السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الخدمات التعليمية والطلابية في فنلندا: إجادة النجاح

الخدمات التعليمية والطلابية في فنلندا: إجادة النجاح

**
قدمت فنلندا نظاما تربويا تعليميا فريدا، استطاع وعلى مدى عقد من الزمن إثارة الجدل في الميدان التربوي العالمي حول ما يتم تقديمه من خدمات تعليمية ومدى جدواها وفاعليتها.
يكفل النظام التعليمي الفنلندي للمتعلم حقوقا أساسية تتمثل في “حق التعليم للجميع، حق الذهاب لأقرب مدرسة، الحق في تعليم عالي الجودة، حق الحصول على الوقت والدعم الكافيين لتحقيق أهداف التعلم”.
ومن هذه الحقوق الأربعة الأساسية انبثقت خدمات تعليمية وطلابية وتطورت بما يضمن هذه الحقوق ويؤكد تحققها بكفاءة وفاعلية، فنجد أن الدعم الحكومي والتمويل المحلي للمدارس يتحدد بناء على أعداد الطلاب في المدارس، مما يخلق منافسة فاعلة بين المدارس لتجويد خدماتها التعليمية بغية استقطاب الطلاب وزيادة الدعم المادي بشكل يتيح استثماره بالشكل الأمثل، مع التأكيد على مبدأ مجانية التعليم العام والعالي، ويشمل ذلك مجانية الكتب والقرطاسية واللوازم المدرسية، ومجانية التغذية حيث تقدم المدارس والجامعات الفنلندية من خلال سلسلة مطاعم دراسية وجبات غذائية صحية عالية الجودة وفق معايير صحية منضبطة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وتقدم هذه المطاعم الوجبات الغذائية وفق الاختيارات الدينية أو الثقافية أو العرقية أو القيود بسبب الحساسية أو الأمراض المزمنة دون حساب أي تكلفة إضافية .
كما أن جميع الطلاب مشمولين ببرنامج تأمين صحي اسمه الخدمات الصحية للطلبة بفنلندا (FSHS). يغطي هذا التأمين برامج الرعاية الصحية الوقائية والرعاية الطبية والرعاية الصحية للأسنان والرعاية النفسية، كما يوجد في كل مدرسة عيادة طبية تقدم خدمات الرعاية والعلاج للطلاب يوميا.
يحرص النظام الفنلندي على توفير التعليم العادل(مراعاة ثنائية اللغة والتعددية الثقافية) في المدارس: حيث يتيح للطالب استكمال التعليم بلغته الأصلية، كما يحق له اختيار عدم المشاركة في دروس التعليم الديني.
في المدارس الفنلندية يقدم المعلمون ذوو الكفاءة العالية الذين لا يقل مؤهلهم التربوي عن الماجستير خدمات التوجيه والإرشاد والرعاية للطلاب بشكل غير مباشر (من خلال المناهج والأنشطة التعليمية)، وبشكل غير مباشر (من خلال برامج وأنشطة خاصة)، ويشمل هذا دعم الطالب في جميع الجوانب الأكاديمية والنفسية والصحية والاجتماعية، ويتم تقديم الدعم في مستويات ثلاث: الدعم العام (لجميع الطلاب)، تكثيف الدعم (للطلاب ذوي الحاجة لدعم إضافي)، الدعم الخاص (للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة من المتفوقين أو ذوي الإعاقة).
ويتم تصنيف الطلاب في هذه المستويات الثلاث وفق قدراتهم واحتياجاتهم ورغباتهم، ويتم تحديد ذلك بدقة من قبل المعلمين وثيقي الصلة بطلابهم، حيث ينتقل معلم الصف الأول الابتدائي مع طلابه حتى يصلوا للصف السادس الابتدائي لخلق علاقة فريدة من نوعها تتيح للمعلم غرس القيم والأخلاق والأفكار في نفوس الطلاب في جو أسري حميم، ويتم تقديم الدعم للطلاب بشكل فردي أو جماعي، من خلال دوام جزئي أو تقديم المشورة أو مجموعات التدريس المرنة.
أما الخدمات المقدمة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة فتتراوح بين مساعدات مقدمة لاضطرابات الكلام، صعوبات القراءة والكتابة، صعوبات تعلم الرياضيات، وصعوبات تعلم اللغات الأجنبية، ومساعدات مقدمة لصعوبات التكيف والاضطرابات العاطفية، ومساعدات أخرى لذوي المشاكل الصحية التي تشمل حالات التأخر العقلي، الإعاقات الشديدة، مرض التوحد، عسر الكلام وضعف البصر أو السمع. يشرف على هذه الخدمات فريق مسؤول عن دعم ذوي الاحتياجات الخاصة يتألف من مدير المدرسة، وممرضة المدرسة، ومعلم التربية الخاصة، موظف علم النفس المدرسي، عاملة اجتماعية والمعلمين في الفصول الدراسية.
كما تقدم المدارس الفنلندية خدمات توجيه مهني عالية المستوى، حيث يتيح برنامج “من المدرسة إلى العمل” للطلاب في المدارس الثانوية المهنية فرصة الخروج مباشرة من المدرسة إلى سوق العمل، مزودين بمهارات عالية تجعلهم مكسبا وقيمة مضافة لسوق العمل، وباتت هذه المدارس الثانوية المهنية هي الخيار الشعبي لطلاب المرحلة الثانوية حيث يلتحق بها حوالي نصف الطلاب في فنلندا، أما التخصصات الأكثر رواجا في هذه المدارس فهي التكنولوجيا والنقل، والأعمال التجارية والإدارة والصحة والخدمات الاجتماعية.
تفتح المدارس الفنلندية أبوابها في الفترة المسائية لتقديم برامج وأنشطة إضافية اختيارية، يشترك فيها الطالب مقابل رسوم مادية، وهذه الأنشطة المتنوعة تشمل المسرح والموسيقى والاستكشاف ودورات تدريبية وغيرها من برامج تتوافق ومتطلبات الفرد وحاجة المجتمع.
في فنلندا يعود الطلاب لمنازلهم بعد يوم دراسي يعد من أقصر الأيام الدراسية حول العالم، بلا واجبات منزلية، ولا تكاليف إضافية، ولا حاجة لدروس خصوصية، ولا أعباء مادية تثقل كاهل الأسرة، فيصبح التعليم تجربة ممتعة، والمدرسة مكانا جاذبا، مما يتيح فرصة أكبر لتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية لغاياتها المنشودة، ويحقق مخرجات تعليمية عالية الجودة وهذا ما أنجزته فنلندا حيث تربعت لعشرة أعوام على قمة التصنيف الدولي للتعليم العام محتلة المركز الأول رغم محدودية الموارد والإمكانات مقارنة بغيرها من دول.

حصة بنت خالد بن مناحي القحطانية
باحثة تربوية

إلى الأعلى