الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن..الابتكار رافعة التنمية والتقدم

رأي الوطن..الابتكار رافعة التنمية والتقدم

تعد الحاجة إلى البحث العلمي من الحاجات الملحة في الحياة المعاصرة، حيث دخل العالم وتحديدًا القوى الكبرى والصناعية المتقدمة في منافسة محمومة، يدفعها إلى ذلك هاجس التفوق والتقدم والسيطرة، والتغلب على مشاكلها الداخلية، وباتت الرغبة في الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعرفة والعلوم عاملًا موجِّهًا ودافعًا قويًّا، باعتبارها المدخل السليم إلى التنمية وعمليات الإنتاج، وتحقيق الرفاهية للشعوب، وضمان تفوقها وتقدمها على نظيراتها. فالبحث العلمي هو المجال الحيوي الذي في مناخه ستتحرك عجلة العلم، وستثرى العقول، وتستغل وتوظف التوظيف الصحيح، ما جعل الدول توليه الكثير من الاهتمام، وسخرت إمكانات كبيرة وكل ما يحتاجه من متطلبات سواء كانت مادية أو معنوية.
السلطنة بدورها أدركت أهمية البحث العلمي وأنه القاعدة الأساسية للتنمية والتطور، وفي المعرفة الإنسانية في كافة مجالاتها، وأن الضامن لتحقيق هذا الطموح هو القدرات الفكرية والذهنية والعقلية والعلمية والسلوكية المخزونة في الإنسان؛ لذلك اتجهت إلى بناء هذا الإنسان وإيلائه الاهتمام والرعاية، وتسخير ما بين يديها من موارد متاحة، مُعِدَّةً ذلك تحديًا تخوض غماره، والفوز فيه إنما يتحقق في وجود قاعدة بشرية مؤهلة ومدربة ومتعلمة، لها من القدرة الإبداعية والابتكار وربط النظري بالعملي.
وإعلان كل من صندوق الاحتياطي العام للدولة وشركة النفط العُمانية ش.م.ع.م بالشراكة مع مجلس البحث العلمي والشركة العُمانية للاتصالات (عُمانتل) أمس عن تأسيس أول شركة استثمارية لتمويل المشاريع المبتكرة، تحت مُسمّى الشركة العُمانية لتطوير الابتكار القابضة ش.م.ع.م (ابتكار عمان) برأس مال أولي يبلغ 50 مليون ريال عُماني، يعد خطوة متقدمة نحو اقتصاد المعرفة والاستثمار في المشاريع الخلاقة التي يتم ابتكارها في السلطنة، بالإضافة إلى تلك المشاريع المبتكرة عالميًّا التي تخدم اقتصاد السلطنة، وتعود بالنفع عليه من خلال نقل وتوطين المعرفة للسلطنة وبما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني بشكل عام، ذلك أن هذه الشركة هي بمثابة الحاضنة العلمية أو ـ إن جاز التعبير ـ بمثابة الأسرة التي تتولى رعاية أبنائها وخاصة المبدعين والمجيدين وكفالة تمويلهم وتقديم ما يلزمهم من دعم، وكذلك حرصها على بلوغهم أعلى المراتب وحصدهم أولى المراكز.
إن التطور العلمي والتقني على مستوى العالم يجعل الارتكان إلى مستوى معين من التعليم أمرًا مستحيلًا؛ ولذلك كان لا بد من ملاحقة ركب الابتكار والاختراع الذي تقوده العديد من دول العالم، والاستفادة من الإمكانات المتاحة من قبل الحكومة والمحفزة على ذلك والموجدة للبيئة العلمية، وهو جهد يستمد تطوره واندفاعه أيضًا من خلال التنسيق مع خبرات الآخرين والمؤسسات العلمية المعنية بالبحث العلمي كمجلس البحث العلمي، في عمل تكاملي وتعاوني يصب في خدمة المجتمع وقطاع التعليم والبحث على وجه الخصوص. ومثلما يعكس تأسيس شركة «ابتكار عمان» من قبل المؤسسات السابق ذكرها نجاح الشراكة متى ما توافرت الإرادة، يعكس أيضًا إمكانية رؤية شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وإمساك القطاع الخاص بناصية تبني العقول وأصحاب الأفكار الخلاقة والابتكارات والإبداعات في مقاعد دراستهم، حيث تضم المدارس والجامعات والكليات والمعاهد بين جنباتها عقولًا مبدعة ومبتكرة بحاجة إلى من يفتش عنها، ويحتضنها ويتبناها ويقدمها إلى المجتمع المحلي وإلى العالمية، وليس أدل على ذلك من تلك البحوث والمشاريع الطلابية التي حازت مؤخرًا المركز الأول على مستوى العالم، وإذا ما انخرط القطاع الخاص نحو ذلك بإقامة مصانع ومعامل بكل مشروع خلاق وابتكار حاز براءة اختراع، فإنه بذلك لا يخدم ذاته فحسب وإنما يحقق مصلحة وطنية مشتركة، ويخدم الاقتصاد الوطني. ومن ينظر إلى الشركات العالمية الكبرى كيف بدأت وكيف وصلت الى مركزها الحالي، سيجد أن تبنيها العقول وأصحاب المشاريع والابتكارات وتنميتها وتأهيلها لحصد شهادات اختراع أحد الأسباب الحقيقية في نجاحها ليس على مستوى دولها وإنما على مستوى العالم، فشتان بين إنفاق من أجل رعاية مشاريع وابتكارات ناجحة وذات عائد وجدوى اقتصادية وبين إنفاق من أجل اقتناء منتجات الابتكارات والمشاريع الناجحة، وبالتالي تمثل شركة «ابتكار عمان» فرصة مناسبة للشركات المهتمة من القطاع الخاص، حيث إن لدى الشركة شروطًا صارمة، فلن يتم تمويل المشاريع بإعطاء قروض أو أي من أدوات الدين، ولن يتم تمويل مشاريع دون حقوق الملكية الفكرية والتي تخلو من الابتكار، كما لن يتم تمويل المشاريع البحثية التي لا تتضمن خطة لتحويل السلعة أو الخدمة لمنتج تجاري، بينما سيتم الدخول في ابتكارات عالمية بهدف توطينها في السلطنة.
إن إنشاء هذه الشركة خطوة في الاتجاه الصح ونقلة نوعية في دعم المبدعين والمبتكرين من الشباب العماني الطموح الراغبين في إنجاز أفكارهم المبتكرة والخروج إلى السوق والمساهمة بعائد مالي واجتماعي على المبتكر بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. كما أن وجود الشركة من شأنه أن يقطع الطريق على الدول والشركات العالمية نحو تهجير العقول والابتكارات، وحرمان بلادنا من براءات اختراع وعائدات اقتصادية، ويمنع شبابنا المبدع من حالة التذمر والرغبة في الهجرة أو البحث عن حاضن لمشاريعهم وابتكاراتهم. فالشركة ستسهم في تطوير العلاقة بين مخرجات البحث العلمي والابتكار وبين القطاع الصناعي، وتضع السلطنة على خريطة الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار.

إلى الأعلى