الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فلسطين شجرة زيتون وحكاية جدة وغرزة ثوب

فلسطين شجرة زيتون وحكاية جدة وغرزة ثوب

الشاعر الفلسطيني خالد جمعة لـ”أشرعة” : قصيدة النثر هي الشكل الأكثر استجابة للروح
* الكتابة للطفل ليست نزهة .. وهي من أصعب أنواع الكتابة على الإطلاق
دمشق من وحيد تاجا :
في محاولة إيضاح مفهومه للالتزام واقتراب شعره وبعده عن “هم” القضية الفلسطينية.. يقول الشاعر الجميل خالد جمعة في صوت أقرب إلى البوح: “أنا ابن مخيم الشابورة في رفح، هدم بيتي وأنا في الخامسة، واستشهد أعمامي الثلاثة والعديد من الأصدقاء منهم من استشهد بين يدي أو أمامي، وأبي تم تهجيره عام النكبة من قرية حتا شمال شرق المجدل، ومع ذلك، فإن الفرق بين الإحساس بهذه الأمور والتعبير عنها، هو ذاته الفرق بين الأسماء..
خالد جمعة شاعر، كاتب للأطفال وهو من مواليد رفح 1965 ، اصدر العديد من المجموعات الشعرية منها: “رفح أبجدية مسافة وذاكرة”/ بالاشتراك. “هكذا يبدأ الخليفة”، “نصوص لا علاقة لها بالأمر”، “لذلك”، و”ما زلت تشبه نفسك”. “كما تتغير الخيول”، و”هي عادة المدن” و”كي لا تحبَّكَ الغجريةُ”. كما صدر له 17 قصة للأطفال، فضلا عن تجميع وإعداد وتقديم كتاب عن التراث الشعبي بعنوان الأغاني الشعبية الفلسطينية في قطاع غزة وأغاني الصيادين في قطاع غزة.

* هل يمكن أن نتحدث عن البدايات.. وما الذي أخذك إلى عالم الشعر والأدب..؟
** سؤال البدايات دائماً سؤال مربك، في العادة لا تكتشف علاقة البدايات بما وصلت إليه إلا بعد أن تصل إليه، وليس في وقت حدوثه، فمثلاً، حين تحدثني أمي أنني كنت أردد الأغاني وأنا في الرابعة وأستبدل الكلمات بكلمات من عندي لها نفس الإيقاع الذي للأغنية الأصلية، وحين أشاهد دفاتر المدرسة وأجد علامة كاملة في مادة التعبير مثلاً، فإنني اليوم أقول إن هذا مزاج شاعر، ولكن في وقتها ربما لم أكن غير تلميذ مجتهد حسب رأي المعلمين والأهل، لم يأخذني أحد إلى عالم الشعر والأدب، فأنا ما أكتب، الشعر هو ما أنا عليه.

* يتفق معظم النقاد الذي تناولوا شعرك على وصفك بالشاعر المتمرد والنرجسي بآن معا.. ما قولك.. وكيف ترى أنت تجليات هذا التمرد والنرجسية..؟
** أولاً كي أقول لك كيف أرى تجليات التمرد والنرجسية يجب علي أن أتفق مع المقولة من الأساس، لكني أذكر مرة اختلافي مع مدرس اللغة العربية في المرحلة الإعدادية حين قال أجمل بيت في الغزل وهو يعني بيت جرير إن العيون التي…، فقلت إني أعتبر بيت عنترة ولقد ذكرتك والرماح نواهل… أجمل، لأنه قيل في موضع لا يحتمل الغزل، فاعتبر الأستاذ هذا تمرداً، فإذا كان هذا هو المقصود بالتمرد، فأنا متمرد أصيل، أما النرجسية، فأظن أنهم يطلقونها على الرؤية الخاصة للأشياء، وهذا من حق كل كاتب، إذ أنني أعبر عن الآخرين ولكن بلغتي لا بلغتهم وهذا ما يطلقون عليه نرجسية، وبالتالي أنا أختلف جذرياً مع المقولة حسب منطلقات النقاد، ولكني لا أهتم كثيراً لأن لدي مشروعي الخاص.

