الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : ليست كلّ الأزهار ثمارا ..!!

بداية سطر : ليست كلّ الأزهار ثمارا ..!!

حين يتفشى الغلاء الفاحش في الأسواق فاعلم بأن القناعة قد فارقت أهلها فخرجت من ديارنا بائسة يائسة ، أليس كذلك ونطالع يوميا في المحلات التجارية تداول مفهوم التخفيضات الوهمية والتي تصل الى خمسين بالمائة بل يزيد عن ذلك مع تزيينها وإظهارها بثوب يفوح أريجه ، فيشتد حنين المستهلك لزيارة تلك المحال، إلا أنك تتفاجأ بأنّ السعر غير اعتيادي، حقيبة عادية يصل سعرها أكثر من مائة ريال زيّنت في أنظار المستهلكين، وحذاء تكلفة إنتاجه لا تصل الى عشرة ريالات يباع بأكثر من مائة ريال، فضول يدفعني لاكتشاف نوايا بعض التجار أثناء موسم التخفيضات وهم يصرون على أنّ أسعارهم حقيقية وليست من نسج الخيال، فليتأمل المتأملون تلك الاسعار الباهضة التي وضعت في تلك السلع التي لم تبلغ قيمة إنتاجها ربع ثمن المنتج، من يقتني تلك المنتجات التي وصفت لنا وصف الزهور بصفائها ونقائها؟! أغلبنا ممتعض من الوضع المادي القائم..!! من يقتني حقيبة ملابس صغيرة تتجاوز المائة ريال بعد التخفيض على حدّ زعم البائع الذي يسمعنا في كل زيارة بأنّ ذلك المنتج هو ماركة عالمية وأنّ المستهلك لن يجده في أي مكان ..
هل ذلك انعكاس لضعف ثقافة الاستهلاك في أوساط بعض المستهلكين..؟ وهل أدل على ذلك من أنّ بعض التجار يخبرني بأن بعض المستهلكين لا يقبل في بضاعة لا يتجاوز سعرها المائة ريال في تناقض غريب وأن بعضهم يقتني بعض المواد الصحية بأسوام خيالية للتجريب فحسب، وإن لم تعجبه يقوم بتكسيرها وشراء الأخرى، كما أذكر ذات يوم أن أحد تلامذتي زارني المكتب لغرض في نفسه وبدأ ينسج لي من القصص التي لم أستوعب أنها من نسج الواقع وبأن كثيراً من المستهلكين اليوم يتبارزون في شراء الاحذية التي يصل سعرها فوق المائة ريال نزولا عند رغباته بما لذ وطاب من الماركات، وقناعة في أن التاجر ذو مصداقية عالية في البيع والشراء وحاشاه من أن يجلب بضاعة ليست ذات جودة، كما أنه يحفظ ماركاتها وأسعارها والبائعين اللامعين بأسمائهم وأسماء أجدادهم، وأن بعض التجار يذهب لترويجها داخل مكاتب البارجوازيين من المعالي والسعادة فيحجز له ولأبنائه أحذية ربما نجملها بسعر يتجاوز الالف ريال لأقل من أربعة أحذية، خصوصا في موسم يدعون انه موسم التخفيضات. فأصر تلميذي المبجل بأنه ينبغي عليّ ارتداء فخامة الاحذية كسائر تلك الطبقات ، وعلي ان أستغل موسم التخفيضات مندهشا من قوله حذاء يباع ما قبل التخفيضات بمائتا ريال اليس بمقدورك شراؤه بنصف السوم في موسم التخفيضات..!! مع تعجبه من وضع حذائي الذي لا يتجاوز العشرين ريالا، كل ذلك ينم عن ثقافة التنافس في الشراء، مع تغييب ثقافة الاعتدال وثقتة المطلقة بمواسم التنزيلات..!! كما أنّ ذلك ضرب من الجهل وتعسف في الثقافة الشرائية حين بدأ بعض الآباء غرسه في أبنائهم فيدعونهم إلى التفاخر بالملبس والمشرب والمأكل، مع استغلال هذه المواسم السيكولوجية فحسب..!!كما أخبرني بأنّ البعض ينتظر بشغف ما سيأتي به التاجر الفلاني من حذاء جديد قبيل العيد القادم كما أنّ البعض قد دفع عربون الحذاء المبالغ في سعره دون مبالاة أو شعور بذلك، كل ذلك من أجل التنافس ليقال أن ابن فلان يرتدي حذاء لا تقل قيمته عن مائتا ريال وكما أن للحذاء قصص فإن كذلك للدشداشة في مواسم التنزيلات قصص أخرى أشد ضراوة ليست أقل بذخا من رفيقتها الحذاء فأصبحنا نتمادى في دفع أموال طائلة على الدشداشة بمسمياتها حين يستعرض التاجر بيع دشاشة واحدة مع حصول المستهلك على دشداشة اخرى مجانا حتى بلغ سعر بعض الدشاديش أكثر من خمسين ريالا بعد أن كانت الدشداشة لا يتجاوز سومها العشرة ريالات والسر في تلك الخلطة العجيبة من التخفيضات السحرية تخصيص التاجر لمجموعة من الأقمشة البالية وغير ذات الجودة في ذلك العرض فقط. وليس ذلك فحسب بل بات البعض اليوم ينتقد بشدة ما يرتدي الآخرون من دشداشة بسيطة فيظنونه ممسكا، فيتهم بالبخل في الجلسات وهم يتباهون بالملبس الغليظ اللامع في أوساط المجالس ونسو بانهم اشتروة بثمن يفوق قيمة انتاجه بضعف اضعاف تعلة حصولهم على القماش المجاني الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، نعم كل ذلك يحدث في بعض اوساط أسواقنا التجارية بحجة فلسفة سرية وخلطة عجيبة يصطلح بتسميتها اليوم فيما بيننا بالتخفيضات الموسمية وليس ذلك فحسب بل يبحثون عن متخصص في صياغة الاعلانات الجاذبة للزبائن والتي تلخص الموقف في مفردات ساحرة وجاذبة وهي في حقيقة امرها خدعة وهمية تروج لمكسب من المال فحسب.
متى سندرك بأن كثيرا من التخفيضات الحاصلة اليوم في عالم التجارة ما هي إلا تمويه ومراوغه فاستبطاء الرزق يدفع بعض التجار إلى اقتراف المعصية، فلا يبالون ما اخذو أمن الحرام أم من الحلال..؟ إلى جانب الحلف بالله تعالى بجودة المنتج وتميزه وانفراده وغير ذلك من المصطلحات التي نسمعها كل يوم في كثير من المحال ونسينا بان اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب كل ذلك يكثر في زماننا بحجة الكسب والبحث عن المال والمجد فهل يحق لنا الوصف بأنه ليست كل الأزهار ثمار..!!.

د. خلفان بن محمد المبسلي
dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى