الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ملامح الغزل في عصر الدولة النبهانية

ملامح الغزل في عصر الدولة النبهانية

القصيدة الغزلية في الشعر العماني (3)
ظهر في العصر النبهاني عديد من شعراء الغزل، الذين كانوا ينزعون بشعرهم – كما يتضح للمتتبع في أشعار هذا العصر- إلى نماذج من التقليد الصرف؛ حيث ساروا فيه على طريقة الأقدمين في طرح الأفكار والمعاني وصور الأخيلة التي استمدت من البيئة البدوية، والإغراق في ألفاظ البداوة وطرائقهم، انتهاء بتنوع موضوعات القصيدة الواحدة. وهذا النهج كما هو واضح لا يسلم إلى جدة وحداثة ولا يوحي بانفعال عاطفي أو صدق بقدر ما فيه من تقليد ومحاكاة شكلية.
إن الكيذاوي كان كمعظم شعراء عصره في العهد النبهاني، وهو موسى بن حسين بن شوال الحسيني، لقب بالكيذاوي نسبة الى شجر “الكيذا” عند العمانيين، وهو الكاذي في العربية، له رائحة طيبة. وقد عرف بذلك استلذاذا لشعره. من شعراء الملوك النباهنة في القرن العاشر الهجري. والكيذاوي لم يتناول القصيدة الغزلية كقصيدة منفردة ومستقلة، بل استخدم غرض الغزل كمقدمات يستفتح بها قصائد المدح. وبالرغم من كونها مقدمات إلا أنها امتازت بالرقة والعذوبة، وحرقة الصبابة، ثم لا يلبث أن يخرج منها إلى شكوى الزمان. فهو يقول:
مشارب كأس الحب أحلى المشارب
وأعذب دهر المرء دهر الشبايب
وأهدى ضياء للنواظر إن رنت
ضياء شموس في الخدور غوارب
دعاني الهوى شرخ الشباب فقادني
إلى البهكنات الناعمات الكواعب
ألا هل درت سعدى بأني بهجرها
ظللت أسيرا في قيود المعاطب

وعلى هذا النحو كانت أشعار الكيذاوي نهجا متكررا، وسمة دالة على عصر الشاعر، وهو عصر يلح على البديع إلحاحا، فيخاطب محبوبته قائلا:

أساكنة وادي الأراك أراك
ترينني وادي الأراك أراك؟

وإذا انتقلنا إلى شاعر آخر ألا وهو اللواح الخروصي، فسنجده كسابقه حيث جاءت غزلياته في مقدمات بعض القصائد التي كتبها دون أن يخص بها قصائد منفردة، ونجده في مقدماته الطللية يذكر رسم ربع المحبوبة ومواضعها، وما تعاقب عليها من رياح وأمطار فمحتها وأزالت ملامحها. واللواح هو الشاعر سالم بن غسان بن راشد الخروصي وقد لقب باللواح لأنه كان يعمل ألواحا من الرخام الأسود ثم يبيعها لطلاب المدارس. ولد بقرية (ثقب) من وادي بني خروص حوالي 895ه، وتنقل من الرستاق إلى بهلا، ثم رحل إلى نزوى للتعلم، وأجاد في النظم والنثر، وذاع صيته، وتناقل الناس شعره. وله ديوان في الشعر. ومن مطالعه الغزلية قصيدته التي يقول فيها (الديوان، 2/85) :

أنا الشاقي بها قربا وبعدا
فيا ليت الشقي بها شقاها
وعهدي غير لاوية بوعدي
وأن ألوي بطيتها لواها
خليلي أربعا بي في ربوع
لظميا قبل حكم من نواها
نحييها بأكوار المطايا
ونستسقي المدامع في رباها
وإن مت الغداة بحب ظميا
فهدرٌ ما جنت لا تطلباها
فطرفي قاتلي عمدا وقلبي
ويطلب بالجناية من جناها

وكانت له مكانة علمية معتبرة، وعرف بالتقوى والورع، ونظرا لهذه المكانة فلا يمكننا إلا الجزم بأن مغامرات الشاعر ومحبوباته من وحي الخيال ليس إلا.
وإذا ذكرنا الشاعر سليمان بن سليمان النبهاني (ولد في النصف الأول من القرن التاسع الهجري، وبقي إلى أوائل القرن العاشر الهجري. ويعد من أهم شعراء عمان في القديم، ومن أبرزهم وأعلاهم كعبا) فإننا بذلك نذكر أهم شعراء الغزل في هذا العصر، والذي يمثل النزعة التقليدية في الغزل والمجون ووصف مجالس الخمر؛ فالنبهاني هو الملك العربيد والذي أثرت فيه حياة الترف والملك التي عاشها، ودفعته إلى كتابة هذا النوع من الشعر، فشعره تعبير صادق عن ملذاته، ونمط حياته والتي تماثل أو تشابه حياة امرئ القيس في طريقة العيش وأسلوب التفكير، وقد سجل في شعره مفاخره ومباذله، فقد كان أشبه ما يكون بالملك الضليل الشاعر أمرؤ القيس، وقد ورث عنه جزالة ألفاظه، وقوة معانيه وانحراف مزاجه واعتداده اللامتناهي بنفسه (شقائق النعمان، 1/179).
وشعره يدل كذلك على غرمه بطريقة ” امرئ القيس “، وقد سرت في شعره كثير من تشبيهاته وألفاظه وتعبيراته، وربما يعود هذا إلى حفظ النبهاني لكثير من أشعار امرئ القيس. فكما قال امرؤ القيس:

سما لك شوق بعدما كان أقصرا
وحلت سليمى بطن قو وعرعرا

يقول النبهاني معارضا له في المطلع (ديوان النبهاني، ص139):

أللِدَّارِ من أكنافِ قَوٍ فَعَرعرِ
فجبتُ النَّقا بطن الصّفا فالمشَّقرِ
كأن سطوراً مُعجماتٍ رسومُها
إذا لُحسنَ أو هَلهالُ بردٍ محبَّرِ
تُساقطَ من عينيكَ دمعكَ واكفاً
كما استنّ مُنْبَت الجُمانِ المشذَّرِ
نعم عرصاتٌ غَّير الدهرُ حسنها
وصرفُ الزمان مولعٌ بالتغُّيرِ
أرَبَّت بها الأرواحُ يَنسجْنَ فوقها
ملاءآت موَّارٍ من المور أكدرِ

والغزل عند النبهاني نراه تارة مقدمة أو افتتاحية يفتتح بها قصيدته على عادة الشعراء القدامى، ثم يتخلص منها إلى موضوعه. وتارة نراه يقول مقطوعات كاملة أو قصائد مستقلة في الغزل، وهذا ما يميزه عن بقية شعراء الغزل المذكورين في هذا العصر. وفي هذه القصائد المستقلة يقل تأثره بالقدامى وخاصة في المطالع، فلا يقف على الأطلال باكيا، وإنما يبدأ حديثه عن المحبوبة مباشرة، ثم يصور ما يعتلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس فيبدأ الاقتراب أكثر من سمات عصره.

وفاء الشامسية

إلى الأعلى