الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : ” ارجعي يا بيروت ترجع الأيام ” !

باختصار : ” ارجعي يا بيروت ترجع الأيام ” !

زهير ماجد

كانت بيروت تخرج من حربها الطويلة يوم طرق بابها المال واقتحمها وسجل حضورا كان يصعب مواجهته نظرا لحاجتها إليه .. لكن المعلوم والمعروف أن من يدفع المال يمسك بالقرار، فكيف وحال تلك العاصمة المزرية الفقيرة المدمرة الخارجة من معارك الشوارع والزواريب .. ثم كيف تقاوم إغراء هي بحاجة إليه، لعله جاءها معرفة بحالها وبأناسها، ولا فرق من يكون وسيكون لأن المهم في تلك الأوقات كيف ننقذ المدينة وكيف نعيدها إلى بهائها، وكيف نخلصها من أصوات المدافع التي هدرت طويلا في أجوائها وعلى أرضها، ومن الرصاص الذي ثقب العشرات بل المئات وربما الالوف من عماراتها.
لم ينتبه أحد في غمرة هطول المال بالمظلة واجتياح الدعايات العقول المتعبة، إلى كارثة ستقع، بل وقعت بعدها، حين وضع المال اليد على أجمل مناطق بيروت، وربما أسواق العرب وساحاتهم، وأعني ساحة الشهداء وملحقاتها من أسواق ذات قيمة تاريخية، فتم تهديمها في غفلة عين وقضي بذلك على روح العاصمة، على أجملها وأزهاها وأكثرها تأثيرا في النفوس وأغلاها قيمة معنوية لما لها من معنى عند اللبنانيين وخصوصا بعض الأجيال التي عاشتها .. وعلى حد تعبير أحد المتضررين مما صار، أنه كان بالامكان ترميم المخرب او المدمر جزئيا وإعادة إعمار ما تهدم كليا وهو قليل جدا.
قبض المال على الروح فلا هو تنفس وفاء للمدينة المسكينة الرائعة، ولا هي قبلت بما جرى لها، فتحول المكان من حضور متأجج الى صورة ميتة، ومن عنوان لمدينة حاضرة بقوة في ذاتيتها، الى فراغ روحي تصبح كل أشكاله القائمة بلا مقاييس إنسانية.
اليوم بيروت بلا روح، باردة يفتش فيها المرء عن مكان يسترجع فيه قوة الحنين فلا يحده. صارت المدينة مجرد شوارع ، لاحميمية ولا جمالا مدنيا ، صارت بلا عنوان سوى أنها عاصمة لبلد اشتراه المال وضيعه ..
في موسم الاستحقاق البلدي قبل أيام قليلة، يبدو أن المال آخذ في التبخر، وأن ثمة صحوة للناس بمثابة وعي متأخر. فبيروت عاصمة جمال عبد الناصر ومتنفس العروبة وحاضرة المقاومة، والحاضرة في الثقافة والفن وفي السياسة الملتهبة، عادت اليها شجاعتها لتقول بالأمس أنها تتغير، أي تريد أن تعود الى عهدها، وأن شبابها يتغير أيضا، وعالمه لم يعد يتجانس مع سنوات ضاعت ، لكنها ربما كانت حدثا في وقتها، أما الآن فلا سبيل إلا أن تعود بيروت إلى بيروت وكما تقول فيروز والرحابنة ” ارجعي يا بيروت ترجع الأيام “.
المال إذن لاتدوم مؤثراته، وما تبقى يعيش ويزدهر، أعطونا اسماء أصحاب أموال عمروا في التاريخ ، مقابل أصحاب أفكار وثقافة وقيم انسانية مازلنا نتداولهم الى اليوم، وغدا وبعده.
تقول بيروت كلمة حق، تخرج عن صمت كاد يقتلها بعدما غيبها حقيقة وجودها وعن معنى في تاريخها اتخذته متراسا عروبيا عملوا على تبديله لكنه يعود في صورة الحقيقة التي من أجلها عاشت هذه العاصمة وقدمت خيرة شبابها في الدفاع عنها.
تحية لبيروت التي نطقت بأول سطر في التغيير وستنطق أكثر في رحلتها الواثقة من عودتها إلى نفسها.

إلى الأعلى