* لعبت مع الشاعر عثمان حسين دورا ملحوظا من خلال مجلة “عشتار” الأدبية في ترسيخ رؤية شعرية مختلفة ترفض السائد الشعري آنذاك.. وتسعى، على صعيد الشكل والمضمون، لتحرير القصيدة من الألفاظ والحجارة الفلسطينية.. هل يمكن الحديث عن هذا الدور.. وما قدمته المجلة في هذا الإطار..؟
** “عشتار” تجربة فريدة على مستوى فلسطين كلها، أخذت حد السكين كله، وواجهنا معاً أنا والشاعر عثمان حسين ما لا يمكن وصفه، ليس فقط أدبياً، بل تم اتهامنا في المساجد بأننا جئنا لنخرب لغة القرآن، وأصدرنا معاً أول ديوان قصيدة نثر في غزة عام 1992، وفي عام 1993 صدرت مجلة عشتار، ومنذ البداية راهنت على الأصوات الشعرية التي لا صوت لها، فلم ننشر للأسماء المكرسة، بل وكان العدد الثامن منها مخصصاً للشعراء العراقيين بنفس المقاييس، أي أسماء غير مكرسة، وكان حضور المجلة لافتاً ومؤثراً، وما زالت بعض الأسماء التي رأت النور من خلال المجلة، تكتب إلى الآن وأصبحت أصواتاً لها وزنها في الساحة الشعرية، ووزعت المجلة في بعض الدول العربية أيضاً، ولكنها كأي مشروع ثقافي غير مربح، توقفت لأسباب مالية بحتة.

* لماذا يلجأ معظم الشعراء الشباب في غزة تحديدا إلى قصيدة النثر حتى أصبح البعض يراها ظاهرة ملفتة..؟
** قصيدة النثر منتشرة بين الشباب في العالم العربي كله، وليس في غزة فقط، وهي في اعتقادي الشكل الأكثر استجابة للروح، بإيقاعها الداخلي ومفردتها البعيدة عن المعجم وتركيبتها المتمردة، انتشارها بين الشباب تبريره ربما ظنهم بسهولتها، ولكن مع الوقت يتوقف من لا يستطيع مجاراتها إذ يكتشف أنها أصعب كثيرا من الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ويبقى من يأخذها على محمل الجد.

* يرى الشاعر عثمان حسين بأن شاعر “الشعر الحر” أو “قصيدة النثر” ليس بحاجة لمعرفة الأوزان الشعرية (العروض) التي تلزم شاعر العمودي أو التفعيلة فهما -حسبما يرى- شكلين شعريين لهما خصوصيتهما التي لا علاقة لها بالوزن والقافية إلا عفواً.. ما رأيك أنت في هذا الأمر..؟
** أتفق مع عثمان حسين نسبياً، مع أننا خرجنا معاً من عباءة العمودي والتفعيلة ولجأنا إلى قصيدة النثر كخيار، ولكن هناك مسألة يجب علي التنويه إليها، وهي أن على الشعراء أن يعرفوا عن الأوزان والعروض، بغض النظر عن النوع الذي يكتبونه، تلك مسألة ثقافية بحتة لا علاقة لها بالكتابة، وفي رأيي أن كل إنسان من حقه أن يكسر القاعدة، بشرط، أن يعرف القاعدة أولاً.

* في بعض الأحيان تكون قصيدتك النثرية أقرب إلى النص والخاطرة والحكاية القصيرة جدا منها إلى الشعر،.. والسؤال؛ ما الذي يحدد شكل القصيدة عندك.. وهل ترى أن خصوصيتك تأتي من خلال هذا التناول للشعر.. ؟
** لا أعرف من أين تأتي خصوصيتي في الشعر، أما فيما يخص شكل القصيدة فهذا أمر بسيط بالنسبة لي، فالشكل يتحدد تلقائياً مثل لغة القصيدة وموضوعها، صحيح أنني أتدخل في كتابة ثانية أو ثالثة أحياناً للنص نفسه، لكن هذا لا يغير بنيته الأساسية بشكل كبير، وبصراحة أكثر، لم أعد أرى تلك الفوارق بين النصوص بعد ما عرف بالنص المفتوح، وأذكر مرة أنني اختلفت مع ناقد في إحدى الجامعات على نص لي، كتبت عليه: قصة قصيرة، أما الناقد فقد أصر على أنه قصيدة، وهذا يعطي إشارة إلى مدى تداخل مسارات الأدب في بعضها.

* بالتالي كيف ترى مسألة عدم وجود فواصل واضحة بين الأجناس الأدبية حيث أصبحت بعض القصص القصيرة أقرب ما تكون إلى القصيدة، كما هو حال الرواية والمسرحية..؟
** وما المانع في ذلك؟ الأساس في أي نص هو قدرته على الإدهاش وتقديم المتعة، ولا أظن أن إعجابك بنص قد يتحول إلى النقيض إذا تغير العنوان من قصة إلى قصيدة، اللغة هي اللغة، والتصنيفات أساساً حديثة في نظريات النقد.

* يتهم الشعراء الفلسطينيين بشكل خاص بابتعادهم عن “هم القضية الفلسطينية” والانغماس أكثر فأكثر في الشعر الإنساني والذاتي.. واستوقفني هنا قولك.. “غالبًا ما كنتُ أنا الآخر في تجربتي، وهذا ليس بالمعنى الضيق للانغلاق الذاتي الأناني، بل باعتبار فهم الذات هو المدخل الوحيد –ربما- لفهم العالم”.. هل يمكن إيضاح هذه الفكرة وربطها بمفهومك للالتزام في ظل هذه الرؤية..؟
** أنا ابن مخيم الشابورة في رفح، هدم بيتي وأنا في الخامسة، واستشهد أعمامي الثلاثة والعديد من الأصدقاء منهم من استشهد بين يدي أو أمامي، وأبي تم تهجيره عام النكبة من قرية حتا شمال شرق المجدل، ومع ذلك، فإن الفرق بين الإحساس بهذه الأمور والتعبير عنها، هو ذاته الفرق بين الأسماء، فإحساسك بشهيد تعامله يوميا وتلقي عليه تحية الصباح وتشرب القهوة معه، بالتأكيد سيختلف عن إحساسك بشهيد في نشرة الأخبار، ودعني أقول لك الفرق بوضوح، حين يأتي الشعراء الذين يحملون “هم القضية الفلسطينية” فإنهم يكتبون عن الأم التي ترقص عند استشهاد ابنها، أما أنا، فأنتظر إلى أن ينصرف الناس عنها، وتجلس وحدها أمام صورة ابنها، وأكتب عن لحظتها تلك، هذا هو جوهر الفرق، أنا لست شعاراتياً ولا أحب المهرجانات والخطابات، فلسطين بالنسبة لي شجرة زيتون وحكاية جدة وغرزة ثوب.

* تتميز قصائدك بشكل عام بطغيان الجانب الفلسفي والفكري المستمد من الدين والميثولوجيا والتاريخ والطبيعة، مثل قصيدة “أما كرمي فلم أنطره”، التي استخدمت نشيد الإنشاد من التوراة كخلفية للنص..؟
** هناك مراحل، في دواويني الثمانية ستجدها بوضوح، التأمل مهم لأي شاعر، الإحساس بالبعد المثيولوجي والعمق التاريخي لوجودك داخل ثقافتك الخاصة “كوطن”، لا يمكن أن تظل بمعزل عن إسقاطاتك في الشعر، فهذه التي لم تنطر كرمها ونطرت كروم الآخرين في نشيد الإنشاد، ألا تشبه أبي حين يذهب ليعمل عند الإسرائيلي في بيارةٍ كانت يوماً ملكه هو؟ التاريخ والمثيولوجيا يمكن تطويعهما إلى حد خارق.

* بالتالي من هو القارئ الذي تضعه في ذهنك أثناء الكتابة.. لاسيما وأن قصيدتك متهمة بالغموض والرمزية المكثفة..؟
** قبل يومين، أرسلت لي طفلة عمرها عشر سنوات من الأردن، فيديو تقرأ فيه مقطعاً من قصيدة لي، فكتبت لها إنك تثبتين أن الشعر لا يحتاج إلى خبرة في الحياة بل يحتاج إلى إحساس مرهف، وهذا هو بالضبط القارئ المفترض، قارئ مرهف الحس.

