الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / واقع مُظَلّل وريشة تضع بصمة محمد المعمري في “الشمس “

واقع مُظَلّل وريشة تضع بصمة محمد المعمري في “الشمس “

رؤية ـ فيصل بن سعيد العلوي :
وقع الفنان العماني محمد المعمري في “الشمس” ليجسد حالة طبيعية تسكنها لوحته بمختلف زواياها ، فرغم المساحة التخيلية التي من الممكن أن يقع فيها المشاهد إلا أن الحدود الواقعية للوحة تتجسد في مفرداتها الظاهرة فقط .. تقدم تلك المفردات حكايتها برؤية مغايرة في إطار الواقع نفسه ..
فهي لا تنحاز للرمز مطلقا ، إنما تشتغل بسيرياليتها الواقعية لتحركها قليلا عن جمود تلك الواقعية ولكنها لا تخرجها من ذات المحيط الذي يوحي للمشاهد في الوقت نفسه (من خلال ضربات الفرشاة السريعة) كما لو انها ثيمة خاصة بـ “المعمري” ، خاصة وأنها تتصل في اغلب اللوحات المعروضة وتأخذ أغلبها من اللون الأحمر منطلقا يوحي هو الآخر إلى “الدم” ، في حيث ينفي “محمد المعمري” قطعيا أنه يشتغل على الرمز وليس للدم أي صلة في تلك اللوحات التي ـ ربما ـ قادتها المصادفة إلى ذلك .. ومن هذا النفي وعطفا على رؤية الفنان في أعماله وضربات “الريشة” التي يتخذها أسلوبا في أغلب لوحاته فإن الرؤية تتغير مجددا لتضيّق الزاوية التخيلية للمشاهد وتفتح أفق اللون المنتاثر امتدادا للون الأصيل لمركز “اللوحة” .. ومن هذا المنظور يحاول “المعمري” الخروج من الواقعية الصامتة للوحة لينطقها ويضع بصمته الخاصة التي لا يضعها الا “محمد المعمري” في أعماله المختلفة .. لذا من السهولة جدا أن يميّز الزائر للمعرض و المتتبع لتجربة “المعمري” أعماله دون حتى النظر لتوقيع الفنان او حتى التعريف باسم صاحب تلك اللوحات .. وهذه ميزة أخرى من الضروري أن ينتهجها كل فنان في أعماله بحيث يضع بصمته التي تميزه ولا تتشابه مع غيره.
يشتغل الفنان محمد المعمري في لوحاته على البيئة العمانية بمختلف مفرداتها .. ويجسد “التراث” و”الثقافة الشعبية” والحكاية في بعض الأحيان بأغلب اللوحات ، ولكن الملاحظ أن الصبغة السائدة في تلك الأعمال عادة ما تكون منقوصة في بعض الأجزاء مستعيضا بتلك الأجزاء باللون وانسيابه في اتجاه المتبقي من اللوحة (المبتور) ، وهذه إشارة سيريالية يبدو ان الفنان تحول بها من واقعيته التي انطلق منها إلى سيريالية تتناقض إلى حد ما مع “الرؤية التي انطلق منها وهذا التناقض يعلّق هو الآخر (المشاهد) بين خلفية وشكل اللوحة من جانب وبين الكتابة التحليلية للأشكال والمساحات المرسومة حولها من جانب آخر .
يعمد “المعمري” في اللوحات المقرّبة وأهمها “البورتريه” إلى تكثيف معالم مركز اللوحة والسير بعمق لسبر أغوار العالم التخيلي للصورة المرسوم ليقدم رؤية أكثر عمقا عن الصورة الملتقطة ، معبرا عن حالة المشقة والمعاناة التي وضع بصمتها “الزمن” في حالة الوجوه مثلا (في لوحات “الشيخوخة” و”ولد بدوي” و “الشيخوخة 1 ” و”العمر والشيخوخة”) وكلها “خامات مختلفة على لوحة قماشية” ، وعن تعابير الحالة اللحظوية لاستعمال المطايا في حالة رسم “الجمال” مثلا في لوحة (بعد السباق) والحالاتي التالية التي تعبر عن حالة الألفة بين ذلك الإنسان والجمال في الحالتين معا في لوحات “امتطاء” و”مواجهة وتحدي” و” تحدي ومواجهة” و”ترويض” و”الصداقة” (خامات مختلفة على لوحة قماشية) ، ومنها لا يخرج “المعمري” من سياق “الشعبي” العماني ليوثق العلاقة بين “الإنسان العماني” وأدواته التاريخية ومنها الأسلحة (لوحة “معاينة”) والخنجر في لوحة “العمر والشيخوخة” (خامات مختلفة على لوحة قماشية) و، وحرفه التقليدية في لوحة “حرفة 1 ” ، والأشكال الموسيقية التقليدية التي عرفت بها عمان وتاريخها الموسيقي في (لوحة “نغم 2 2016″ و”الفرقة 2016 ” إضافة إلى الموسيقى الحديثة التي تعد حالة متكافئة الممارسة بينها مع الأشكال التقليدية الاصيلة في لوحة “نغم 2013″ .
وفي كل الرؤى التي نشاهدها عبر أعمال محمد المعمري المختلفة وبين اللوحة في صيغتها الأخيرة ، نستنتج أن “المعمري” مع تقليده الوصفي للواقع واهتمامه به ، الا انه وقع في ازدواجية تأثره بالرسومات المرتبطة بأوروبا وأميركا وتوصف بأنها “غير رسمية” ، وهذا الأمر دعا “المعمري” إلى إطلاق أعماله بعبارة “أقتبس إلهامي من وحي ثقافة الشعب العماني وقيمه” ليحيد أي فكرة مغايرة قد يستنتجها المشاهد للوحة لذلك هو يرفض رفض قطعي ايضا وصف اللون الأحمر ورشة الفرشاة انها رمزية للدماء والحروب .. وهذا الانطباع نفسه للمشاهد قد يعطي رؤية ـ ربما ـ تكون سلبية يراها البعض في أعمال “المعمري” خاصة وأن أغلبها في هذا السياق تتميز باللون “الأحمر” وهذا ما يؤكد ذلك الإنطباع الأولي ، لذا اعتقد انه لزاما على الفنان التنبه لهذه “اللحظة” والخروج منها بكل بساطة إذا ما كانت الرؤية الاساسية التي انطلق منها هذا الإبداع لم تكن تستهدف في يوم من الايام تلك “الرؤية” ، وبالرغم من السلبية التي يراها البعض من هذه الناحية ، الا انه في الجانب الآخر يفتح “المعمري” زاوية التخيل على مصراعيها أمام المتابع ليحقق للقارئ رغبة تخيله للوحة كما يريد ..

إلى الأعلى