الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / عـودة إلى الرمال

عـودة إلى الرمال

بدعـوة من صديق الطفولة لحضور حفل زواجه، ذهبت إلى القرية على ظهر ناقة أرسلها العريس ظنا منه أنه غدا من غير المناسب أن أركب حمارا بعد أن أنهيت دراستي الثانوية وعلى وشك السفر إلى “بلاد النصارى” على حد قوله.
وصلتُ القرية وقت الضحى. وفي الطريق إلى بيت خالتي، أخت جدتي، في الطرف الحدري من القرية، مررت بالقرب من شجرة الغاف التي جلست تحت ظلها القرفصاء ذات يوم طفولة مع مجموعة من أطفال وصبيان القرية وبناتها ونحن نرج أجسادنا بلا انقطاع في محاولة لحفظ ما كنا نقرأه من القرآن الكريم. لجمتُ مطيتي.. دُهِشت مَأخُوذا بما رأيت: عدداً من فتيات القرية وصبيانها يجلسون على الأرض في صفوف منتظمة، وقد ثُبتتْ “سبورة” سوداء على جذع الشجرة أمامهم، ووقف بجانبها معلم يلبس بنطالاً، ويُمسك عود أراك.. يُشيرُ به إلى السبورة وهم يقرؤون خلفه بعض ما كُتب على اللوحة السوداء.
احتضنتني القرية من جديد، وكانت بي رغبة شديدة أن أمشي بين كثبانها الرملية طولا وعرضا، وألعب مع كلب جدتي الأعور، وأتناول سلطة الـ”مكيكة”، واستمع إلى غناء سليّم!
***
ظهر ذلك اليوم، ذهبت لأداء الصلاة في “مصلى الغافة”، بعد أن أرهفت السمع لأذان “مكاوي” بصوت عذب ومألوف. وقبل أن أترك المكان، تقدم إليّ الإمام يصافحني بحرارة شديدة.. كانت سمات وجهه تشي بالتقوى والورع وطالت لحيته إلى أسفل رقبته وقد طرفت عينه حزنا. وحين بدا عليّ جهلي بشخصه، قال بصوت خفيض وابتسامة رضية:
ـ أنا سليّم يا عوض”!
لبرهة سكتُ.. فغرت فاهي، وتدفقت الدهشة من أجزاء وجهي كافة! احتضنته وقبَّلتُ جبينه. وبعد أن تبادلنا “العلوم” سألته وأنا أربت على عضديه:
ـ أين الجنية يا خال؟”.
ضحك، وكانت ضحكته كابتسامته هادئة وصافية، وقال وهو يشير بوجهه إلى عدد من الرجال وقفوا جانبا يتحدثون في شأن من شؤونهم:
ـ هل صدقت البدو.. هؤلاء مجانين!
ضحكت، وقلت:
ـ أعرفهم.. كنتُ واحدا من هؤلاء المجانين أم تراك نسيت!
هز رأسه نافيا:
ـ لا أنت من أهل البحر الآن.. وحسنا فعل أباك عندما أبعدكم عن الرمال.
وحين أبديت استغرابي، قال:
ـ لا تستغرب يا ابن أختي.. أنا ابن البادية، ولكن هذه الرمال ليست رمال البادية التي كنت تعرفها.
وبعد قليل:
ـ ألا ترى كيف تزحف وتأتي على كل ما يعترض طريقها؟ إنها رمال متوحشة.. ستقضي على كل شيء حي ولن ترحم أحدا!
وبنبرة شابها الحزن، أضاف:
هذه ليست الرمال التي كنا نسهر ونلهو على كثبانها. انظر إلى الجليب.. انظر إلى ما كان يوماً واحة خضراء.. لم يبقَ منه شيء!
وهو يلتفت إلى من تبقى من الرجال تحت الغافة:
ـ والناس.. ألا ترى أنهم غير الناس الذين ترعرعت بينهم؟!
وحين نظرت إليه باستغراب، وسألته: “ما بال الناس يا سليّم؟، أجاب: “تغيروا.. لم يعودوا كما كانوا.. أصبحوا مسخ بدو.. فقدوا حس البداوة ولم يجنوا من التحضر شيئا”.
وبعد قليل:
ـ البادية لم تعد كما كانت عليه من قبل.. فقدت براءتها وفقد سكانها الكثير من ثوابت حياتهم! كانوا أكثر لحمة، وكانت مكانة الفرد لا تتحقق إلا من خلال مكانة القبيلة ولا حياة له بدونها.
دُهشتُ من هذا التحول في شخصية سليّم: عرفته مغنّيا وعاشق جنية.. لا محللا اجتماعيا وواعظا!
ـ هونها وتهون يا خال!
ولم يدعني أكمل. بدا لي سليّم وكأنه وجد أخيرا من يشكو له هماً رزح على صدره طويلا:
ـ أنت لا تعيش هنا يا عوض، ولا تعرف ماذا يحدث لهؤلاء الناس!
وأنا أرى فيه غير ما كنت أعرف عنه وأسمع:
ـ وأنت تغيرت يا سليّم أيضا.. تغيرت كثيرا.. أين الشيخ سليّم الحالي من سليّم المغنّي؟!
وبعد تردد أضفت:
ـ العاشق الذي كان!
واستدركت:
ـ حين كنت هنا آخر مرة، عرفت أنك اختفيت، بعضهم قال إنك ذهبت إلى الحج ولم تعد، ومنهم من قال..
وقاطعني:
ـ قلتُ لك إنهم مجانين.. ظنوا أني هجرت دنيا البشر وانتقلت إلى مملكة الجن.
ثم استطرد:
ـ لله الأمرُ من قبلُ ومن بعد، ولكل عمر ظروفه.. مازلت أقول الشعر، ومازلت أغني، لكن الموضوع اختلف والغاية منه رضا الله سبحانه وتعالى!
قلت: ونعم بالله.
كانت بي رغبة أن أواصل الحوار مع سليّم.. الشاعر الذي كان.. المثقل بالرقص وشجن الصوت، لكن صديقي، الذي دعاني كان بانتظاري على الغداء، وحين كنت على وشك توديعه نادى طفلا في الثالثة من العمر تقريبا كان يلهو بالرمل:
ـ تعال يا الظفري سلم على عمك عوض.
فقلت له وقد أثار سماع اسم” الظفري” في نفسي لوعة:
ـ غيرت اسمي يا سليّم.. الحين صار اسمي محمدا.
وأنا أرفع الصبي من الأرض وأقبله، سمعته يقول:
ـ “خير الأسماء ما حُمِّدَ وعُبِّد”.
سالت دمعتي وأنا أحتضن الظفري الصغير وأشم فيه رائحة جدتي!
وسألني سليّم، بعد أن لاحظ توقف عينيَّ على “المجدم” في أذن الصبي:
ـ أين مجدم1 العودة يا عوض؟
ـ كبرتُ عليه يا أبا الظفري؟
اخترقت عيناه عينيّ.. وكأني رأيت فيهما نظرة جدتي! وهو يهز رأسه، وينظر إلي معاتبا:
ـ آفااا.. يا عوض آفا.
وأضاف:
ـ ضمّه2 يا عوض لولدك كما أوصتك”العودة”.. ففيه شيء من طيوبها ورائحة طفولتك.
ودعته، ومشيت بضع خطوات، ثم التفت إلى الخلف حين سأل:
ـ سمعت أنك ستذهب إلى دار النصارى؟
ـ أيه نعم.. في خاطرك شيء من هناك؟
واستدركت:
ـ أجيب لك معي جنية شقراء؟!
ابتسم، وكان الابن يمسك بطرف عصا أبيه بيد، وبالأخرى يلوح مودعا.. كأنه أدرك أن ذلك اليوم هو آخر عهد لي بـ”الوادي” لسنوات طويلة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. مجدم: حلق فضي.
2. ضمه: حافظ عليه.

محمد بن عيد العريمي

إلى الأعلى