* في ديوان “كي لا تحبَّكَ الغجريةُ” رأى أحد النقاد أنك أحدثت تغييرا مهما تمثل في التخلص مما يسمى الموضوع أو الغرض، واستغرقت في التجريد والتخييل، تاركا فسحة للقفلة أو المفاجأة القائمة على الطرفة أو الدهشة، ويستشهد بقصيدة “حين جرحت السنبلة”: حين جرحت السنبلة، تكور عصفور على ذاته، نسي طيرانه معلقا على البكاء، نسي ريشه في الريح، نسي لونه في حقل الحزن القريب، صار الغناء غربته وعزلته وظلال ذكرياته البعيدة..؛ ما قولك..؟
** أحد النقاد هذا هو شاعر أيضاً، وأحب الطريقة التي يقرأني بها، ولكن دعني أقول لك بوضوح، بعد أن يخرج النص من يدي في كتاب، يمكن للجميع أن يفسروه كما أرادوا، في حدود المعرفة طبعاً، وبصدق مطلق، لا أعرف إذا كنتُ قد أحدثتُ تغييراً أو لا، لكن إذا كان هذا رأيه فهذا يسعدني، لكني في النهاية، لا أكتب الشعر ضمن منظومة محددة، أنا أكتب الشعر ضمن مشروع، ليس معلقاً في الهواء، مشروع يعتمد كسر المسلمة ومناقشة السائد وقبوله أو رفضه بعد التفكير فيه، والدهشة بتغيير زاوية رؤية العين، هذا ما أسعى إليه دائماً، أن أجعل الناس يلتفتون إلى ما هو أمامهم وتحول إلى العادي لشدة تواجده.

* استغرب الشاعر باسم النبريص سؤالي له عن وجود خصوصية في الشعر الفلسطيني، وعن المعايير التي تجعل من قصيدة ما قصيدة فلسطينية.. ما رأيك أنت في هذا الأمر..؟
** في قصيدة النثر، لا أعتقد، ولا يجب أن تكون هناك خصوصية فلسطينية بالمعنى الإقليمي للكلمة، فما عدا المفردات التي يمكن أن تدل على فلسطينية النص، فإنه لا توجد قصيدة فلسطينية خارج الموضوع الفلسطيني، وهذا بالضبط ما بدأ الجيل الشاب في فلسطين بالتخلص منه بأناقة.

* كيف ترى الفارق بين شعر الداخل الفلسطيني وشعر الشتات.. وبالتالي هل ترى أن الشعر الفلسطيني بشكل عام خلق معادلاً فنياً للقضية الفلسطينية؟
** هل تعني بالمعادل الفني التعبير عن القضية الفلسطينية؟.. هناك تفاوت في الأمر بطبيعة الحال، فبعد عودة منظمة التحرير عام 1993، فوجئ القادمون بالمقيمين والمقيمون بالقادمين، هناك فكرة نمطية لدى الطرفين كل عن الآخر، وهذا انطبق على الشعر كما انطبق على المعرفة عن قرب، هل يجب أن يكون هناك فرق بين شعر داخل وشعر خارج؟ لا أعرف.

*ما المطلوب من المثقف الفلسطيني في هذه المرحلة بالذات؟
** خارج إطار الثقافة، المثقف بمكانه ومكانته، مطلوب منه ما هو مطلوب من الآخرين، أما دوره الثقافي فعليه أن يمارسه في كل الأحوال دون أن يكون لذلك علاقة بالسلطة.

