الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأسرى…أيقونات النضال وقادته اللامختلف عليهم

الأسرى…أيقونات النضال وقادته اللامختلف عليهم

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

للأسرى دائما دورهم في قيادة شعبهم من خلف القضبان وسيظل مثل هذا الدور لهم ما ظل الصراع، لأنهم، وعلى النقيض من أولئك الانهزاميين المفرِّطين الذين ساوموا على حقوق شعبهم العادلة والغير قابلة للتصرف وفرَّطوا بثوابته الوطنية، من قد أعطوا على الدوام مثالًا حيًّا وقل نظيره في الاستعداد للتضحية، بدمهم في البدء، ثم بحريتهم إن هم وقعوا في الأسر ولم يستشهدوا في ساح المواجهة مع المحتلين…

عند الحديث عن الأسرى والأسيرات الفلسطينيات، أو هؤلاء الأبطال وهاته البطلات ممن يرزحون ويرزحن في إسار سجون ومعتقلات الاحتلال، علينا بداية أن لا ننسى أننا إزاء شعب هو إذ يعيش نكبةً مستمرةً منذ بدء الصراع العربي ـ الصهيوني وحتى اللحظة، فهو برمته، وفيما هو أقرب إلى المناصفة عدديًّا، أما الأسير داخل وطنه المغتصب أو الشريد في منافيه خارجه، وجميعه وطنًا وشتاتًا، وليس في قطاع غزة وحده، هو موضوعيًّا يرزح في ظل حصارات تعددت أشكالها واختلفت أوجهها لكنما تقاربت قسوتها ومديد عذاباتها.
أما إذا قصرنا حديثنا فأوقفناه على من هم يعانون في ظلمة الزنازن ويقاومون من وراء القضبان، فعلينا من حيث المبدأ التسليم بأن هؤلاء الأبطال والبطلات ليسوا مجرّد رموز مضيئة للعناد النضالي الفلسطيني ولا هم أيقوناته فحسب، بل هم قادته المُكرّسون واللامختلف عليهم وحدهم في ضمير ووجدان شعبهم الصامد المضحي من أجل استعادة كامل فلسطينه السليبة والعودة لكاملها.
ما بين النكبتين فحسب، ونعني هنا، الثانية اثر هزيمة 1967، والثالثة بتوقيع اتفاقية أوسلو الكارثية الجارية تداعياتها راهنا، تقول لنا الإحصائيات إن عدد من أُسر أو أُعتقل من الفلسطينيين قد جاوز الثمانمئة ألف أسير وأسيرة. أما من هم يكابدون الآن عذابات الأسر وقهر الاعتقال فقد بلغوا السبعة آلاف أسير وأسيرة. من هؤلاء من عرفوا بالمعتقلين الإداريين، أي هؤلاء الذين ليسوا بالمحكومين والذين لا توجّه لهم تهمة أصلا ويتم تجديد مدد اعتقالهم على التوالي ما شاء الاحتلال تمديدها، والبالغ عددهم راهنًا 670 معتقلًا… ومنهم أيضًا الأطفال المعتقلون والبالغ عددهم 406 أطفال.
…وتستطرد الإحصائيات لتخبرنا أن هناك أربعين أسيرا يقضون الآن ما هو الأكثر من عشرين عامًا في غياهب المعتقلات، ومن بينهم، على سبيل المثال، الأسيران الشقيقان كريم وماهر يونس من المحتل في العام 1948، اللذان يقبعان خلف القضبان منذ 34 عامًا، كما لا ننسى المناضل الأسير نائل البرغوثي، الذين أعادوا اعتقاله بعد أن أفرجوا عنه وكان قد قضى في معتقلاتهم 35 عاما… ونمضي فنذكر أن من بين الأسيرات لينا جربوني، الأسيرة الأقدم، التي قضت في الأسر، حتى الآن، 14 عامًا، والأسيرة الأصغر سنًّا ديمه الواوي، التي لم تتجاوز من العمر سن الثانية عشرة.
وتجدر الإشارة إلى أن من بين الأسرى، من هم، ونتيجةً للتعذيب، وبسبب من الإهمال الطبي المتعمِّد، يعانون أمراضًا مزمنةً وخطيرةً قد بلغوا 1500 أسير، أما الشهداء، حتى الآن، وكنتيجة رئيسة لما ذكرناه من إهمال مقصود، فهم 62 شهيدًا.
إضافةً لما تقدَّم، لا يفوتنا التنويه إلى أنه وبعد اندلاع الانتفاضة الراهنة فحسب قد تم اعتقال قرابة الخمسة آلاف من المنتفضين حتى الآن، من بينهم 1900 طفل، و140 فتاة وامرأة، بل ولم يتورع المحتلون الحاقدون عن اعتقال 85 جريحًا فلسطينيًّا نازفًا، ناهيك عمن يتركونهم ينزفون حتى الموت بمنع سيارات الإسعاف من الوصول إليهم لإسعافهم، أو من يعدمونهم ميدانيًّا حتى وهم جرحى ينزفون وعزلًا ولا يقوون على الحراك، كما هو، على سبيل المثال، حالهم مع الشهيد عبدالفتاح الشريف في مدينة الخليل، ثم تهديداتهم للمصور الذي وثَّق جريمتهم هذه وسرَّبها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي لتطوف من ثم العالم فتضطر بالتالي لأن تنقلها حتى بعض شاشات التلفزة المنحازة عادةً للقتلة.
ما يهمنا هنا أنه، ورغم كل ما تعنيه قيود الأسر في معتقلات الوحشية الصهيونية المنفلتة من كافة القيود التي عرفتها القيم الإنسانية، لقد ظلت الحركة الفلسطينية الأسيرة داخل معتقلات الاحتلال بؤرةً نضاليةً فعَّالة ومؤثرةً، بل وملهمةً للنضال الوطني الفلسطيني، طيلة هذا المابين النكبتين، الثانية والثالثة، ويمكن سحب هذا على ما سبق النكبة الأولى، وتحديدًا في ظل الانتداب البريطاني الممهد لها، ويزداد أثرها وتأثيرها مع الأيام في سائر مجريات الكفاح الوطني المستمر على مدار صراع وجود مديد وذي طبيعة تناحرية.
إن صمود الأسرى ونضالاتهم خلف القضبان، ومنها ما عرف بمقاومة الأمعاء الخاوية، أو الإضرابات المتواصلة والمديدة عن الطعام، ولمدد لم يشهد عالمنا لها مثيلًا، هي وما من شك لواحدة من روافد ومحفِّزات متوالية هاته الهبات الانتفاضية المقاومة، أو تتابع المحطات النضالية المتعاقبة، وكذا سائر المختلف من شتى المظاهر والأشكال النضالية المستمرة التي يخوضها الشعب الفلسطيني في مواجهة محتليه ولا يمكن فصلها عنها. … للأسرى دائما دورهم في قيادة شعبهم من خلف القضبان وسيظل مثل هذا الدور لهم ما ظل الصراع، لأنهم، وعلى النقيض من أولئك الانهزاميين المفرِّطين الذين ساوموا على حقوق شعبهم العادلة والغير قابلة للتصرف وفرَّطوا بثوابته الوطنية، من قد أعطوا على الدوام مثالًا حيًّا وقل نظيره في الاستعداد للتضحية، بدمهم في البدء، ثم بحريتهم إن هم وقعوا في الأسر ولم يستشهدوا في ساح المواجهة مع المحتلين، وما ذلك منهم إلا لأجل حرية هذا الشعب وحقه في استعادة كامل وطنه بتحريره والعودة إليه.

إلى الأعلى