الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 6 )

على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 6 )

ينظرني الحرم الإبراهيمي..
تسكنني الرهبة من القرب منه..
وتغشاني السكينة، وأنا أصعد السلم الواصل إليه، أمرر كفي على جداره، تتدحرج اصابعي في حجارة بنيانه المرصوص.. أتوقف برهة، أنظر إلى الخلف، أرى الرفاق يصعدون الدرج والبهجة تملؤهم، وخلفهم أرى جنود الاحتلال وهم يمارسون عملهم المعتاد على بوابته.. تفتيش واستجواب، ورفض دخول هذا والسماح لذاك..
تنفتح أمامي بوابة الحرم الإبراهيمي الشريف، أدخل الصرح، أشتم أنفاسه، وأمتليء بعبقه، وأبدأ التجوال في أروقته، والسكينة تغشاني، أنا الذي رأيت القلب يسجد في محرابه، وسمعت ابتهالات الروح، ومناجاتها تحت منبره، وسكنت جوارحي، وابتلت عيناي بالدموع، وجبهتي تلامس أرض المصلى..
أتشبث بسجادة الصلاة، أسمع مناجاتي، وودت لو ساحت دموعي أكثر، وأنا أرفع الأكف بالدعاء، ثم أقربها من وجهي، وأغطي عيني، ثم أنكس الرأس، وابحث عن الكلمات التي أتقرب بها، فأجدها تهرب مني، كشريدة فلت زمامها، أحاول أن أنطق بالتسبيح والاستغفار، أجد بصري يتقلب في المصلى، ويرتد إلي، ثم يعود إلى زاوية أخرى، وهكذا..
أنسى الرفاق الذين حولي.. أنسى الجندي الاسرائيلي الذي يرابط قرب بوابة الحرم، وأنسى بوابات حراسته، وبندقيته، وفورة غضبه، وأنسى.. أنسى كأني لم أكن شيئا مذكورا..
***
تاريخ المسجد الإبراهيمي، يشير إلى أنه يعتبر رابع أهم مسجد إسلامي بعد الحرم المكي الشريف والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، ويضم أضرحة الأنبياء، إبراهيم واسحاق ويعقوب عليهم السلام وزوجاتهم سارة ورفقة ولائقة وإيليا على التوالي عليهن السلام مدفونات فى مغارة (المكفيلا) التي يقوم عليها الحرم الشريف.
وتذكر بعض الروايات أن آدم ونوح ويوسف وسام مدفونون أيضا فى نفس المغارة، وقد بني المسجد على أساس مغارة تعود إلى قدم التاريخ، فقد بنى سيدنا سليمان عليه السلام سورا مستطيلا دون أن يجعل له بابا بقصد حفظ قبور الأنبياء، وبنى الرومان على هذه المغارة كنيسة، هدمت على يد الفرس بعد أقل من 100 عام.
في العصر الأموي تم بناء سقف وقباب للمسجد، وفي العصر العباسي تم فتح باب من الجهة الشرقية، أما الفاطميون ففرشوه بالسجاد، وفي فترة الحملات الصليبية، تحول الحرم إلى كنيسة ثانية عام 1172م، ولكنها عادت إلى جامع ـ بعد دخول صلاح الدين الأيوبي ـ بعد معركة حطين.
وللحرم الإبراهيمي حاليا ثلاثة مداخل الأول يقع في الجنوب الشرقي للمسجد وهو الباب الرئيسي، يسلك داخله طريقا فيه درج ثم ينعطف إلى اليسار مارا تحت قنطرة ثم يصعد سبع درجات، وكان له درج طويل يبتدئ من الركن الجنوبي الغربي للحصن بدرجات هي عبارة عن انصاف دوائر إلا أن هذا الدرج والباب الرئيسي نسفهما اليهود في 11 أكتوبر 1968م. والثاني يقع في الشمال الغربي، والثالث يقع قرب الميضأة الغربية قبل بداية درج الباب الثاني، وقد انشئ له حديثا سلم بارز متعرج للوصول إلى المدرسة المنسوبة للسلطان حسن وتم تحويل أحد شبابيكها إلى باب، وهذا يتنافى وروعة وضخامة البناء ولا يتناسب مع طراز المبنى من ناحية الفن المعماري الإسلامي، إلا أن هذا المدخل له أهميته خاصة عند ازدحام المصلين بعد الصلاة أيام الجمع، وتستخدمه النساء ايام الجمع أيضا.
