الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث..هل أوبك إلى زوال ؟

في الحدث..هل أوبك إلى زوال ؟

طارق أشقر

هل أوبك إلى زوال ؟ … سؤال يتردد كلما تعرضت أسواق النفط العالمية الى هزات جسام ، خصوصا في حالات تدهور الأسعار مثل أزمة الثمانينيات والتسعينيات، عندما وصل سعر البرميل في عام 1999 إلى حوالى عشرين دولارا ، كما تصاعد الحديث عن زوال المنظمة عند احتلال العراق في عام 2003 ، باعتبارها تملك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم ، وأصبحت في ذلك الوقت أي عند احتلالها غير مالكة لقرارها ، فتردد الحديث حينها عن المخاطر التي قد تواجهها أوبك .
أما في الحقبة الحالية أي في الألفية الثالثة، وبعد فشل منظمة الدول المصدرة للنفط – أوبك – في الاتفاق على تخفيض الانتاج أكثر من مرة من أجل تقليل المعروض، حتى تتاح الفرصة لآلية العرض والطلب للتحكم في الأسعار ليزداد الطلب على حساب العرض وترتفع الأسعار، فعاد الحديث مرة أخرى وكذلك التنبؤات عن احتمال زوال الأوبك من الوجود.
وقد سيطرت تلك الرؤية التشاؤمية بوضوح أكبر في متن ما تناولته وكالات الأنباء عن تصريح لمندوب إحدى الدول المصدرة للنفط كان قد حضر اجتماع محافظي المنظمة في فيينا الأسبوع الماضي الذي كان يهدف لصياغة استراتيجية طويلة المدى لأوبك، حيث نقلت عنه الوكالات قوله إن (أوبك ماتت )!. مشيرا في ذلك إلى الخلافات التي كثيرا ما سيطرت على اجتماعات المنظمة كلما تم طرح مسألة أهمية تخفيض المعروض عبر تقليل الانتاج.
ومع ظهور التنبؤات مرة أخرى بشأن زوال أوبك، نجد أن تلك الرؤى التشاؤمية يدعمها الكثير من الظروف الاقتصادية والسياسية التي تفرض هيمنتها على سوق النفط بالقدر الذي يرجح تلك الرؤى، ومن أبرزها هو أن منظمة الدول المصدرة للنفط لم تكن المسيطر الأكبر على أسواق النفط العالمية كما كانت عليه الحال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وفي هذا السياق يرى المراقبون أن أوبك التي كانت لها الكلمة العليا في أزمة الطاقة في عام 1973 حين تمكنت من مضاعفة أسعار النفط أربعة أضعافها باعتبار أنها كانت تسيطر على حوالى 60% من حصة أسواق النفط وحتى وقت قريب، أصبحت في الوقت الحالي غير قادرة على التحكم في مفاصل اللعبة، حيث أدى دخول لاعبين جدد من خارجها إلى تراجع حصتها من أسواق النفط إلى حوالى الـ 30% ، مما أثر بشكل كبير على قدرتها في السيطرة على الأسواق .
فضلا عن ذلك ، فإن هذه الوضعية في عدم القدرة على السيطرة على السوق العالمي بسبب تراجع حصص أوبك السوقية، زاد من اهتمام أعضاء المنظمة بالسعي الجاد نحو الحفاظ على حصصهم الفردية في السوق الأمر الذي بالضرورة قد يعوق أي محاولة لتخفيض كبير جدا للانتاج، وبالتالي يتأخر التعافي السريع للاسعار الذي عادة ما يكون عبر تخفيض المعروض. فضلا عن دخول عوامل سياسية أخرى سببها حالة عدم الاستقرار السياسي الذي تعرض له الكثير من الدول المنتجة الأعضاء في المنظمة الذي لابد أن يؤثر على مستوى أداء المنظمة.
كما أن ظهور الكثير من بدائل النفط الأحفوري المتمثلة في الطاقة النووية والطاقة المتجددة كالشمسية والرياح والطاقة المستخرجة من بقايا قصب السكر وبقايا الذرة الشامية ، وغيرها ، جميعها أدت إلى تراجع الطلب على الطاقة الأحفورية ، مما أسهم في تقليل نسبي للطلب في ظل وجود إضافة أخرى كمية ونوعية من النفط الأحفوري أيضا تمثلت في النفط الصخري الاميركي والرملي الكندي وغيرهما ، فضلا عن نفط الدول غير الاعضاء في المنظمة ، كل ذلك زاد من حجم الضغوط على سوق نفوط أوبك التي تعاني الصراعات ، الامر الذي نرجو الا يرجح كفة زوالها .
وعلاوة على كل ذلك تزداد المخاوف من زوال اوبك ، عندما يتبين للمراقبين زيادة متانة ارتباط اقتصاديات غالبية اعضاء المنظمة باقتصادات الدول الغربية المستوردة لنفوط اوبك ، والتي هي في الأصل متحفظة على وجود اوبك وترى فيها منظمة احتكارية غير منسجمة مع ابجديات حرية السوق واقتصاد السوق الحر. فقد ادت قوة ارتباط اقتصاديات الكثير من أعضاء الأوبك من خلال استيرادها لارتال الاسلحة المتطورة والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة والاستثمارات الغربية الضخمة .. كل هذا يسهم في جعل قرارات المنظمة اكثر ارتباطا بظروف حرية السوق ، اكثر من ارتباطها بقرارات احتكارية يكون هدفها الاوحد رفع الأسعار .
وعليه وكيفما كانت الرؤى متشائمة بشأن مستقبل اوبك ، نتمنى لهذه المنظمة العتيقة الاستمرار في دورها الذي قامت من أجله في عام 1960 لتنسيق وتوحيد سياسات النفط في الدول الأعضاء فيها ، آملين أن يؤدي اجتماعها في يونيو المقبل الى ما يمكنه ان يسهم في تحريك اسعار النفط نحو الأعلى حتى لا يتأثر صغار المنتجين داخل وخارج المنظمة ، وحتى لا تتعمق آثار تراجع الأسعار على رفاهية الشعوب .

إلى الأعلى