الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نجاح .. قصة (نجاح) ونموذج يحتذى

نجاح .. قصة (نجاح) ونموذج يحتذى

السيد عبد العليم

” كانت رغبة نجاح عندما تم ابتعاثها إلى إحدى الجامعات في الولايات المتحدة تتمثل في دراسة الهندسة المعمارية. ومع كل التقدير لهذا التخصص، إلا أن هناك أعدادا هائلة فيه وأن التحاقها به ربما لم يكن ليضيف الكثير. ومن ثم شاءت إرادة الله سبحانه أن تتعثر في دراسة هذا التخصص بشكل أملى عليها من قبل إدارة الجامعة تغيير تخصصها، وأن يقع بصرها وهي تتجول في التخصصات الأخرى المتاحة لها على هذا التخصص الفريد والنادر…”
من نعم الله سبحانه التي من بها على بني البشر نعمة الكلام “الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ” الرحمن (1-4). وقال موسى عليه السلام كما يحكي عنه القرآن الكريم”وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً” القصص 34. ومع ذلك فإن هذه النعمة الجليلة قد يصيبها الاعتلال أو الوهن. ومن فضل الله أنه أوجد علاجا لأغلب إن لم يكن لكل الأمراض. ومن رحمته وكرمه لبني البشر أن ييسر لهم إنسانا يسير في طريق لم يكن يخطر على باله. وذلك كي ينفع به أناس آخرون هم في أشد الحاجة الى ذلك.
ولعل ذلك ما يتضح جليا في مسيرة نجاح بنت سالم آل عبد السلام إخصائية وصاحبة (عيادة التواصل لعلاج النطق واللغة). فقد ساقتها الأقدار إلى هذا التخصص الإنساني النادر والمطلوب بشكل كبير لعلاج مشاكل النطق واللغة لدى الأبناء الذين يعانون من مشاكل في ذلك. فترسم البسمة على وجوههم بعد علاجهم من مشاكل السمع والفهم والكلام، لينطلقوا في الحياة بوصفهم عناصر ايجابية بعدما كانوا قد فقدوا الأمل في الحياة والعيش فيها كأفراد طبيعيين أسوياء وليس بوصفهم أصحاب عاهات. وتسعد في نفس الوقت أهاليهم الذين يفرحون بعلاج أبنائهم ورؤيتهم وقد صاروا في نعمة ومنحة بعد اجتياز المحنة.
كانت رغبة نجاح عندما تم ابتعاثها الى إحدى الجامعات في الولايات المتحدة تتمثل في دراسة الهندسة المعمارية. ومع كل التقدير لهذا التخصص، إلا ان هناك اعدا هائلة فيه وأن التحاقها به ربما لم يكن ليضيف الكثير. ومن ثم شاءت إرادة الله سبحانه أن تتعثر في دراسة هذا التخصص بشكل أملى عليها من قبل إدارة الجامعة تغيير تخصصها، وأن يقع بصرها وهي تتجول في التخصصات الأخرى المتاحة لها على هذا التخصص الفريد والنادر خاصة في المنطقة العربية وهو(اضطرابات التواصل وعلومها). فانخرطت في هذا التخصص بكل قوة وحماس لتحصل على شهادتها الجامعية فيه باللغة الانجليزية من الولايات المتحدة. ثم تكمل دراستها العليا باللغة العربية في هذا المجال، وذلك بالحصول على شهادة الماجستير فيه من المملكة الأردنية.
ثم تلتحق بعد ذلك بالمستشفى السلطاني كأخصائية. وربما يمثل ذلك أقصى ما يحلم به او يتمناه اي خريج وهو الالتحاق بالعمل الحكومي. لكن هناك قليلين ممن لهم طموحات أكبر من ذلك. وهي أن يكون للفرد بصمة ورسالة في الحياة بشكل أعم وأشمل. فأبصرت نجاح أن هناك من يحتاج إلى علمها وتخصصها، وأن تطوع علمها وتبذل أقصى جهدها تلبية احتياجات هؤلاء المحطمين. فقررت ترك الوظيفة الحكومية وفتح عيادة خاصة لعلاج هؤلاء المحتاجين، رغم قلة امكانياتها حتى أنها كانت المسئولة عن كل شيء في العيادة من عمل الاخصائية الى المنسقة الى عاملة النظافة. وصبرت وتحملت في سبيل تحقيق حلمها الانساني الكبير بأن يكون لها اسم أشهر من النار على العلم في هذا المجال النادر في المنطقة.
وبعد مشاكل وعراقيل في البداية استطاعت بصبرها وعزيمتها القوية أن تكون من العشرة الاوائل الذين حصلوا على دعم من صندوق الرفد وتصبح العيادة تضم 11 شخصا وأخصائيين أجانب لتقدم خدماتها لمن يعانون من مشاكل التأتأة والتأخر في الكلام ومن يعانون من مشاكل قلب الأحرف عند بعض الأطفال لدى التحاقهم بالمدرسة وما يتعرضون له من سخرية من زملائهم بشكل ينفرهم من الذهاب الى المدرسة من الأساس. وكذلك علاج اطفال المدارس الذين يعانون من صعوبات في الفهم والاستيعاب والتي يكون ـ بدون علم الأهل والمعلمين ـ مصدرها مشاكل في السمع والفهم.
فازت نجاح بجائزة رواد الاعمال عام 2014. كما فازت بأفضل مؤسسة صغيرة على مستوى دول الخليج العربي وتم تكريمها في قطر العام الماضي.
إن قصة نجاح نجاح ومسيرتها تلفت الانتباه إلى عدة امور:
أولا، التجاهل الاعلامي لمثل هذه الشخصية الجليلة التي تمثل نموذجا فريدا في خدمة أبناء الوطن والمنطقة في هذا المجال النادر. فيجب إبراز دورها ولما له من أهمية في المجتمع. فمما لا شك فيه، ان هناك الكثيرين الذين لا يعرفون عنها. وربما كان هناك أعداد من بين هؤلاء الذين لا يعرفونها هم في امس الحاجة الى تخصصها وعلمها وخبرتها وخدماتها.
ثانيا، يجب تسليط الضوء على تخصصها ومدى أهميته للمجتمع، حتى يتم التوسع فيه. فعيادة واحدة في هذا المجال لا تكفي، بل لابد من الانتشار.
ثالثا، انها تمثل نموذجا وقدوة يجب تسليط الاضواء عليها حتى يعرف بقصتها الشباب فيتقدم من يقتدي بها ويحذو حذوها فنرى نجاحات في مجالات مختلفة بما يعود بالنفع في النهاية على البلد ككل.
أي انه يجب التركيز على مثل هذه النماذج في المنابر الإعلامية والمدرسية والدينية، لما تمثله من نموذج حي يعيش بيننا في عصر الانترنت والسموات المفتوحة. وذلك بدلا من التركيز فقط على ابراز نماذج قديمة ـ قد يرى كثير من شباب اليوم أنها ـ لا تصلح لهذا الزمن بسبب الفجوة الزمنية السحيقة التي تبعدهم عن عالم اليوم بمستجداته. بينما مثل هذه النماذج الناجحة هي نموذج واقعي يمثل قدوة ورمزا في زمن قلت فيه القدوة وضاع فيه الرمز.

إلى الأعلى