وللمسجد مئذنتان قائمتان على السور الأولى من جهة الجنوب الشرقي، والثانية من جهة الشمال الغربي وهما مربعتا الشكل ترتفع كل واحدة منهما 15 مترا فوق السطح.
***
أسجد ثانية.. تغرورق عيوني بالدمع، يرتد لي الزمان الذي أبكاني في تلك اللحظة، أجدني بعيدا عن الرفاق الذين دخلوا معي المسجد، وأنسلخ من ذاتي، وأجدني مع جموع المصلين، نقف صفوفا متراصين كالبنيان، ذات فجر جمعة رمضان، أركع مع الراكعين، وأسجد معهم، أسمع صوت تسبيحهم وتحميدهم، جباهنا تعانق السجاد، وصوت الإمام يرتج في المصلى، الله أكبر، فتدوي في المكان، تزلزل القلوب وتقشعر لها الأبدان، ثم الله أكبر ثانية، وتعود جباهنا لتقبيل وجه الأرض، وكأنها لم تلتق منذ أمد بعيد..
أشعر بالدماء التي تنفر من أجساد المصلين، وهم سجود لله، وأرى أرواحهم وهي تحلق إلى باريها، وتلوذ برحمته، يضج المكان بالبكاء، على الركع السجود، ويبكي المحراب، والمنبر، وتبكي مقامات الأنبياء، وتضج المغارة الشريفة بالدمع.. وصوت الرصاص يخترق الأجساد، ثم أسمع الأمام يكبر.. فأكبر معه.
خمسون مصليا صعدت أرواحهم في لحظة غدر، قام بها مجرم حمل في صدره كل ظلام الحقد التوراتي، دخل على المصلين فجر يوم الجمعة 2 فبراير 1994م، فأفرغ فيهم رصاصات حقده وغدره.. قبل أن يرتد له الكيد ويسقط صريعا..
خمسون مصليا قضوا نحبهم، لم يكن لهم أي جرم، سوى أن قالوا ربنا الله، ودخلوا المسجد آمنين، لكن الاحتلال شيمته الخداع والغدر، فقد فتح الأبواب ليدخل من امتلأ قلبه بالحقد على الإسلام والمسلمين، فكانت المجزرة التي بكت لها السماء والأرض.
أعود للرفاق.. أجدهم في صلاتهم يتبتلون..
ربما كانوا مثلي في ذات الزمان الذي كنت أنا فيه..
مثلي هم يبكون، أرواح الشهداء التي صعدت من هذا المكان، ذات غدر.. دون أن يكون لهم رد الأمر..
أشعر أن الجندي الاسرائيلي الواقف في حراسة الحرم الإبراهيمي، والحراسة هنا ليست للحرم، وليست لنا، بل للمستعمرين واليهود الذين يدخلون المسجد، كما شاؤوا بعدما استباحوا حرماته، هؤلاء الذين يقدسون قبر مجرم قاتل، أكثر مما يقدسون قبور أنبيائهم، ويؤدون لضريحه التحية العسكرية.
تقول باقي الحكاية، إن المجرم غولدشتاين لم يرتكب وحده مجزرة الحرم الإبراهيمي، بل شاركه فيها جنود العصابات الصهيونية الذين أغلقوا باب المسجد حتى لا يتمكن المصلون من مغادرته ومنعوا كذلك سيارات الإسعاف الإقتراب من المنطقة، وحين حاول المواطنون نجدة المصلين قابلهم جنود يهود بإطلاق الرصاص الكثيف مما اوقع على الفور (29 شهيداً) وعشرات الجرحى.
يا أيها المتفرَّجون ! تناثروا في الصمت
وابتعدوا قليلاً عنه كي تجدوهُ فيكم
حنطةً ويدين عاريتين
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيَّتَهُ
على الموتى إذا ماتوا
وكي يرمي ملامحَهُ
على الأحياء إن عاشوا ..!.
***
بعد الصلاة يتناثر الرفاق حول معالم المسجد وقبابه..
يقرأون عن التاريخ المدسوس خلف كل معلم، وناصية… يستمعون إلى شرح عن المنبر الفاطمي، وعن مقام إبراهيم الخليل الذي استحوذ الإسرائيليون عليه من الجانب الأيمن ، وأبقوا شرفتين للمسلمين ليروا المقام ويقرأوا الفاتحة عنده، وعن القباب المبنية على الأضرحة، وعن الغار الشريف الذي يحوي بداخله قبور الكثير من أنبياء الله..
