الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 13/18

المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 13/18

سعود بن علي الحارثي

” على شواطئ جزيرة مصيرة الفاتنة يفترش الإنسان المرهق من ضغوطات الحياة المتعب من مشاغلها وبرامج العمل المكثف الرمال الناعمة, يتأمل المياه الزرقاء الممتدة إلى ما لا نهاية وأمواج بحرها الهادر المتدافعة موجة إثر موجة, عشرات بل مئات من الأمواج المتتابعة جميعها تتكسر على حافة الشواطئ الرملية أو الصخرية أو المرجانية التي تتلاقى جميعها هنا في لؤلؤة بحر العرب,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثالث عشر : جزيرة مصيرة أو ( سيرابيس)
كل الطرق المؤدية إلى مرفأ شنة تمر بواحات زراعية وجبال عالية وأودية تنتشر في مجاريها الأشجار الوارفة وصحارى مفتوحة ورمال ذهبية وشواطئ أخاذة ومعالم تاريخية متنوعة … وهي كلها مقومات سياحية تشد الانتباه وتجذب السائح وتتطلب الاهتمام والتطوير وتوفير الخدمات … سواء أخذ القاصد طريق الداخلية – أدم – محوت – شنة , أو طريق جعلان – الأشخرة – شنة , ومن مرفأ شنة يستقل الجميع العبارات بسياراتهم وأحمالهم وبضائعهم إلى لؤلؤة بحر العرب ( مصيرة ) في رحلة تمتد ما يقرب من ال 18 كلم وتستغرق في حدود الساعة، ولايزال الخط البحري هو الخيار الوحيد للوصول إلى هذه الجزيرة الساحرة التي تمثل خصوصية واستثناء من بين كل ولايات السلطنة كونها تقع في وسط بحر العرب تنعم بهوائه العليل وطقسه المعتدل وغيومه السابحة في الفضاء الواسع وشواطئه الفسيحة ورماله الناعمة وطيوره المهاجرة وخيراته الوفيرة وحركة تجارته النشطة عبر التاريخ, وتكتوي في الوقت ذاته بأطماع الغزاة الذين يعبرون طرقه, وبأعاصيره وعواصفه الهوجاء وأمواجه الغاضبة وطبيعته المتقلبة، تسعد به أياما وأشهرا وسنوات وتشقى به في ظرف ساعات قليلة يدمر فيها ما بناه الإنسان في تلك السنوات في صراع مرير تواصل عبر قرون من الزمن تمكن فيه هذا الإنسان من التأقلم مع الواقع والقدرة على التعامل مع أنوائه المناخية وظل صامدا جيلا إثر جيل متشبثا بأرضه وتراب موطن آبائه وأسلافه يعمر الأرض ويشقى لتنمية تجارته وأعماله وماله, يعلي البناء ويحمي هذه الجزيرة الوليدة من رحم المحيطات والبحار من آثار طقسها العنيف في أوقات من العام ومن غزاته الطامعين, مقدما الأمثلة والشواهد على أن الإنسان هو السيد الحقيقي الذي اختاره رب العزة ليكون خليفته على الأرض وزوده من القدرات والامكانات ما أهلته لهذه المهمة الجسيمة والمسئوليات العظيمة، جاءت زيارتي إلى ولاية مصيرة في إطار مهمة رسمية لاستطلاع آراء وملاحظات أبناء المنطقة حول ملف ( الصيد الجائر) الذي كانت تدرسه إحدى لجان مجلس الشورى, وقد أعجبت كثيرا بشواطئ جزيرة مصيرة البكر, برمالها الناعمة ومياه بحرها الشفاف وأمواجه الهادرة في فصل الصيف وبطقسها المعتدل طوال العام وبهوائها النقي المنعش الذي لم تلوثه الملوثات ولم تقرب منه أدخنة الصناعات الحديثة ولم تصله رؤوس الأموال واستثمارات أصحابها العطشى إلى المواقع الجذابة والمناطق الاستراتيجية والشواطئ الخلابة التي يشكل الاستثمار فيها ثروة حقيقية لأعمالهم وشركاتهم ومشاريعهم العابرة.
