الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : المارينز في عدن لمحاربة القاعدة أم لتقسيم اليمن؟

شراع : المارينز في عدن لمحاربة القاعدة أم لتقسيم اليمن؟

خميس التوبي

على وقع سير المفاوضات بين الأطراف اليمنية التي تستضيفها دولة الكويت، ومراوحتها مكانها، تواصل قوات المارينز انتشارها في مدينة عدن في جنوب الجمهورية اليمنية، حيث اتخذت من قاعدة العند مكانًا لتموضعها مع الاستعداد لإقامة قواعد أميركية أخرى.
العنوان العريض الذي به أعطت الولايات المتحدة الضوء لقواتها للانتشار في ربوع اليمن هو محاربة تنظيم القاعدة الإرهابي، ولوضع حد للتدخل الإيراني في الشأن اليمني. ولكن عند النظر إلى هذا العنوان نجد أنه لا يمكن وصفه إلا بأنه ذريعة هي أقرب إلى استغباء السذج من العرب، وعوام الناس البسطاء، ذلك أن التذرع الأميركي بمحاربة القاعدة فيه مغالطات كثيرة عند إخضاعه أمام الوقائع التي تحولت مع الفعل والنتيجة منذ تبلور العلاقة بين العمل الاستخباري والعسكري الأميركي والفعل الإرهابي الإجرامي للقاعدة ومتفرعاتها إلى حقائق ثابتة من بينها الاقتران المتلازم بين الوجودين الأميركي والإرهابي، حيث أصبح علامة بارزة وفهمًا عامًّا أن أحد هذين الوجودين قد يسبق الآخر لتقديم الذريعة والبناء عليها ولضبط بوصلة الأهداف الاستراتيجية المراد تحقيقها.
كان الاعتقاد السائد أن الولايات المتحدة تحزم أمتعتها استعدادًا للرحيل من المنطقة نحو الصين والبحر الأصفر والبلطيق لمحاصرة كل من العملاقين الصاعدين الصين وروسيا، إلا أن معطيات سير الأحداث في المنطقة تخذل أصحاب هذا الاعتقاد، بدليل أن “الحريق العربي” لم تشتعل نيرانه بمحض المصادفة في العام 2011م، وإنما سبقته عقود من إعداد الخطط والاستعداد لها ورسم سيناريوهاتها، وما حصل خلال السنوات الخمس الماضية ـ ومرشح للاستمرار لخمس أخرى ـ يعطي مؤشرات ودلالات مغايرة تمامًا للاعتقاد، حيث النشاط السياسي والعسكري الهائل للولايات المتحدة وحلفائها وذيولها في المنطقة يعكس الرغبة الجادة في إعادة رسم خريطة المنطقة بما يجعلها عبارة عن مستعمرة صهيو ـ أميركية ـ غربية، لا قرار ولا هوية ولا مقدرات ولا ثروات لشعوبها.
ولذلك من يتتبع خريطة سير تنفيذ الخطط والمعارك سيجد أنها مركزة على الدول العربية التي تقف موقفًا مشرفًا من القضايا العربية القومية وبخاصة القضية الفلسطينية، وترفض سياسات الاستعمار والاستحمار والاستعباد والهيمنة والتبعية والخضوع للإرادة الصهيو ـ أميركية، ويأتي في مقدمة هذه الدول العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، لكونها تمثل العقبة أمام إنجاز المخطط. ومن ينظر أيضًا إلى طبيعة الأدوات والاستهدافات الموجَّهة ضد هذه الدول يقف على الازدواجية بين العملين الإرهابي والعسكري ومن ورائهما السياسي لتوفير الغطاء الشرعي اللازم، كما ويدرك أول وهلة حجم العلاقة القائمة بين شبكة القاعدة الإرهابية وبقية التنظيمات الخارجة من رحمها والتي تعددت مسمياتها، ويأتي في مقدمتها “داعش والنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وجيش الفتح ونور الدين زنكي والسلطان ابراهيم” وغيرها والتي تناهز الثلاثمئة تنظيم إرهابي، ما يعني أن الإرهاب صناعة أميركية بحتة عاونت فيها آيديولوجيات وأنظمة بالمنطقة، وأنه بذلك تجاوز صفة الذريعة إلى التأكيد على أنه عمود فقري في عملية الهيمنة والاستعمار الصهيو ـ أميركية.
