الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلة الاغتراب الروحي في قصيدة “النبي” لـ “جمال الملا”

رحلة الاغتراب الروحي في قصيدة “النبي” لـ “جمال الملا”

في قراءة تبرز المكونات والمكنونات الجمالية
طالعتنا وسائل الاعلام المختلفة قبل فترة بفوز قصيدة النبي للشاعر العُماني جمال المُلا بجائرة كتارا لشاعر الرسول بدولة قطر. وقد تساءل البعض عمّا إذا كانت القصيدة قد استحقت ذلك المركز في ظل مشاركة قصائد لشعراء كبار لهم باع طويل في الشعر، من خلال هذا التساؤل أحببت سبر أغوار هذه القصيدة والخروج بقراءة تبرز المكونات والمكنونات الجمالية التي حملتها، والتي جعلتها تتبوأ هذا المركز المتقدم بين كل القصائد. فانبريت بقراءة هذه القصيدة قراءةً فاحصة وأدقق فيها وفي ألفاظها ومعانيها فضلاً عن الإلقاء الراقي الذي ظهر به الشاعر أثناء تقديمهِ للقصيدة أمام لجنة التحكيم.
دارت القراءة حول عدة ثيمات تميزت بها القصيدة وهي كالتالي: مقدمة العشق الإلهي، اللغة، جمالية التناص، ثنائية الغياب والحضور بالإضافة إلى توظيف الأحداث التاريخية والانتقالات المكانية. وسأحاول الحديث عن كلٍ منها على حده مفصلاً الحديث عن جوانب تميز القصيدة في كل موضوع من موضوعات الدراسة.
أولاً مقدمة العشق الإلهي:
استهل الشاعر قصيدته بمقدمة حول العشق الإلهي المفضي بدوره إلى الحب المحمدي مستهلاً من جسده في حالة انعتاق الروح من الجسد واختيار السفر مغترباً خارج المعنى متخذاً من الوادي المقدس (الوادي المقدس طوى) موطناً للخلوة الإلهية، ومكاناً لتجلياتها، وأنساً للمعشوق خالعاً نعليه احتراماً لموطن الحضرة الإلهية.
وكما يفعل الصوفي حين يتخلص من أسر الجسد ويطلق بنفسه وروحه العنان في رحلة اغتراب إلى عالم الصفاء والنور والترقي إلى حضرة الذات الإلهية للوصول إلى الوحدة مع الله انسل الشاعر جمال الملا دون ظلٍ ولا جسد متخلصاً من تلك العلاقة التلازمية والسببية بين الظل والجسد، ماشياً على الماء للبحث عن النور الإلهي. هذا الانسلال الاختياري الذي عبّر عنه الشاعر في نهاية القصيدة ما هو إلا اغتراب عن العالم المادي المحسوس إلى عالم الأفق الروحاني في حالة من اللاشعور

في اللاشعور بهاء في حضور دمي
لكنني اخترت سهواً أن أغيب سدى

الإنسان حسب المنطق الصوفي يعيش على هذه الأرض في حالة اغتراب عن الموطن الأصلي له، وأنه نزل إلى الأرض نتيجة خطيئته وعليه السفر مرة أخرى إلى عالمه الأصلي.

ثانياً اللغة:
استعمل الشاعر لغةً عذبةً، سهلةً احتوت على ألفاظٍ جزلة، فالقصيدة وإن كانت على نهج الشعر التقليدي شكلاً إلا أنها بدت حديثة من حيث ألفاظها ورموزها فجمعت بين جمال اللونين الشعريين. دارت الألفاظ في القصيدة حول الحق الدلالي الصوفي حيث وظف الشاعر الاستعمالات الصوفية المتعارف عليها في قصيدته معبراً عن رحلة الاغتراب التي صرح بها في بداية القصيدة ومن هذه الألفاظ (عتمة، حجب تكشفت، ميلاد، أسئلة، حيرة، وجه الضوء، غزالة، جهات الروح، العمى المحض، رحى تدور، تراءت، مددا، بلاط الروح، رداء النور، مقامات، العارفين، أشرقت سحرا).
وظهر أيضاً تأثر الشاعر بالمعجم القرآني، حيث وظف كثير من الألفاظ القرآنية جامعاً بين الله ونبيه والكتاب الذي أنزل عليه (قبس، الطور، ملتحدا، نفد، ارفع البيت، أحصي عددا، رصد، صمد، قددا).
كما لجأ الشاعر إلى استعمال الرمز كمعادل موضوعي لمعانٍ لما يجد لها معادلاً لفظياً فقام بتوظيف الرموز التي تعينه إلى الوصول إلى الموافقة المقنعة بين الدال والمدلول، ومن أمثلة ذلك استعماله لرمز الغزالة

أدركته عند جرفٍ فاستحال هوى
غزالة جفلت ما إن مددتُ يدا

فالغزالة في الاستعمال الشعري الصوفي هي رمز الجمال ورمز الذات الإلهية ورمز النفس المتحركة الباحثة عن العاشق، وجميع هذه الرموز تفي بسياق المعنى الذي يبحث عنه الشاعر، الباحث عن الجمال في ذات الله بنفسه المغتربة شوقاً وحيرةً لتزيد الغزالة من حيرته واغترابه عندما جفلت ما ان مدّ يده.
كما وظف الشاعر رموز الطبيعة من جبلٍ ووادٍ وماءٍ كرمز للصفاء وأيضاً كلها تعبر عن الخلوة التي ينشدها في وحدته الذي عبّر عنها في أكثر من موضع داخل القصيدة

وكنت وحدي في الوادي أرى حجباً
تكشّفت وأرى إذ لا أرى أحدا
وقفتُ أحملُ ميلاداً وأسئلةً
وحيرةً شربت من خافقي أمدا

جمالية التناص:
استطاع الشاعر أن يزاوج بين قصيدته والنصوص الغائبة ليشكل تمازجاً رائعاً أعطى القصيدة قوة فاقتبس حيث يجب الاقتباس وضمّن حيث يجب التضمين.
وأكثر ما نجده في هذا الجانب من تناص هو التناص مع التعبير القرآني وجمال آياته موظفاً ذلك في قصيدته ومن أمثلة ذلك التناص (خلعت نعليّ) ” اخلع نعليك”
– (دون وجه الله ملتحدا) “ولن تجد من دونه ملتحدا”
– (أنّ البحر قد نفد) “لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي”
– (بكبش فدا) “وفديناه بكبش سمين ”
-(تقلبك في الساجدين) “الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين”
-(يرفع البيت) – “ما أمر ربك إلا محض واحدة”.
كما استحضر الشاعر قصيدة بانت سعاد للشاعر كعب بن زهير بطريقة أضفت إلى المتلقي وأرجعته إلى قصيدة من أجمل القصائد التي قيلت في الحب المحمدي:

فلست كعباً وإن بانت سعاد وإن
أبقتني اليوم متبولا بها سهدا

استحضار الشخصيات والأحداث والأماكن التاريخية:
تمكن الشاعر بحكم معرفته بالسيرة النبوية العطرة وبالنصوص القرآنية والتعابير –كما يظهر من خلال القصيدة- أن يستحضر مجموعة من الشخصيات والأحداث والأماكن التي خدمت القصيدة وأعانته على صياغة تماسك فني بديع موظفاً إياها كذلك في الانتقال من موضوع لأخر متخلصاً بطريقة حسنة لا تربك القارئ ولا تشتته. ففي الشخصيات استحضر الشاعر شخصية النبي موسى عليه السلام في بداية القصيدة وهو يبحث عن قبس في الوادي المقدس طوى، حيث تقمص تلك الشخصية بذكاء حين كان الموقف موقف رحلة وسفر ممزوجاً بالصوت الإلهي المنبثق من النار وموسى عليه السلام هو كليم الله كما هو معلوم
يرتدُ صوتٌ من النار التي اتقدت
يا رب يا رب من فينا الذي اتقدا
كما استحضر الشاعر شخصية الخليل ابراهيم عليه السلام وحادثة الذبح الذي فداه الله عنها بكبشٍ تمهيداً للوصول إلى طيب نسل النبي المتصل مع إسماعيل أول الذبيحين وصولاً إلى الذبيح الثاني عبدالله بن عبدالمطلب الذي فداه أبوه بنحر الإبل هم تسعة ليس هذا الفرد عاشرهم فانحر من الإبل إكراماً لمن وفدا
كما استحضر الشاعر شخصية آمنة أم الرسول وعمر بن الخطاب والشاعر كعب بن الزهير كما أسلفنا.
وقد أخذ الشاعر مقتطفات الأحداث التاريخية التي عاشها النبي منذ قبل ولادته مروراً بولادته إلى صباه إلى حادثة نزول الوحي وذهابه إلى خديجة خائفا، ثم حادثة الاسراء والمعراج، ثم حادثة الجوع والحصار رابطاً الحجر على بطنه الشريفة.

قد شق جبريل منه الصدر فانطفأت
فيه حظوظ الدنى فانداح نور هدى
في هذا البيت يستحضر الشاعر حادثة حصلت للنبي عليه الصلاة والسلام في صباه كما تذكر الروايات، أن النبي كان يلعب مع مجموعة من الصبية فجاءه جبريل فشق صدره وأخرج قلبه …… إلخ الحادثة.
وكما استحضر الشاعر الشخصيات والأحداث، استحضر الأماكن كذلك ووظفها في أبياته نذكر منها (طوى، وجبل طور، والقدس، ومكة، وبصرى):

نجمٌ يشع وفي بصرى تجر له
كلٌ وكان صبياً يقطع البددا

في هذا البيت يذكر الشاعر مدينة بصرى وهي مدينة وعاصمة تجارية في الشام تقع على طريق الحرير الموصل إلى الصين، وارتباطها بالنبي هو أن الرسول في احدى رحلاته التجارية إلى دمشق (الشام) قابل الراهب بحيراً المسيحي الذي تنبأ بنبوته وفي هذا المكان بركت ناقة النبي عليه الصلاة والسلام وبني مسجد هناك.

ثنائية الحضور والغياب:
يقول أبو حيان التوحيدي: ” الغريب ما إن حضر كان غائباً وإن غاب كان حاضراً” هذه الجذلية القائمة على الحضور والغياب تعد ثيمة بارزة داخل القصيدة، فالحضور اقتراب من الذات الإلهية والغياب اغتراب والسفر إليها، وهي حالة يعيشها صوفي ويعبر عنها الشعراء الذين ساروا على هذا النهج، ويقول عنها أدونيس: “إنها محور وجود الشاعر الصوفي ومحور ما يعانيه”. ومن أمثلة هذه الثانية في القصيدة:
- لما بدوت اختفى لما اختفيت بدا (غياب وحضور)
- فمر بي عاشقٌ حيناً ولوحَ لي (حضور) ثم استدار لوجه الضوء وابتعدا (غياب)
- أدركته عند جرف (حضور) جفلت ما إن مددت يدا (غياب)
- أرى (حضور) إذ لا أرى أحدا (غياب)
- والعارفين (حضور) أضاعوا الدرب والبلدا ( غياب )

أخيراً يمكن القول إن الشاعر قد قدم لنا وجبة شعرية دسمة حفلت بالأماكن والأحداث والشخصيات والصور التي أشاع فيها الحركة في رحلة اغتراب وسفر في الحب الإلهي والمحمدي مستقيا مادته من منابع القرآن الكريم والسنة والسيرة بالإضافة إلى القصائد الحاضرة في روح القصيدة متأرجحا بين الحضور والغياب تلازمه الحيرة -حيرة العارف وهي غربة الغربة – في معظم مواطن حضوره وغيابه ومن أمثلة حيرته تلك التساؤلات التي بحث عن إجابات لها :

أكان صوتك إذ ناديتني ولها
أم كنت من صاح بي والنار محض صدى!

هل جئت مصطليا أم جئت مبتردا
ويظهر أيضا جمال الصورة كجمال هذه الصورة (سواد عينيك ليل العارفين سروا)، وبعد كل ذلك يقدم الشاعر اعتذاره للرسول إن حمّلت القصيدة على غير ما وضعت له وفي هذا إشارة ذكية إلى القصائد الصوفية المحتوية على الرمز والتي دائماً ما تحمّل على غير ما تقصد، وكما نعلم من الشعراء الصوفيين من فقد حياته نتيجة ذلك الحلاج ومنهم من سُجن ومنهم من أؤذي والشاعر ابن عربي عمد إلى شرح ترجمان الأشواق بعد أن اتهم بأنه كان يتغزل بابنة شيخه في مكة جمال الدين الأصفهاني.

حسن الهنائي

إلى الأعلى