يخبرنا مرافقنا عن صلاح الدين الأيوبي، الذي أعاد للمسجد مكانته، بعدما تحول إلى كنيسة، وعن نقله للمنبر الفاطمي إلى مكانه الحالي، وعن تماثل هذا المنبر مع منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى، كنا نصعد الواحد تلو الآخر درجات المنبر، ونقف بشموخ وكبرياء، رغم انكسار الذات، ووهن الجسم من هول الأحداث المحيطة حولنا..
لا يمكن أن تمتليء بالعزة، وأنت تشاهد جنود الاحتلال يدنسون المسجد، ويعيثون فيه الفساد.. ولا يمكن يسكن قلبك، وأنت ترى استباحة المجندات الإسرائيليات لحرمات المسجد، ومصلياته الطاهرة، وهن يدسن بأقدامهن على سجادة الصلاة، ويتقاسمن الرذيلة في محرابه، وبين مقامات الأنبياء الكرام..
نكسنا رؤوسنا منذ اللحظة التي وقفنا فيها على البوابات الحديدية، نرتجي الدخول من الجندي الإسرائيلي، ونمتثل للأوامر التي يحكمنا بها..
راح الحرم الإبراهيمي الشريف..
وانتهكت حرماته…
ودنست المقدسات..
نخرج من الحرم الإبراهيمي كما دخلناه أول مرة.. كان الجنود يبدلون في تلك اللحظة مناوبة حراستهم، وكنا نعيد تمثيل مشهد الدخول عبر البوابات الحديدية، بعدما طلب منا محمد عطية المصور الذي رافقنا في هذه الزيارة، تصويرنا على انفراد.. وتوثيق هذه اللحظة الفاصلة.
نخرج من ساحة المسجد، ونعبر إلى سوق الحرم، نتجمع عند بائع التذكارات الفضية، يغرينا بالشراء، ويبسط أمامنا معروضاته من الهدايا التذكارية التي ترسم صورة الحرم الإبراهيمي، ومعالم الخليل والبلدة القديمة، نشتري بعض التذكارات.
أحد الباعة يكرمنا بعصير الرمان، دون أن نطلب منه ذلك، يقول لنا إنها ضيافة مقدمنا إلى الخليل، والصلاة في الحرم الإبراهيمي، نحاول أن نقدم له بعض المال، فيرفض، لكننا نلح عليه، فيأخذ اليسير، وهو يشكر لنا مقدمنا عليهم، وزيارتنا لهم..
فوق السوق مباشرة، كانت تسكن مستعمرة “أفراهام أفينو”، وهي من المستعمرات الكبيرة في مدينة الخليل، بنيت حول موقع الحي اليهودي القديم وحول الكنيس الأساسى بالخليل، فى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت الشباك السلكية الممتدة على طول الطريق الواصل بين السوق، تثير استغرابنا، لولا أن أخبرنا أحد الباعة هناك، أنهم وضعوها بعدما ضاقوا ذرعا بمضايقات المستعمرين اليهود، الذين يقومون برمي قاذوراتهم على رؤوس الفلسطينيين ومحلاتهم.. وقد تم وضع هذه الشباك لمنع وصولها إليهم.
وفي استفزاز آخر، لا يتوانى المستعمرون وبمساندة من جنود الاحتلال في إغلاق طرقات السوق، ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها، بل وصل بهم إلى مصادرة الكثير من المحلات والمتاجر بحجة حفظ “الأمن العام”..
حدثنا الباعة ومن التقينا بهم في السوق عن حياتهم المأساوية التي يعيشونها يوميا، فمحلات سوق الإسكافة مغلقة بالكامل، نتيجة عدم وجود متسوقين لضعف الحالة الاقتصادية لسكان البلدة القديمة وقلة الزائرين الأجانب والسياح بسبب الخوف من الوضع الأمني في البلدة، بجانب انتهاكات المستعمرين لمحلاتهم بصورة يومية، وحظر التجول المتواصل الذى يفرضه جنود الاحتلال.
يحكي باعة سوق الحرم، وأهالي الخليل من سكان البلدة القديمة، ومن الذين يرتادون الحرم الإبراهيمي للصلاة، أو الذين يقطنون قريبا من المستعمرات اليهودية، عن حكايا كثيرة من الاستفزاز والمضايقة، والإعتداء على الحريات ومصادرة الممتلكات، دون أن يحرك الضمير من حولهم ساكنا..
وليس أصعب علينا من أن يحدثنا فتى لم يبلغ الرابعة عشرة عن حكايته مع السجن، وعودته المتكررة إليه، كونه “مسجل خطر” لدى قوات الاحتلال، ويخبرنا بألم عن حكاية عائلته التي فرقها الموت، بين السجون والشتات، كان الفتى يحكي ونحن نستمع إليه، وأرى عاصم الشيدي وقد ظفر بمادة صحفية ثرية، يسأل ويسجل إجابات الفتى.
خارج السوق، وقد بانت دروب الخليل وبعض معالمها، كان جنود الاحتلال يقفون على سطح أحد المباني، أخبرنا الفتى الفلسطيني، أن المبنى في الأصل هو مدرسة أسامة ابن منقذ للبنين، أقامها الأردنيون عام 1948م، وقد قام جنود الاحتلال بالاستيلاء عليها وتحويلها إلى معبد ديني، ضمن المستعمرة التي أقامها في هذا المكان، والمعروفة باسم “بيت رومانو”، يقطنها 400 من أشد المستعمرين فى مدينة الخليل تطرفا، يؤمنهم 2000 من جنود جيش الاحتلال..
يخبرنا الفتى الصغير: إن مستعمرة بيت رومانو عندما أقيمت كان لها تبعات خطيرة، من ضمنها إغلاق عدة شوارع أبرزها شارع الشهداء والسوق القديم وتهجير مئات المواطنين واحلال المستعمرين مكانهم.
لكنه يعود للحديث عن نفسه، وهو الذي جرب سجون الاحتلال مرات عدة، يقول لنا بإباءة وشموخ: إننا شعب لن ينكسر!.
إنا هنا باقون
فلتشربوا البحرا
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار, كالخمير في العجين
برودة الجليد في أعصابنا
وفي قلوبنا جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصر الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا .. ولا نرحل
وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل
هنا .. لنا ماض .. وحاضر .. ومستقبل.
***
كانت حبيبات البرتقال واليوسفي التي اشتراها كل من حمود الطوقي والوضاح المعولي، رفيقنا الذي حملناه من سوق الخليل.. في الحافلة قدم حمود لنا حبات البرتقال على سبيل تجربة منتجات الخليل، وكذلك فعل الوضاح، قالا إنهما سيحملان هذه الفاكهة معهما إلى الفندق في رام الله، ولكننا في منتصف الطريق كنا قد قضينا عليها، ولم يتبق في الأكياس غير قشورها.
تعرف الخليل منذ القدم بأنها مدينة تحيط بها الأراضي الزراعية من كل جانب، واشتهرت في زراعة العنب والتين واللوز والمشمش والزيتون والحبوب، والزراعة هي من أهم الحرف التي يمارسها السكان هناك تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا..
في مكتب محافظ الخليل الذي استضافنا بعد انتهاء جولتنا، كانت عناقيد العنب، من أجمل ما حملته مائدة الغداء، بجانب الأكلات الشعبية التي استمتعنا بمذاقها..
ومن على شرفة تطل على المدينة، من مكتب المحافظ، أطللت على المدينة، وهذه المرة كنت قد عرفت اتجاه الحرم الإبراهيمي، وعرفت البلدة القديمة، وعرفت سوق الحرم، والأهم أنني عرفت صمود شعب، وكفاحه من أجل البقاء على أرضه، مهما كلف الثمن..
تراءت لي في تلك اللحظة صورة الفتى الفلسطيني، وحديثه عن الإجرام الصهيوني الذي مارسه الاحتلال بحقه، وابتسامته التي ودعنا بها، تراءى لي وجه الخليل الباسم، رغم الألم، ووجه الحرم الإبراهيمي وهو يمسح الدمع عن مآقيه، ويواصل الصمود..
يا جذرنا الحي تشبث
واضربي في القاع يا أصول
أفضل أن يراجع المضطهد الحساب
من قبل أن ينفتل الدولاب
لكل فعل رد فعل:ـ … اقرأوا
ما جاء في الكتاب.

للحكاية بقية

خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى