الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الثقة السياسية وبناء الدولة الوطنية( 1-3 )

الثقة السياسية وبناء الدولة الوطنية( 1-3 )

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. تكمن خطورة افتقاد أو تراجع منسوب الثقة السياسية بين المواطنين ومؤسسات دولتهم والمسئولين القائمين عليها إلى التأثير على جوانب مختلفة في الحياة الوطنية, وليس ذلك فقط في جانب معين منها, حيث يمتد أثرها إلى كل جوانب الحياة كالجانب السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني والاجتماعي وغير ذلك, وأخطرها على الإطلاق جانب التأثير في الأمن والاستقرار الوطني,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول أحد الحكماء الصينيين عندما سأله أحد تلاميذه، يا معلم ماذا يجب على الدولة للشعب؟ قال المعلم: إن من حق الشعب على الدولة أن توفر له أمورا ثلاثة, أحدها عدة الحرب التي يدافع بها عن نفسه، وثانيها لقمة العيش التي تمسك حياته ، وثالثها الثقة بالحكومة التي تستبقي له قوة دولته، فقال يا معلم : إذا لم يكن بد من الاستغناء عن واحد من ثلاثة فماذا يستغني عنه الشعب؟ فأجاب المعلم نستغني عن عدة الحرب لأننا نستطيع أن نخرج الأعداء من بلادنا إذا قاطعناهم ولم نتعامل معهم في شأن من شئون الاجتماع، فإنهم عند ذلك لا يستطيعون البقاء ولا يجدون مناصا من الجلاء، فلم يشأ التلميذ ان يسكت، فقال يا معلم إذا لم يكن بد من الاستغناء عن أحد الأمرين لقمة العيش والثقة فما الذي نستغني عنه منهما؟ فقال المعلم: نستغني عن لقمة العيش لأن الموت كان ولايزال حتما مقضيا على البشر، أما إذا انعدمت الثقة، فلا بقاء لدولة الشعب، وعند ذلك يتهافت عليه الأعداء ويتخلى عنه الأصدقاء.
وتكمن خطورة افتقاد او تراجع منسوب الثقة السياسية بين المواطنين ومؤسسات دولتهم والمسئولين القائمين عليها الى التأثير على جوانب مختلفة في الحياة الوطنية, وليس ذلك فقط في جانب معين منها, حيث يمتد أثرها إلى كل جوانب الحياة كالجانب السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني والاجتماعي وغير ذلك, وأخطرها على الإطلاق جانب التأثير في الأمن والاستقرار الوطني , حيث يمكن التأكيد على أنه كلما تراجع منسوب الثقة السياسية في الحكومة من جهة , ازداد توسع دائرة الشك والريبة في مختلف الأهداف والتوجهات والقرارات الرسمية القائمة والقادمة لها من جهة أخرى, ما يؤدي بدوره الى زيادة السخط والامتعاض والاحباط المجتمعي حيال تلك المؤسسات والمسئولين القائمين على إدارتها مع الوقت , وهو أمر يؤثر في نهاية المطاف على ما يطلق عليه بالشرعية الجماهيرية للنظام السياسي.
كما أن تراجع منسوب الثقة السياسية كذلك يؤثر في جانب الأمن الثقافي للمجتمع, حيث إن لذلك الجانب تأثيرا مباشرا في تغيير الوعي السياسي والثقافي المجتمعي ودفعه الى الدخول في العديد من المشاققات الثقافية مع نظامه السياسي وحكومته سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , والتي يقع في طليعتها النظرة بشك الى القوانين التي وجدت أصلا لتنظيم سلوك وتصرفات الأفراد في المجتمع , وبسلبية وفساد وريبة الى كل قرار او مشروع او توجه رسمي وان كان ايجابيا , والى كل شيء في الحياة الوطنية على انه مجرد لعبة رسمية كبيرة لا يراد بها إلا خدمة مصالح فئة معينة من شرائح المجتمع وليس الصالح الوطني العام.
كما يؤثر تراجع منسوب الثقة في نظرة المواطن الى مستقبل الأمن الاقتصادي لوطنه, وهو جانب خطير آخر, فكما هو معروف في ثوابت ونظريات ومبادئ الدراسات الاقتصادية, إنه ( حين يبدأ اقتصاد المجتمع بالانكماش , حينئذ تكون الحرية في خطر , فالتقلصات الاقتصادية دائما تعني الخوف , والخوف يولد الشك باستمرار – وهو ما يجعل أفراد المجتمع – أكثر استعدادا للسماع إلى أصوات جديدة , وأنهم في الغالب يطالبون بتغييرات جديدة ), وهو ما سيؤدي مع الوقت الى تفاقم وتسارع الضغط الشعبي على الجهات الحكومية من نواح مختلفة , يقع على رأسها ارتفاع سقف المطالب والخدمات التي من المؤكد بأنها ستفوق في نقطة معينة قدرة الحكومة ومؤسساتها على استيعابها.
( فالاقتصاد القوي يجعل الناس يحسون بأن الأمل موجود أمامهم, وأتصور أن الأمل هو شرط حيوي ومحفز قوي يدفع الناس لاحترام القانون ـ واحترام بعضهم البعض ـ أما حين يفقد الأمل فان الشك يبدأ بالتغلغل إلى النفوس والأفكار , وحيث يتواجد الشك ينتشر الخوف , وبكل تأكيد فإن الخوف والشعور بالقلق من الناحية الاقتصادية يعد من أهم أسباب التحايل على القوانين والسعي لاختراقها , وكذلك ارتفاع نسب الجريمة والتطرف الفكري , فالفرد منا حين يشعر بأنه مهدد من الناحية المادية والمعيشية يبدأ بالبحث عن وسائل أخرى للوصول إلى هدفه الذي حالت الظروف والأزمات الاقتصادية او بعض القوانين دون الوصول إليه).
إذا الثقة السياسية هي قيمة أخلاقية ومعيار من معايير الإيمان بالطرف الآخر أي الطرف القائم على إدارة الشؤون العامة في أي امة وطنية كالحاكم والمسؤولين والمؤسسات والقانون والخطط والتوجهات وغير ذلك, وافتقادها يعني فقدان الرابط الأخلاقي والفكري والنفسي بين أطراف الإنتاج والبناء الوطني, وتعد قيمة مادية لا يمكن إهمالها أو الاستهانة بها لأنها من ابرز واهم الأسس الإدارية في بناء أي دولة عصرية تسعى لتحقيق الاستقرار والطمأنينة الشاملة, وعندما نقول إدارية, فإننا نعني بذلك الإدارة المدنية من مختلف جوانبها, سواء كانت السياسية او الأمنية او الاقتصادية أو غير ذلك, وكل ما يتعلق بإدارة شؤون الوطن والمواطن, والتي تتحرك على أساسها عجلة الإنتاج وتتقدم التنمية.
وحين نضع الثقة السياسية وضرورة توطيدها بين أطراف الإنتاج في أي امة وطنية كركن أساسي لا غنى عنه لتحقيق ما نطلق عليه بفكرة الدولة المطمئنة التي طالما حلمنا بوجودها بكل أهدافها وغاياتها القائمة وأحلامها وطموحاتها المستقبلية القادمة, فان ذلك يأتي من إيماننا وإدراكنا لأهميتها العظيمة في الحاضر والمستقبل, وخطورة افتقدها او حتى تراجع منسوبها على تلك العلاقة الوطنية الوطيدة والمترابطة القائمة على الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم او المواطنين ومؤسسات الدولة, او في القانون الذي ينظم سلوكياتهم ويحقق العدل والمساواة بينهم, وغير ذلك من العلاقات التي تسير شؤون الدولة والمواطنين فيها في الداخل والخارج.
فهي متعلقة بقوة وترابط بحبل الصدق والأمانة والمصداقية والوفاق ومفهوم الحكم الرشيد والحاكم المستنير, فاصطلاحا: هي التي يعتمد عليها في الأقوال والأفعال, قيل هي بحسب من أضيفت إليه ، كالثقة بالله، والثقة بالمؤمنين، والثقة بالنفس، والمنهج, وعليه فان الثقة السياسية يجب ان ترتبط افتراضا بذلك الحبل, خصوصا عندما تدور في رحى علاقة بين أطراف البناء والعمل الوطني في أي امة, ويقابلها أي الثقة في الجانب الآخر عدم الثقة , والشك والريبة وهي قيم سلبية وعوامل مدمرة ومقوضة لأركان الدولة, خصوصا إذا تسيدت العلاقة المشار إليهما سلفا بين الحكومة والمواطنين, حيث تتحول مع الوقت الى أداة تدمير للدولة وسرطان ينهش كل ركن من أركان استقرارها وأمنها ووحدة صفها وترابط مواطنيها ومناعتهم الوطنية ضد كل أشكال الفرقة والاختراقات الخارجية والصراعات الداخلية.
ويختلف تعريف الثقة باختلاف مجالات العلوم والدراسات الاجتماعية, إلا ان علماء السياسة يتعاطون معها بوجه خاص من منظور العلاقة بين المواطن والحكومة وهو ما ننظر إليه ونأخذ به في هذا الطرح، على اعتبار أنها سمة مجتمعية وليست فردية كما سبق واشرنا ، حيث يشارك الأفراد ويستفيدون من ثقافة الثقة او من المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تعزز ذلك السلوك, ( وتشير بعض الأدبيات إلي الثقة السياسية علي أنها اعتقاد المواطنين بأن الحكومة أو النظام السياسي سيعمل بأسلوب يتسق مع توقعاتهم، والمواطنون الذين يثقون في الحكومة أكثر عرضة للامتثال للقوانين ويتابعون المبادرات الحكومية، وإن الثقة السياسية تمثل التوجه العام للمواطنين نحو الحكومة ، ويقوم هذا التوجه بناء علي التوقعات المعيارية للحكومة).
أما العكس , وهو عدم ثقة المواطن في الحكومة ومؤسسات الدولة يرسخ في ذهنه أفكار سلبية مختلفة, منها ان الحكومة لا تعمل لصالحه أو لأجله, انطلاقا من تلك التصرفات والأفكار والتوجهات والقرارات التي ينظر إليها دائما بشك وريبة وقلق وخوف, لأنها تثقل كاهله بالضرائب والمتطلبات والضغوط , وتؤثر سلبا على حياته وتعيق راحته واستقراره الاجتماعي والنفسي, وتحول دون تمكنه من ممارسة ابسط حقوقه الإنسانية , في وقت يجد فيه فئات او طبقات أخرى تعيش حياة البذخ والراحة لأنها قريبة من المؤسسات الرسمية أو الحكومة.
وفي هذا الإطار عرَف جاك سيتري إنعدام الثقة علي أنها ( حالة من العداء تجاه القادة السياسيين والاجتماعيين ومؤسسات الحكم والنظام، والتي تعبر عن حالة من سخط الرأي العام تجاه النظام بسبب فشل الحكومة في “تلبية احتياجات أو تلبية توقعات المواطنين الأمر الذي يؤدي إلي تآكل الشرعية السياسية، كما أوضحت بعض الأدبيات أن غياب الثقة السياسية بين أعضاء العمل السياسي مؤشر علي تشبع النخبة الحاكمة بثقافة الاصطفاء السياسي ، ونفي الآخر واستبعاده , وهي التقييم السلبي للسياسات العامة من قبل المواطنين الذين يرون تناقضاً بين المأمول والواقع، حيث يثق المواطنون في الحكومة عندما يشعرون بأنها تعالج القضايا بكفاءة، ويفقدون الثقة فيها عندما يشعرون بأنها مسئولة عن الاتجاهات غير المرغوب فيها).
كما يرى في هذا السياق فرانسيس فوكوياما في كتابه “Trust “, الثقة: الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار والذي اعتمد فيه على نتائج دراسات أجريت عبر القرون على شعوب وأمم متنوعة: ( أن الثقة هي كلمة السر في انتقال المجتمعات من حال إلى حال وتطور الدول من وضعية إلى وضعية مغايرة، فالثقة لها أثرها الإيجابي في تحقيق النمو والازدهار في المجتمعات كما وتمثل قوة أساسية للثقافة في خلق مجتمع اقتصادي وسياسي متماسك ومتجانس فقدرة المجتمع على التعاون وتعزيز جوانب الثقة في ما بين أفراده من ناحية، والثقة في ما بين الفرد والحكومة تعزز الرخاء والازدهار في بلد ما , ويرى فوكوياما انه عندما تزدهر القيم، يتصرف الأفراد انطلاقا من أخلاقيات تعتبر أساسا لبناء الثقة بينهم، وتجعل التضامن هدفا في ذاته، بغض النظر عن المصالح الذاتية. ويؤدي غياب الثقة والتضامن إلى فقدان فرص التقدم الاقتصادي، بسبب ما يطلق عليه علماء الاجتماع: العجز في رأس المال الاجتماعي ).
عليه يمكننا وباختصار شديد ان نؤكد على أن الثقة السياسية بمختلف جوانبها وتوجهاتها سواء كانت الثقة بالحاكم او بالنظام السياسي ككل بدا بالدستور والقوانين, ومرورا بالمؤسسات والمسئولين وليس انتهاء بكل ما يتعلق بالمواطن في دولته هي اليوم وكانت بالأمس وستبقى من ابرز عوامل استمرار الأمن والاستقرار والطمأنينة في أي وطن, واهم ركائز التنمية والديمقراطية والوفاق بين أطراف الإنتاج والعمل الوطني في أي أمة وطنية, وكل ذلك بالطبع يدور في إطار تحقيق ما أطلقنا عليه بالدولة المطمئنة والوطن المستقر في زمن الإرهاب العابر للحدود الوطنية , والفوضى الهدامة والاضطرابات والصراعات وفقدان المناعة الوطنية ضد كل أشكال الاختراقات الخارجية , وما من بد أبدا لأي نظام سياسي مستنير وحكومة واعية من وضع الثقة السياسية على قمة الأولويات التي تصب في إطار بناء الدولة الآمنة المستقرة المطمئنة.

إلى الأعلى