* من الملاحظ أنه في فترة الأعوام الثلاثين الأخيرة ركزت أو تمركزت في الخارطة الإبداعية بعض الأسماء واحتلت حقل الإبداع وحقول الإعلام؛ ما المانع أو المعوق لافتتاح المشهد الجديد، المشهد الآخر..؟
** هناك الكثير من المبدعين الذين لا يمكنهم استغلال علاقاتهم الشخصية في الانتشار، وأظن أنه بات من المعروف أنه في الحقل الفني والإبداعي، وجود الإعلام والعلاقات والدعاية، أهم في أحيان كثيرة من المادة الإبداعية نفسها، ثم عليك أن تتفهم رغبة السائد في الحفاظ على نفسه، وهو الذي يملك آلة المال والإعلام في معظم الحالات، لكن هذا لا يدوم، فالجديد دائماً ينتصر إذا كان مؤمنا بما لديه.

* اذا انتقلنا الى كتابتك للأطفال.. هل تعتبر الكتابة للطفل فناً قائماً بذاته له أدواته الخاصة، أم أنه اجتهاد خاص من الكاتب يبحر فيه متى يشاء، وبالتالي متى نستطيع أن نضع قواعد ثابتة تحدد الأطر العامة للكتابة للطفل؟
** بالطبع هناك خصوصية في فن الكتابة للطفل، فهي ليست نزهة، وهي من خبرتي خلال مايزيد عن العشرين عاماً في الكتابة للأطفال، أصعب أنواع الكتابة على الإطلاق، على عكس ما يتصور الكثيرون، فمع الكبار تستطيع أن تدعي بأنهم لم يفهموك لقلة ثقافتهم، مع الطفل المسؤولية تقع على عاتقك أنت، مع الأخذ في الحسبان الكثير من الأمور، أعددتها في ورقة عمل بعنوان «خصوصية الكتابة للطفل».

* كيف تختار مواضيع كتاباتك، وهي ليست بالمهمة السهلة على الإطلاق.. وهل تختلف حاجات الطفل الفلسطيني عن غيره من الأطفال العرب.. وكيف تتعامل مع هذه الخصوصية؟
** أختار المواضيع في معظم الأحيان من طفولتي الشخصية وأطورها من خلال القصة، أو من خلال مشاهداتي ومراقبتي للأطفال.
أما حاجات الطفل الفلسطيني على مستوى الأدب، فلا أرى في حاجاته من هذه الزاوية اختلافاً، وقد تُرجم لي خمس قصص إلى الألمانية، وكانت قد طبعت قبلها بالعربية، وكان أجمل ما قيل عنها من ناقد ألماني: إنها قصص لا يمكن معرفة بلد كاتبها، مع أنها حين طبعت في فلسطين مثلاً، أحس الأطفال بها فلسطينية تماماً، وذلك بأخذ رأيهم مباشرة، وأظن أن أدب الأطفال الناجح هو الأدب الذي يتحرك في هذا الحيز، حيز الطفل لا حيز المكان.

*الطفل ابن السؤال، والثقافة العربية أميل إلى الخوف من السؤال، إنها ثقافة مجتمعات تخاف على أطفالها من تبعات طرْح الأسئلة، ولا سيّما الإناث. فهي تنكر على الطفل حقّه الطبيعي في الحلم وفي خلْق عوالمه الخاصة به، فطرح السؤال عفْرتة، وقلّة أدب..هو تحدّ للكبار وتجاوز للحدود الطفل. كيف تعالج هذه المسألة في كتاباتك للأطفال؟
**أنا مع العفرتة وقلّة الأدب وتحدي الكبار وتجاوز الحدود.

*وبالتالي هل ترى ان التربية جزء من ثقافة الطفل، أم ثقافة الطفل جزء من لتربية؟
**الطفل يتلقى تربيته من خلال عدة مصادر، لكن خطورة أدب الطفل أنه يلتصق بعقله أكثر من النصائح التي يسديها الأهل، أحاول دائماً أن أقول للطفل إن الحياة من حقك، لا أحرضه ولا أقمعه، أعطيه الخيار، ليعرف كيف يفكر، وأن يرى وجه القمر الجميل، ووجهه القبيح في الجهة الأخرى، أنا لا أتدخل، فقط أنير.

