي (دائمًا) المُعَلِّم الأوَّل والأعظم للناس؛ فإنَّها تَدْفَعُهُم إلى “التعلُّم”، وإلى “العمل”، الذي من طريقه يُغَيِّرون بيئتهم الطبيعية بما يَخْدُم أغراضهم ومقاصدهم.
و”الحاجة”، باشتدادها وضَغْطِها، هي التي تَشْحَذ الذِّهن والخيال، فيُوْلَد، من ثمَّ، وأخيرًا، “الاختراع (أو الابتكار)”؛ وحاجات الإنسان تختلف وتتغيَّر باختلاف وتَغَيُّر الأمكنة والأزمنة؛ والحاجات (الإنسانية) تشبه “الشجرة”، بأصولها وفروعها؛ وثمَّة حاجات هي لجهة أهميتها، أو أهمية تلبيتها، كـ”أصل” الشجرة.
و”اللغة”، نشأةً وتطوُّرًا، لا تَشُذُّ عن هذا “القانون”، قانون “الحاجة هي أُمُّ الاختراع”؛ فـ”اللغة” اختراع اخترعه الإنسان (أيْ “الجماعة” من البشر) إذ اشتدت حاجته إليه.
هل “الوعي” هو الذي اخترع “اللغة”؟
القائلون بـ”حُكْم الوعي للعالَم (حُكْمًا أُوتوقراطيًّا مُطْلَقًا)”، يجيبون عن هذا السؤال، وعلى البديهة، قائلين إنَّ “الوعي” هو مُخْتَرِع “اللغة”.
لكن إجابتهم هذه تتمخَّض، ويجب أنْ تتمخَّض، عن سؤالٍ آخر، هو: “هل للوعي (الإنساني) من وجود قَبْل اختراع اللغة؟”
كلَّا، لا وجود له، ولا يُمْكنه أنْ يُوْجَد؛ فلا “وعي” بلا “لغة”.
إنَّني كثيرًا ما سَمِعْتُ كاتِبًا يقول (إذ استعصت عليه، واستغلقت، الكِتابة) إنَّ “الفكرة” موجودة في رأسي؛ لكنِّي لا أستطيع التعبير عنها.
كلَّا، لا وجود لهذه الفكرة في رأسه؛ فإنَّ “الفكرة” التي لا يُمْكِنكَ (أبدًا) التعبير عنها (ولو باللغة العامِّيَّة) هي فكرة لا وجود لها (أبدًا) في رأسكَ؛ فالإنسان إنَّما يُفكِّر بـ”الكلمات”، أيْ بواسطتها؛ و”الفكرة” لا تَحْضُر في الذِّهن إلَّا وهي مرتدية “كلمات”؛ فـ”اللغة” هي “وعاء الفكر”؛ فَمَنْ ضاق وعاؤه اللغوي، أيْ ضَعُفَت لغته، ضاق فكره، أيْ ضَعُف؛ فوسِّع وعاءكَ اللغوي (نَمِّ ثروتك اللفظية) يتَّسِع فكرك ويَثْرى؛ لكنَّ “الثروة اللفظية” كـ”الثروة المادية” لا نَفْع منها إذا لم يُحْسِن صاحبها “استثمارها”.
لقد زاوَلَت الجماعة البشرية البدائية “العمل”، أيْ تغيير “بيئتها الطبيعية” بما يلبِّي حاجاتها الأوَّلية (المأكل والملبس والمسكن والأمن). وقبل أنْ تَخْتَرِع “الأدوات (أدوات العمل)” استعملت “أدوات طبيعية”، أيْ مأخوذة من الطبيعة مباشِرَةً، كالحجر والعصا وعِظام الحيوان؛ ثمَّ أصبح هذا “الكائن الاجتماعي”، أيْ “الإنسان”، “صانع أدوات (للعمل)”.
ومع صُنْعِه “أدوات العمل”، وتَوسُّعِه في تغيير “بيئته الطبيعية”، وتأسيسه، من ثمَّ، لـ”البيئة الاصطناعية (أو الطبيعة الثانية)”، تَعاظَمَت “المَدارِك الحِسِّيَّة” للإنسان، ونما وتنوَّع مخزونه من “المعطيات الحِسِّيَّة”، أي ما تعطيه إيَّاه حواسه من أحاسيس مختلفة متنوِّعة.
في “العمل”، وبه، اشتدَّت وتعاظَمت الحاجة لدى أفراد الجماعة البشرية البدائية إلى “أداة اتِّصال”، أيْ “لغة”. ولقد جاءت “اللغة (المنطوقة أوَّلًا)” من “اللغة الحيوانية البدائية (الأُم)”، والتي قوامها “الصَّوْت (بتنوُّعه واختلافه). و”الصَّوْت (على هيئة صيحة تحذير وإنذار)” اسْتُعْمِل لدرء المخاطر (التي مَصْدَرها الأهم وحوش مفترِسة) عن أمن الجماعة البشرية البدائية.
ومن “الصَّوْت الإنساني”، وبتنوُّعه، نشأت “الكلمات الأولى”؛ وكانت “أسماء الأشياء (التي تهمُّ الجماعة البشرية البدائية)” الجزء الأهم من تلك الكلمات (المنطوقة).
لقد اخترعوا (بتواضُعهم واتِّفاقهم) طائفة (شرعت تتَّسِع وتنمو) من “الأسماء الجامدة”، والتي هي أسماء سُمِّيت بها أشياء من قبيل “رَجُل”، و”امرأة”، و”طفل”، و”نار”، و”كلب”، و”نهر”، و”شجرة”، و”قمح”؛ فـ”العمل”، الذي خَلَق “المجتمع الإنساني”، وَلَّد ونمَّا “الحاجة إلى الاتِّصال اللغوي (الاتِّصال بكلمات وأسماء من طريق النُّطق، قبل اختراع الكتابة والأبجدية)”.
وعلى أساس “الكلمات (اللغة)” ينشأ وينمو وعي الإنسان منذ الطفولة؛ فبواسطة “الكلمات” نتبادل الأفكار؛ وأنتَ إذا كنتَ تُفكِّر في صمت فإنَّك تستعمل الكلمات؛ وعندما تتكلَّم مع نفسك، تُلْبِس أفكارك رداء الكلمات.
وأحسبُ أنَّ في مفهوم “القوَّة” Force في الفيزياء ما يَصْلُح لوصف الصِّلة بين “الكلمة” و”الفكرة”؛ فهذا الجسم (مثلًا) يؤثِّر بذاك، عن بَعْد، بواسطة “جسيم (عديم الكتلة)”، ينطلق منه، فيُصيب الآخر، حامِلًا فيه، أو على متنه، “التأثير”، أو “القوَّة”؛ وهذا النوع من الجسيمات يسمَّى “الجسيم الحامِل (الناقِل) للقوَّة (للتأثير)”.
و”الكلمة” كمثل هذا الجسيم، تنطلق من إنسان إلى آخر، حاملةً فيها، أو على متنها، “الفكرة (أيْ “القوَّة”، أو “التأثير”، في مثالنا الفيزيائي)”؛ وكما يستحيل الفصل بين “الجسيم (الحامِل)” و”التأثير (المحمول)” يستحيل الفصل بين “الكلمة (الحامِلة)” و”الفكرة (المحمولة)”.
وإنَّ من الأهمية بمكان أنْ نَنْظُر في “المعاجِم” لِنَقِف على التطوُّر التاريخي لمعنى الكلمة الواحدة؛ فانْظروا، مثلًا، إلى كلمتيِّ “أَنْف” و”ريح”.
المعنى الأقدم والأُم لكلمة “أَنْف” يدلُّ على “عضو (في الوجه)” هو “الأنْف”؛ ولَمَّا رأوا الإنسان “المُتَكبِّر” يَشْمَخ بأنْفِه استحدثوا كلمة “أنَفَه” ليدل معناها على العِزَّة والحَميَّة.