ما يجري في المنطقة على وقع انتشار رقعة حرائق “الحريق العربي” هو الاستثمار في إرهاب القاعدة ومتفرعاته وتمكينه ودعمه ليتوحش وليوجد له قواعد بما يسمح فيما بعد بإقامة قواعد عسكرية أميركية مناظرة له ليس لمحاربته، وإنما لإدارته ورعايته وفق ما تفرضه قواعد اللعبة وتتطلبه ضرورات تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وليست هناك لعبة أشد وجعًا على قلب المنطقة وأكثر إلحاحًا لدى الصهيو ـ أميركي من تمزيقها وسفك دماء شعوبها وطمس حدودها القائمة التي رسمتها اتفاقية سايكس ـ بيكو وإعادة تركيبها.
اليوم يدخل اليمن عمق “الحريق العربي” بدخول قوات المارينز الأميركية وإقامة قواعد عسكرية جديدة في عموم اليمن تستكمل الملحقات الإضافية الجديدة المدخلة على اتفاقية كامب ديفيد ومعطياتها الأخيرة، بالسيطرة على المعابر المائية والمضائق والخلجان لتأمين إمدادات النفط والغاز باتجاه أوروبا المنوي بها ضرب الاقتصاد الروسي بتخفيض اعتماد القارة العجوز على الغاز الروسي من حوالي نسبة 70% إلى أدنى مستوياتها، إلى جانب أن خرائط التقسيم الجديدة والمعدة في دهاليز الاستخبارات الأميركية والصهيونية والغربية تنص على إعادة تقسيم اليمن كما كان قبل الوحدة، لكنه هذه المرة على أساس طائفي وعرقي، بحيث يتركز في شماله الحوثيون (كطائفة شيعية) ومن معهم، ويتركز السنة في جنوبه؛ ولذلك عملية تصفية الجنوب ونقل المواطنين اليمنيين إلى الشمال بحجة عدم حملهم هوية الجنوب، هو إحدى مقدمات لتقسيم اليمن ولضمان عدم الحاجة إلى توابيت تحمل عليها جثث المارينز الذين ـ كما يبدو ـ أنهم يحظون بمباركة من أهل الجنوب و”الحكومة الشرعية” اليمنية.
إذن يمكن القول بأن اليمن أصبح قاعدة ثالثة في خطط الصهيو ـ أميركي بعد العراق الذي ازداد عدد القواعد العسكرية الأميركية في غربه ووسطه وشماله، وسوريا التي في شمالها حيث قامت ما يسمى بـ”قوات سوريا الديمقراطية” بتسهيل قيام واشنطن إقامة قاعدتين جويتين في رميلان بالحسكة والثانية في مدينة عين العرب اللتين ستعملان جنبًا إلى جنب مع قاعدة إنجرليك التركية والقواعد المقامة على الأراضي العراقية، هذا طبعًا بالإضافة إلى القواعد الأميركية في الخليج العربي، وبالتالي لا تكون الدول العربية المستهدفة تحت مرمى هذه القواعد فحسب، وإنما المنطقة غدت حقًّا مستعمرة صهيو ـ أميركية.
إن التحرك العسكري الأميركي الداعم للإرهاب في المنطقة يؤكد اليوم الدراسة التي أعدها الجنرال الأميركي المتقاعد رالف بيترز لإعادة رسم خريطة المنطقة على أساس طائفي وعرقي والتي نشرت في مجلة أرمد فورسيس (القوات المسلحة الأميركية) بتاريخ يونيو 2006م، حيث يزعم بيتزر في دراسته أن الحدود التي تفصل بين الدول في العالم ليست عادلة, لكن الحدود الأكثر ظلمًا ـ في العالم في نظر بيترزـ هي تلك التي تشكل الدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط والتي رسمها تشرشل. ومن خلال إثارة بيترز لمشكلة الأقليات في المنطقة؛ والتي عانت في اعتباره من التقسيم الفرنسي ــ البريطاني السابق؛ ينتقل بيترز ليصوغ الحل المناسب لها؛ ويقوم هذا الحل على إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط؛ على أساس عرقي ديني عن طريق إثارة نعرات طائفية دينية في سكان المنطقة بحيث تكون رغبة التقسيم نابعة منهم بدعم وتشجيع وتمويل أميركي، فيما يسمى بـ”حدود الدم”. ما يدعو كل عاقل وكل مغرر به إلى التأمل والتوقف قليلًا عند ذلك وما يحدث ليتبين كم الدماء التي سفكت وستسفك لإنجاز هذا المخطط.

إلى الأعلى