على شواطئ جزيرة مصيرة الفاتنة يفترش الإنسان المرهق من ضغوطات الحياة المتعب من مشاغلها وبرامج العمل المكثف الرمال الناعمة, يتأمل المياه الزرقاء الممتدة إلى ما لا نهاية وأمواج بحرها الهادر المتدافعة موجة إثر موجة, عشرات بل مئات من الأمواج المتتابعة جميعها تتكسر على حافة الشواطئ الرملية أو الصخرية أو المرجانية التي تتلاقى جميعها هنا في لؤلؤة بحر العرب, من أعماق البحار والمحيطات تنطلق تلك الموجات الثائرة الهادرة يدفع بعضها بعضا تعتلي صفحة المياه وصهوة البحار تتصاعد إلى الأعلى وهي شامخة مهابة, هذا في أوج عنفوانها وقوتها, ولكنها سرعان ما تتراجع وتضعف وتتلاشى وتموت, هكذا هو قانون الطبيعة في عمومه, لكل شيء في الحياة مبتدأ ومنتهى, قوة وضعف، طفولة وشيخوخة, ولكل مرحلة من المراحل المقررة سمات وخصائص وعلامات, تبدأ الموجة في التشكل في وسط البحار والمحيطات تنمو وتكبر وتتحرك فينتهي بها المطاف إلى لا شيء إلى التلاشي والاندثار على حاجز الشاطئ وكأنها لم تكن شيئا مهولا ولا أمرا مهيبا ولا شيئا مخيفا قد يتسبب في الإغراق وحدوث الفيضان على المناطق الشاطئية وإحداث الخسائر في الأرواح والممتلكات، نسافر بخيالنا الواسع مع تلك الأمواج اللانهائية وهي قافلة نحو الشاطئ الآخر وتعيدنا إلى الموقع ذاته وهي في طريق العودة إلى أعالي البحار والمحيطات, تسود حالة من السكون المطبق لا صوت يعلو على زمجرة الأمواج وهديرها وجبروتها, يبني الخيال صروحا من الآمال ويضع تصورات طموحة ويرسم أبراجا شاهقة من الأحلام التي تولد وتكبر وتموت فلا فارق بينها في ذلك وبين حالة الأمواج, تتعاظم الموجة وتتعالى وتشمخ وتصطدم وتطيح بكل من حولها ثم تنخفض وتتراجع وتذوب وكأن شيئا لم يكن, منظر تتباين إزاءه الأحاسيس يثير المشاعر ويحرك العواطف ويطرح التساؤلات ويضعنا أمام الحقيقة, حقيقة الإنسان وحقيقة الحياة , القوة والضعف السعادة والحزن الخوف والطمأنينة، صور ومشاهد وملامح ومؤشرات تدعونا إلى التأمل والتدبر والتفكر. من نقطة ما، نطل على شاطئ يمتد إلى ما لا نهاية كما يتراءى للبصر, ترقب العين طائرا جميل الهيئة بديعا في ألوانه, مطربا في شدوه الموسيقي يظهر من تصميمه ومن الإصرار على تكرار المحاولة التي تمثلت في حركته ذهابا وإيابا صعودا ونزولا إنه جائع ويبحث عن صيد يسد جوعته, وترى في زاوية أخرى صيادا هاويا يصيد من أجل المتعة وإشباع هواية لا ترى في غير اصطياد بضع سمكات وإن بدت صغيرة في الحجم والقيمة متعة وسعادة , وفي موقع آخر داخل المياه ليس بعيدا عن الشاطئ , تنظر العين صيادا تقليديا يمتطي زورقه البسيط في حركته وصناعته وهيئته يمارس الصيد طلبا للرزق يحمل أملا واسعا بالعودة إلى السوق وقد حمل صيدا وفيرا سوف يعود عليه بما يكفيه من المال لتلبية متطلبات أسرته في يومه ذاك، ومن بعيد في أعماق البحر تشاهد العين سفينة صيد عملاقة حطت رحالها وهيأت وسائلها وأدواتها المتطورة ونصبت حبائلها ومكامنها ووزعت صياديها على جوانب وزوايا السفينة وفتحت كاميراتها لاستكشاف المكان ومراقبة حركة الأسماك وأنواعها لاصطياد ما هو أغلاها ثمنا وقيمة كي تضيف إلى رصيد صاحب السفينة المزيد من المال والثراء. هنا في هذه الجزيرة الساحرة وفي وسط هذا الجمال الأخاذ وعبر هذا الكون الفسيح تنشط الأسئلة وتتجدد الأفكار وتهدأ الخواطر وتتلاشى ضغوطات الحياة ويشعر الإنسان كأنه ولد من جديد, وهذه السياحة الحقيقية من وجهة نظري المتواضعة الاستجمام والاجتماع والتفرغ للأسرة والأصدقاء وتعزيز اللقاءات والعلاقات والتدبر في ملكوت الله واستخلاص الدروس والحكمة والغايات التي تنفع الإنسان وتحرك ابداعاته ومبادراته النافعة, ولا مكان أجمل وأصلح لهكذا سياحة من هذا المكان المريح بكل تفاصيله وتقاطيعه التي تشكل لوحة متكاملة في الحسن والابداع … جزر وخلجان – أصداف وقشريات – شواطئ تتوزع بين الرملية والصخرية والمرجانية – أودية – صحارى – جبال – سلاحف وثروة سمكية متنوعة – محطة للطيور المهاجرة والمقيمة – ممارسة هوايات الغوص والصيد … كل ذلك وأكثر يجده السائح في جزيرة مصيرة, التي تعيش فيها أربعة أنواع من السلاحف البحرية تعشش على شواطئها، وهي: (الأبله، الأخضر، منقار الصقر وسلاحف ريدلي الزيتون. كل هذه الأنواع تتبع مفهوم التعشش). وإلى جانب السلاحف يقدر عدد الطيور التي تستوطن وتعبر الجزيرة في حدود ( 130 نوعا من طيور الشاطئ مع الشعاب المرجانية والتي ترتبط بالحياة البحرية المتنوعة). من هنا, ومن على شاطئ جزيرة مصيرة وحتى أبعد جزء في أعماق بحر العرب يصل إليه البصر يستعيد الإنسان أحداث الماضي حيث كان المكان معبرا نشطا للأساطيل البحرية والقطع الحربية وسفن التجارة التي تحمل البضائع والسلع من الهند وشرق إفريقيا والصين وكانت عمان مركزا تجاريا عالميا وموقعا استراتيجيا هاما بحكمة اطلالتها على بحر العرب وخليج عمان, وكان العمانيون يوما ما سادة البحر ورواده, ولا شك بأن هذه الجزيرة تأثرت وأثرت وكان أبناؤها جزءا مساهما في هذا التاريخ المجيد. وقد أكدت عمليات البحث والتنقيب التي تمت بالتعاون مع دائرة الآثار بوزارة التراث والثقافة والبعثة الألمانية عن اكتشاف ( مدافن تعود الى فترة ما قبل الاسلام وبعده في الجزيرة وقد بنيت من الحجارة الجيرية المحلية حيث كانت القبور عبارة عن هياكل بشرية دفنت بوضع القرفصاء حيث دفن الرجال باتجاه الشمال والنساء باتجاه الغرب , كما أنشأ البرتغاليون مناطق عسكرية وتجارية وهيمنوا على التجارة العالمية حوالي قرن كامل) وفقا لما ورد في كتاب أعده الكاتب سالم بن حمدون بن حمد المعمري عن ولاية مصيرة، كما توجد دلائل ومؤشرات تقدمها عمليات التنقيب على وجود ( قلعة في مصيرة قبل 30 عاما من وصول البرتغاليين وأنهم استخدموا القلعة والمدفعين الموجودين حاليا بقاعدة مصيرة الجوية) كما جاء في الكتاب , وظهرت كذلك آثار أخرى مثل (المنازل وبعض الأشكال تحت الماء وقد تم سحبها بواسطة الدكتور دليفرير عام 1984م ) وما زالت محفوظة في( متحف الآثار بالعاصمة كما توجد الأضرحة الدينية والمقابر الإسلامية القديمة في منطقة صفايج جنوب الجزيرة وقبر بجزيرة مرصيص يعتقد انه ضريح أحد الصالحين). كما تحدث الكتاب عن طرق تجارة البخور , مؤكدا على أن مصيرة كانت ( محطة لتجارة البخور ) عبر المحيط الهندي, حيث كانت ( تنطلق سفن التجارة الى مختلف مناطق العالم القديم فهي بمثابة حلقة وصل بين ميناء سمهرم بظفار وبقية مواني العالم). كما تناول الكتاب اكتشاف النحاس بواسطة ( مجموعة من الجولوجيين في عام 1973 وتوالت عليها مسوحات هدفها اكتشاف بقايا المناجم القديمة وفي عامي 93/94 اكتشفت علامات تدل على الكروم بواسطة البروفيسور نيجرك بيتر ومجموعة باحثين سويسريين وتوجد في وادي صغير , كما اكتشف العالمان أنديرزكي وبراوت أحد مواقع المناجم القديمة يقع على رأس وادي ماضي , كما توجد هناك بقايا صخور خضراء ومعادن نحاس وأخرى ثانوية ممتدة بغير انتظام على بعد 200 متر من الشمال الى الجنوب ومن الجانب الشرقي من سلسلة المرتفعات , كما اكتشف اثناء الحفريات في جبل الحمر ممر بالمنجم يقع تحت الصخور السوداء وهذا الممر يقود الى مساحة مملوءة ببرادة الحديد إضافة الى تواجد عدد من مناجم النحاس في قرى الولاية … ) وتذكر الكثير من المصادر التاريخية أن الاسكندر المقدوني قد اتخذها قاعدة واطلق عليها اسم(سيرابيس).
لقد حبا الله جزيرة مصيرة بشواطئ رملية جميلة وبحار مرجانية دافئة ومواقع سياحية جذابة، وبآثار تاريخية قديمة, فهي بحق خيار مهم لتطوير وتأهيل قطاع السياحة في عمان.

إلى الأعلى