الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / بين الانفتاح على عولمة السلع والخدمات والانغلاق نحو مدينة “بلا نقود”

بين الانفتاح على عولمة السلع والخدمات والانغلاق نحو مدينة “بلا نقود”

في قراءة للمدينة والاقتصاد المعولم
“عملة محلية” في حي بلندن .. ربما لم يكن من قبيل المصادفة أن يتم الإعلان عن أول ماكينة في العالم لصرف نقود محلية، وقبل أسبوع من يوم التراث العالمي الذي أعلنته منظمة اليونسكو في باريس عام 1972 ليصادف الثامن عشر من إبريل من كل عام. فقد أعلن في العاصمة البريطانية لندن في الحادي عشر من الشهر الحالي، وتحديدا في حي (بريكستون)، وهو أحد الأحياء الفقيرة التي تقطنها جاليات من مهاجرين أغلبهم من جزر الكاريبي وأميركا الجنوبية، عن افتتاح أول ماكينة في العالم لصرف “عملة محلية”. هذه العملة المحلية التي أطلق عليها اسم (جنيه بريكستون) تم تصميمها من قبل فنانين محليين منهم “جيرمي ديللر” وهو حايز على جائزة تيرنر عام 2004، وقد حملت صورا لرموز تهم المجتمع المحلي من مغني راب وفنانين بالإضافة لنماذج من الفن الشعبي للمنطقة. وهذه العملة هي الأولى من نوعها في مدينة لندن، وتهدف لتشجيع قاطني ذلك الحي على دعم نقودهم محليا وتشجيع المحلات الصغيرة لدعم اقتصاد المجتمع الفقير ككل. وهذه العملة يمكن صرفها في أكثر من 300 محل في المنطقة منها البقالات الصغيرة والحانات والمطاعم الصغيرة. كما تدعم بلدية مجاورة للمنطقة هذه العملة من خلال صرف رواتب موظفيها على شكل العملة الجديدة الكترونيا بحيث يمكن للموظفين التعامل مع المحلات التي سجلت لكي تقبل بهذه العملة.
هذه الفكرة قديمة طرحت في السبعينيات وتبنتها بعض المدن من أجل حماية اقتصادياتها المحلية وسعيا نحو نظام مدينة “بلانقود”. فما هو هذا النظام؟

نحو تفكيك الارتباط الاقتصادي المعولم: السيولة النقدية المتداولة ونظام “مدينة اللانقود”
مع شيوع عولمة الإقتصاد فقد تغولت الكثير من الشركات العالمية محققة أرباحا خيالية على حساب اقتصادات الدول والمدن النامية وعلى حساب معدلات العمالة والبطالة بها والتي أضحت محليا في ازدياد مما زاد من رقعة الفقر ووسع من قاعدة العوز بها. ولوحظ كذلك أن المدينة العربية المعاصرة، كنموذج يتبع المدينة الغربية، باتت تحتاج لإدارتها وتمويل مصادر الحياة الكمالية بها على أكثر من مساحتها الجغرافية مما يعني الاعتماد غير الذاتي على مصادر معيشتها ومصادر الغذاء بها وتشغيل العمالة بها. فمعظم البضائع والخدمات التي يتم تداولها في المدينة الحديثة تنتج في مكان آخر يتجاوز نطاق المدينة الجغرافي بكثير لتحقيق متطلبات السكان الحضرية دون مراعاة الآثار السلبية الناجمة على الإقتصادات المحلية في المدينة. فالمدينة العربية التي تعتمد هذا النظام يكون معظم النقود والربح ورأس المال الناتج عائدا دوما لمصدر إنتاج البضاعة خارج المدينة والمجتمع المحلي بعيدا لمصلحة رأس المال المسيطر على السيولة النقدية واقتصاديات المجتمعات المحلية للمدن.
هذا النظام الاقتصادي المعولم يعتمد تحريك النقود والسيولة النقدية كبضاعة عالمية ووسيلة للتبادل التجاري والخدماتي “وشفطها” باتجاه الأماكن التي تعود عليها بفوائد عالية تعمل على توالدها ومضاعفتها. وهو نظام يعمل على قتل وتذويب التراثات المحلية والعمالة والحرف التقليدية ويعمل على تقليل ترابط المجتمعات المحلية، ومن هنا فالأماكن “غير الجذابة” لتوالد السيولة النقدية تخسر بالتالي ولا يكون لها نصيب في تنمية اقتصادياتها وبيئتها – وهو ما يعني استهداف المدن العربية ذات المصادر الطبيعية الغنية كدول الخليج العربي التي تنحو بشكل جارف وغير مسبوق تجاه الحداثة الغربية الموهومة. فالنقود تعود للإقتصاد العالمي وبالذات مع تنامي ظاهرة العولمة دون اهتمام بالأقاليم والمجتمعات المحلية مما يضعف اقتصادياتها بشكل دائم ومزمن. وبالرغم من ذلك فمعظم مناطق العالم الفقيرة اقتصاديا هي المصدر الرئيس للمواد الخام وللغذاء بأسعار زهيدة، فالغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا. والتساؤل الرئيس المهم الذي يطرح هو: كيف يمكن إذن إعادة تفكيك الاقتصاد المعولم الذي قامت عليه معظم المدن العربية المعاصرة وإعادة المدينة لأصحابها؟ وهل يمكن ذلك نظريا أو عمليا أو كليهما؟
للإجابة لابد من تقديم مجموعة من النقاط المستندة إلى تجارب عالمية في هذا الإطار، مع العودة إلى الأسس التي قامت عليها أفكار التبادل الاقتصادي السلعي والخدماتي إقليميا وعالميا نزوعا نحو اقتصاد محلي مستقل يعكس طموحات وواقع واهتمام ومصلحة المجتمعات المحلية. وللإجابة دعونا نستذكر الفكرة الأساسية التي قامت عليها فكرة التبادل السلعي والخدماتي في المجتمعات الإنسانية. فقد شاعت في المجتمعات الإنسانية الفقيرة تقليديا – وقبل تنامي وترابط الاقتصاد العالمي المعولم – ظاهرة “المقايضة”، وذلك قبل ضرب النقود. وهذه العملية التقليدية البسيطة كانت تعني ببساطة أن تظل الخدمات والسلع الأساسية محصورة داخل الإقليم الواحد بما يعني أقصى منفعة ومصلحة للقاطنين به من ناحية تجارية وخدماتية ومالية. وهو نظام تقليدي حافظت عليه المجتمعات الإنسانية على مدى التاريخ حتى شيوع ظاهرة العولمة الاقتصادية التي أصبحت تعني استثمار الموارد المحلية لخدمة شركات عالمية متحكمة في الخدمات والسلع والاقتصاد التقليدي بما تحمله من آثار سلبية.
ولمجابهة الاقتصاد المعولم وبخاصة في المجتمعات الفقيرة، برزت أطروحات وتجارب عديدة في الكثير من المدن العالمية ذات الاقتصادات الفقيرة والمحدودة لحماية سكانها واقتصاداتها من تغول الشركات والنظم الرأسمالية وحيتانها. والهدف بدهيا هو إعادة تفعيل اقتصادياتها والمحافظة على دورة الخدمات والغذاء بها ودون خروجها خارج الإقليم لمصلحة رأس المال المعولم المستغل. فهذه المجتمعات التقليدية عاشت على مجموعات من الحرف التقليدية الأساسية التي تقيم أودها والتي يمكن للقاطنين فيها من تبادل الخدمات ودون الحاجة للنقود، ففيها شاع نظام “العونة” حيث يساعد السكان بعضهم بعضا في بناء بيوتهم وبمواد بناء محلية، ومن هنا فبغياب الحاجة لشراء مستلزماتهم من خارج محيط مجتمعهم التقليدي الذي يوفر لهم مصادر الغذاء والخدمات التي يتقايضها السكان، تكون الحاجة لصرف النقود مع المحيط الخارجي محدودة وقليلة وأحيانا نادرة.
لكن الحاجة للنقود ظهرت أول ما ظهرت في المجتمعات الحضرية بنمو السوق الصناعي والذي زاد من حاجة الناس لملاحقة تطورات الصناعة والتكنولوجيا وبالتالي زيادة الحصول على النقود لتلبية احتياجاتهم المتزايدة. ففي نظريات الاقتصاد الرسمية احتلت النقود، وليس الناس، موقع الصدارة في الإقتصاد. فمحصلة الناتج النقدي يعكس استعمالنا للمنتجات الصناعية والحاجة لها واحتياجاتنا للخدمات والتي يستهلكها ساكنوالمدن المعاصرة بدون تفكير طويل في تأثير هذه العملية التي تستفيد منها قوى العولمة الكبرى على حساب المجتمعات المحلية واقتصادياتها.
ومما يرتبط ارتباطا وثيق الصلة بتغريب المدينة العربية هي فكرة الإقتصاد الرأسمالي المعولم. ويناقش كتاب صدر عن دار (Pluto) هو (Economics For Everyone) المفاهيم الرئيسة للرأسمالية ودورة رأس المال في المجتمعات العالمية وبأن العولمة المرتبطة برأس المال والتي هي قديمة قدم التاريخ ذاته ومارستها المجتمعات المختلفة عبر العصور فهي ليست حديثة مطلقا – لكن تظل استجابة المجتمعات البشرية لها متباينة. وفي إطار مكافحة “تسرب” الرساميل خارج حدودها الإقليمية تطرح فكرة مهمة تتعلق بإجراءات حديثة تتخذها المجتمعات المتطورة تقودها كندا وإنجلترا لحماية الاقتصادات الضعيفة لمدنها وأقاليمها المحلية لحماية السلع والخدمات مقابل تغول “حيتان” العولمة باستخدام نظام متطور يسمى (Local Employment Trading System – LETS). ونظام (LETS) يعتمد أساسا الثقة بين أعضاء المجتمعات المحلية وهو مرادف لنظام “العونة” أو (Self-help) الذي طبقته تاريخيا القرى والمناطق الفقيرة بالعالم. وقد طورته كندا أساسا وتطبقه في أقاليم واسعة منها ويعنى بالمحافظة على رأس المال المحلي وعدم تسربه للمطور الخدماتي أو السلعي الخارجي. وقد تم تطوير نظام المقايضة والخدمات المحلي (LETS) من أجل المحافظة على اقتصاديات المجتمعات المحلية وحفظ مصادر الإنفاق لمصلحة المجتمعات المحلية. ومن هنا تم تطوير نظام (LETS) بمدن عديدة بكندا منذ التسعينيات بهدف مساعدة المجتمعات المحلية الفقيرة لتطوير اقتصادياتها وحمايتها في مقابل قوى عولمة رأس المال.

ما هو نظام (LETS)؟
نظام (LETS) يعتمد الكمبيوتر لتسجيل البضائع المحلية والخدمات حيث يعمل على مقارنة الواردات بالإحتياجات لخدمة المجتمع المحلي وتحقيق متطلباته الفعلية. ويتم دمج الأفراد والمؤسسات في هذه العملية الحديثة حيث تتم المعاملات دون تناقل النقود بين الأفراد أو مغادرة النقد خارج إطار المجتمع المحلي. فالذي يقوم بتزويد المجتمع المحلي بخدمات أو سلع يتم تسجيل رصيد “دائن” له على هذا النظام الكمبيوتري فيما يسجل لمن تلقى الخدمات أو السلع رصيد “مدين” لهذا النظام. وبهذه الحالة تبقى السلع والخدمات محصورة ضمن نطاق المجتمع المحلي ولا تغادره. ففي النظام الرأسمالي الحالي والذي يسمى (through-put) وبخاصة مع نشوء العولمة الرأسمالية تدخل السلع والخدمات من خارج المجتمع لتعود بالفائدة المادية على من أدخلها من الخارج. ويقوم نظام (LETS) على الثقة المجتمعية حيث بدونها لا يمكن تطبيق هذا النظام التكافلي الإجتماعي الفريد.
ومن المدن الأخرى التي طبقت هذا النظام غير المدن الكندية هي مدينة (Stroud) في انجلترا والتي تستخدم وثيقة مالية أطلق عليها اسم المدينة ذاتها (Stroud) حيث يستخدم أهل البلدة دفاتر شيكات خاصة للدفع من أجل شراء مجموعة كبيرة من السلع والخدمات وتتراوح من شراء الدراجات إلى العلاج الطبيعي. وفي المقابل تقوم الإدارة المحلية بجمع دفاتر الشيكات وتحديث أرصدة “الدائن” و”المدين” على النظام في الكمبيوتر.
مدينة كريستيانا بالدنمارك هي نموذج آخر للمدن الأوروبية التي اعتمدت هذا النظام للمحافظة على الخدمات والسلع والعمالة المحلية والتراث الإجتماعي وبالتالي اقتصاد المجتمع وتطويره في مقابل عولمة الإقتصاد. ومن أبرز مزايا هذا النظام الإقتصادي الذي يغلق الباب على تسرب الرساميل للخارج، احتواءه على بعد اجتماعي ونظام تكافل اجتماعي يقوي الروابط بين أهل المدينة الصغيرة. ففي حال وجود “دَين مزمن” على مجموعة من السكان بحيث لا يمكنهم سداده، يتيح لهم هذا النظام التكافلي التخلص من هذا العبء، حيث يتم تقاسم الدين وتوزيعه بين الأعضاء بالتساوي. وفي هذا النظام المتميز الذي يشبه تماما نظام “العونة” أو (Self-help) الذي انتشر في القرى العربية التقليدية والذي دعا له الكثير من منظري الإصلاح الإجتماعي العربي، ومنهم المعماري حسن فتحي، والذي ينتشر في القرى الفقيرة عموما، يتم تقاسم الخدمات بين أهل البلدة، حيث يمكن بناء مائة بيت بنظام “العونة” بين مائة رجل، بينما لا يستطيع مائة رجل كل بمفرده من بناء حتى بيت واحد. وهذا النظام يخدم أفقر رجل في القرية الذي يمكنه المساهمة بخدماته وحتى دون وجود أية عملة نقدية بحوزته – وهو هدف هذا النظام التكافلي الاقتصادي الفريد.
هذه التجارب العالمية الناجحة والتي تنبهت لها العديد من الدول الأوروبية تمثل خطا دفاعيا في مواجهة أخطار عولمة الإقتصاد التي باتت تشكل خطرا داهما لا يفرق بين شرق أو غرب حيث باتت كل بقعة في هذا العالم المنفتح على بعضه مهددة من قبل العولمة عموما وعولمة الإقتصاد خصوصا. واللافت أن أفكار التكافل الإجتماعي والحفاظ على العمالة الوطنية واستعمال الموارد المحلية وتناقل الخبرات والأعراف المحلية هي كلها أفكار من صميم تراثنا العمراني الذي يبدو أن مدننا العربية قد هجرته سعيا وراء سراب المدنية والحداثة!

وليد احمد السيد

مراجع للقراءة :

1- Girardet, H., (1976), ‘the GAIA Atlas of Cities: new directions for sustainable urban living’, Gaia Books Limited, London UK.
2- Jonathan, H, (2009), ‘Economics for Everyone’, Pluto Press, London.

إلى الأعلى