* تحدث الكثيرون عن التربية العنصرية التي تتبعها (إسرائيل) في تربيتها لأطفالها. والسؤال كيف يجب ان نربي أطفالنا؟
**هذا هو الفرق العميق الذي يحدث شرخا بين واقعنا وثقافتنا، كيف يجب، وكيف نتصرف فعلاً، نحن نربي أطفالنا ليكونوا نسخة عنا، بينما في نظريات الأدب يجب أن نعطيهم المساحة ليكونوا أنفسهم، علينا أن نفعل الكثير من أجلهم، فلنغير المناهج أولاً.

*رغم المضمون الجيد الذي حملته قصتك “دموع اللون الأصفر” .. حيث تزخر بالعديد من القيم التربوية التي نسعى بان يتحلى بها اطفالنا، إلا أنها جاءت مباشرة جدا، وهذا أضعف من بنائها إلى حد ما، ما قولك؟
** مباشرة إلى حد ما أتفق معك، ولكن هناك شيئاً أقوم به قبل طباعة أي قصة، أعرض القصة على أطفال من الفئة المستهدفة، وحين يوافق 60 في المئة من الأطفال على أن القصة ممتعة، أقوم بنشرها، المباشرة التي تتكلم عنها ليست موغلة، ففكرة صراع الألوان مع الإنسان جذبت الأنظار عن المباشرة التي تتكلم عنها، وعلى كل حال، في أدب الطفل المباشرة الخفيفة ليست سلبية تماماً كما هي في القصيدة.

* أيضاً رأى العديد من النقاد ان قصتك “سياق” جاءت خارج سياق “أدب الأطفال” ، واتسم عنوانها بالغموض والإيهام ولم يكن عنوانها واضحا بالشكل الكافي للأطفال، كما انها كانت وعظية وخطابية كذلك؟
** في كل قصة عليك أن تقدم معلومة واحدة مركزية، وكان شرح السياق هو هدف هذه القصة، وأعود إلى إجابة السؤال السابق، التقييم مشكلته أنه يتم عن طريق أشخاص ليسوا أطفالاً، ومع ذلك أعترف أنها ليست من أجمل القصص التي كتبتها.

*من خلال مطالعة معظم أعمالك نجد فيها ابتعاداً عن قصص البطولات والخوارق وملامسة لواقع الطفل، ما هي وجهة نظرك في هذا الموضوع؟
** أنا ضد البطل المطلق، وأحاول دائماً أن أقدم للطفل حلاً يستخدم فيه عقله لا عضلاته، وعلى الحل أن يكون ممكناً، لا أن يأتي قدرياً وخارج نطاق القدرة البشرية، أنا أريده إنساناً وليس بطلاً، أريده محباً وليس منتقماً، لكني أعلمه ألا يسكت عن حقه كذلك.

* ترى إحدى الناقدات أنك ساهمت الى حد ما في تهميش دور المرأة في العديد من كتبك للأطفال بحيث قدمت المرأة بشكل هامشي ونمطي الى أبعد الحدود، ما قولك؟
** هذا يضحكني طبعاً، علي أن أميز بين أمرين، الأول، تلك القصص التي لا تكمن القيمة داخلها في الجندر، وهذا لا يهم من يكون البطل، والثانية القضية المتعلقة بالجندر، وهذا العامل في قصصي متوازن بشكل واضح.
عندي 17 قصة أطفال مطبوعة، منها 6 قصص فيها دور واضح للعنصر الأنثوي، حتى حين يكون الحديث عن شيء غير الإنسان، وفي القصص غير المطبوعة، تقريباً هناك 12 قصة جميع أبطالها نميملة، رغد، فرح، إلخ…

* كنت قد أنشأت قبل فترة فرقة “حناين” يُغني فيها أولاد وبنات أكبرهم في العاشرة .. ماذا تحدثنا عن هذا المشروع؟
**كنت أحد المساهمين في هذا المشروع ولست المنشئ الأساسي لهذه الفرقة، كانت تسعى إلى أن تنشر بعض الفرح في غزة على لسان الأولاد والبنات، وكنا نقدم لهم الأغاني التي أكتبها ويلحنها الفنان محمود العبادي، الفرقة أيضاً انتهت لأسباب مالية، وعدم رغبة المؤسسات في دعم غناء في غزة.

إلى الأعلى