أمَّا “الرِّيح” فهي “الهواء إذا تحرَّك”؛ وكلمة “رَوْح” تؤدِّي معنى مشابهًا. ولَمَّا رأوا من علامات الموت علامة “عدم دخول هواء (أو ريح، أو رَوْح) إلى الرئتين، وعدم خروج هواء منهما” اسْتَحْدثوا كلمة “رُوح (أو نَفْس)”، وأعطوها معنى يشبه كثيرًا معنى “الرِّيح”.
لقد استهلُّوا تأسيسهم للغة (البدائية) بكلمات أساسية، تُنْطْق نُطْقًا؛ وكانت “أسماء الأشياء (المهمة لهم)” هي جزءها الأهم.
لكنَّ “التسمية”، أو “صناعة الأسماء”، ليست بالأمر اليسير السَّهل؛ فإنَّ “المنطق” هو وحده الطريق إلى “التسمية”. إنَّ أفراد الجماعة البشرية البدائية لا يُمْكنهم التواضع والاتِّفاق على تسمية هذا الشيء “شجرة” إلَّا بعد بَذْلِهم “جهدًا ذهنيًّا مخصوصًا” يسمَّى “التجريد”؛ فَهْم ينبغي لهم أوَّلًا أنْ يعرفوا أنواعًا عدة من الشجَّر (برتقال وتُفَّاح وزيتون..). ثمَّ ينبغي لهم أنْ يُدْرِكوا “المُشْتَرَك” من الصفات والسمات والخواص بين أنواع الشَّجر التي يَعْرِفون.
وكَشْف، أو اكتشاف، هذا “المُشْتَرَك” ليس بالأمر الذي تُنْجِزه “الحواس”، وإنْ كانت “معطيات الحس” شرطًا أوَّليًّا لإنجازه. إنَّ أمره يعود إلى “العقل”؛ فـ”العين الثالثة”، وهي كناية عن “العقل”، هي التي في مقدورها رؤية “المُشْتَرَك (وهو الجوهري والأساسي)” من الصفات والسمات والخواص بين أنواع الشَّجر جميعًا.
الحيوان لا يُدْرِك (وليس في مقدوره أنْ يُدْرِك) هذا “المُشْتَرَك”؛ لأنَّ “التجريد (الفكري)” هو خاصية “الدماغ البشري”، أيْ خاصية الإنسان الذي هو، بالضرورة، عضوٌ في جماعة من جنسه، يعيش بينهم ومعهم، ويعمل بالتعاون مع غيره من أعضائها، ويُعبِّر لهم عن “الأشياء (والأفكار)” بـ”كلمات (منطوقة؛ ثمَّ مكتوبة)”، أيْ بـ”لغة”.
وللتدليل على أهمية “القدرة على التجريد (الفكري)” أُجْرِيَت التجربة الآتية:
جيء بقرد، وعلَّمه الإنسان كيف يغرف (بمغرفة) ماء من برميل، ليُطْفئ نارًا.
ولَمَّا تعلَّم القرد، وَضَعوا له موزة، مُشْعلين حولها نارًا (فالموزة هي دافِعٌ قوي لقرد جائع).
وعلى مقربة من حلقة النار وَضَعوا له برميل الماء والمغرفة، فشرع القرد يغرف ماء من البرميل، ليُطْفئ به النار؛ فلمَّا أنجز هذه المهمة فاز بالموزة.
ثمَّ عُدِّلت التجربة؛ فالقرد وُضِعَ مع الموزة، التي حولها نار، ومع برميل الماء والمغرفة، فوق لوح خشب يطفو على سطح بركة.
القرد توجَّه فحسب نحو برميل الماء، وشرع يغرف منه الماء، ليطفئ النار، وصولًا إلى الموزة.
لم يذهب القرد إلى البركة ليغرف من مياهها؛ لأنَّ نشاطه الذِّهني لا يَعْرِف “التجريد”؛ وفي مثالنا هذا، لا يَعْرف القرد “الماء العام”، أيْ “المُشْتَرَك من الصفات والسمات والخواص بين ماء البرميل وماء البركة.
وهذا إنَّما يَدُلُّ على أنَّ “اللغة” و”المنطق” شيئان متلازمان، متَّحِدان اتِّحادًا لا انفصام فيه؛ فلا “لغة” بلا “منطق”، ولا “منطق” بلا “لغة”.
الإنسان فحسب (وبصفة كونه كائنًا اجتماعيًّا) يستطيع وعي وإدراك الخواص المشترَكة (ومنها خاصية إطفاء النار) بين ماء البرميل والنهر والبئر والبحر..؛ ويستطيع، من ثمَّ، خَلْق “الماء العام”، أيْ “فكرة (أو مفهوم)” الماء.
قُلْنا إنَّ “اللغة” و”المنطق” شيئان مندمجان متداخلان، لا يمكن فَصْل أحدهما عن الآخر؛ لكن، ما هو “المنطق”؟
من طريق “التجربة” و”الخطأ”، تعلَّم البشر (أو اكتسبوا) مهارات مختلفة (متنوعة) تعيَّن عليهم نقلها من جيل إلى جيل (وهذا النقل مشروط بوجود لغة).
ومن التجربة العملية، ليس إلَّا، تَعلَّم الإنسان أمرًا في منتهى الأهمية، وهو أنَّه لا يمكنه فعل أي شيء يرغب في فعله، أيْ لكونه يرغب، فحسب، في فعله؛ فثمَّة قوانين موضوعية ينبغي للإنسان موافَقَة فكره معها إذا ما أراد لفعله النجاح.
الإنسان، في سعيه المعرفي، إنَّما يستهدف الوصول إلى “الحقيقة”، أيْ إلى فهم الأمور فهمًا يمْكن، عبر الممارسة والتجربة العملية، إقامة الدليل على صحَّته.
وتوصُّلا إلى “الحقيقة” لا بدَّ من إنشاء وتطوير منهج، يتأكَّد، عبر الممارسة والتجربة العملية، أنَّ أخْذَنا به يُوْصلنا إلى “الحقيقة”، التي ليس من ميزان نزنها به سوى ميزان الممارسة والتجربة العملية.
وهذا المنهج هو ما تواضع الفلاسفة على تسميته “المنطق”، متوفِّرين على إنشاء وتطوير قواعد ومبادئ له.
و”الفكر”، أو “التفكير”، ينبغي له أنْ يراعي، تلك القواعد والمبادئ، وأنْ يستمسك بها ويتقيَّد، إذا ما أراد صاحبه الوصول إلى “الحقيقة”؛ فمِنْ أين جاء “المنطق”، بقواعده ومبادئه، إلى رأس الإنسان؟
لم يجئ إلَّا من مَصْدَرٍ واحد هو “التجربة العملية (الممارسة)” للإنسان في سياق صراعه ضدَّ الطبيعة؛ فـ”النجاح” و”الفشل” في التجارب العملية للإنسان هما ما فرضا عليه أنْ يكون “منطقيا في تفكيره”. “والمنطقية في التفكير” لم تنشأ لدى البشر إلا بصفة كونها “شرط بقاء”.
لقد وُلِدَت “اللغة” على هيئة “أصوات”، أو “كلمات صوتية”؛ وقد خالطتها “إشارات (يدوية)”؛ وكان “اللسان” عضو اللغة، أو أداة (وسيلة) الاتِّصال (تبادل الأفكار والمشاعر) بين أفراد الجماعة البشرية؛ ثمَّ انضمَّت “اليد”، بـ”الإبهام” و”السبابة” و”الوسطى”، إلى “اللسان”، فتحوَّل “المنطوق” من الكلمات إلى “مرسوم” و”مكتوب”؛ لكنَّ “المكتوب”، أيْ “الكتابة” و”الأبجدية”، تَفَوَّق كثيرًا على “المرسوم”، أيْ “اللغة التصويرية”، ومَثَّل “التفكير في درجته العليا”.
حتى “الجسم كله” أصبح “لغةً (لغة الجسد)”؛ فإنَّ كثيرًا من المعاني نَقِف عليها في إيماءات وأوضاع الجسم، وتعابير الوجه اللاإرادية.

إلى الأعلى