الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يا زمان الطائفية

يا زمان الطائفية

د.احمد مصطفي

” لم تعد “الطائفية” قاصرة على إسلام ومسيحية بل تعددت “الطائفيات” وكما تقول أغنية الراحل الشيخ إمام من أشعار الراحل أحمد فؤاد نجم “وكل طايفة، من التانية خايفة”. والخوف يولد العنف ويعطل العقل فتزداد الأزمات اشتعالا وتبتعد الحكمة وصوت العقل فلا تجد سبيلا للتوافق. وربما تظل الطائفية ذات الأساس الديني الأخطر والأشد ضررا من تلك على أسس أخرى عرقية أو مناطقية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم صعوبة المقارنة، وتجاوزها في التشبيه، إلا أن أكثر من يشبه الفنان المصري الشهير سيد درويش الذي عاش وأبدع وتوفي في غضون ثلاثة عقود مطلع القرن الماضي هو الفنان المعاصر زياد رحباني ـ هذا في رأيي الشخصي طبعا. ولعل أغنية زياد “يا زمان الطائفية” الأكثر مناسبة كشعار للمنطقة في أيامنا هذه رغم انها بالأساس بدت وكأنها تخص لبنان الحرب الأهلية وما بعدها. وبما أننا اعتدنا أن نصف لبنان، في العقود الأخيرة من القرن الماضي، بأنه “نموذج مصغر لصراعات المنطقة” ثم بعد ذلك أخذنا نسحب هذا النموذج على كل صراع في المنطقة يحمل سمات طائفية أو عرقية أو يستهدف تقسيما أو ما شابه، وانتشر وصف “اللبننة” على كثير من الأزمات. ويكاد الآن أن يكون “النموذج” انفجر ليغطي المنطقة كلها، واتسع الوصف ليشمل أغلب صراعاتها وأزماتها.
ركزت أغنية زياد رحباني على الانقسام الاسلامي/المسيحي، وفي سياق ساخر تطعمه شعارات طبقية تشير إلى أحياء وشوارع بيروت والفوارق بينها مقابل “الهوية الوطنية”. ولعل ذلك كان ترفا بنهاية السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتشظى الطائفية والعرقية إلى نتوءات حتى مناطقية وفئوية تزداد غلظة كل يوم حتى أصبحت وقودا لاستمرار التدهور والانهيار في بلدان عدة. لم تعد “الطائفية” قاصرة على إسلام ومسيحية بل تعدد “الطائفيات” وكما تقول أغنية الراحل الشيخ إمام من أشعار الراحل أحمد فؤاد نجم “وكل طايفة، من التانية خايفة”. والخوف يولد العنف ويعطل العقل فتزداد الأزمات اشتعالا وتبتعد الحكمة وصوت العقل فلا تجد سبيلا للتوافق. وربما تظل الطائفية ذات الأساس الديني الأخطر والأشد ضررا من تلك على أسس أخرى عرقية أو مناطقية. وليس هناك بالطبع أخطر من “التوليفة الأميركية” التي روج لها مع بداية تدمير العراق بتقسيم البلد إلى: شيعة وسنة وأكراد. هذا المزج بين الديني والعرقي يعجز الشيطان عن ابتكاره لإشعال نيران الفتن.
وقبل الحديث عن الأسباب والسياق المعاصر لهذه الفتن الطائفية، لنعد قليلا للوراء لوضعها في إطارها الصحيح ـ خاصة الطائفية الدينية. لم يكن هناك في السجال بين الأديان ما هو عنيف ودموي، إنما فلسفة وفكرا حتى تدخل السياسة ـ هذا بين الأديان وبعضها والمذاهب في الدين الواحد. فكل ما ترسخ تاريخيا من صراع ظاهره طائفي ديني ما هو إلا سياسي وحرب على النفوذ والثروة في الأساس. حتى ما قبل الحروب الصليبية، التي حملت صبغة صراع مسيحيي الغرب ومسلمي الشرق على الأرض وفي قلبها رمز مقدس هو القدس، كانت الصراعات الطائفية سياسية في جذرها ولا علاقة لها بالدين إلا ما يستغله المتصارعون من شعارات دينية لإضفاء قدسية على موقفهم في الصراع أو تعبئة الجماهير العادية لتقف في صفهم. هكذا كانت كل الحروب والأزمات: صراع على توسعة النفوذ والتكالب على الثروة وفي كل هذا السيطرة على الأرض وما عليها كمصدر للقوة الدنيوية البحتة. حتى ممالك صدر الإسلام الكبرى كانت كلها قائمة على أساس دنيوي صرف، تعج بالمؤامرات والصراعات التي يحاول كل طرف من أطرافها استغلال الدين لتبرير انتهازية حياتية.
كانت ثمانينات القرن الماضي عقدا حاسما في تحولات عالمية لم تستقر تبعاتها حتى الآن، ومنها بعد انهيار الثنائية القطبية في العالم بتفكك الاتحاد السوفييتي ما سمي “الصحوة الدينية” والتي شهدت انتشار الحجاب والخمار والجلباب والسروال حتى في مجتمعات لم تألفها من قبل. لا ضرر في تلك “المظهرية الدينية” لو لم تستغل من قبل قوى تحينت فرص الصراع في ظل التحولات ـ عالمية واقليمية وقطرية ـ فنثرت بذور الطائفية التي نجني ثمارها الآن. ولعله من قبيل التفصيل الممل الحديث عن حجم الحشد والشحن الطائفي في كافة الصراعات الجارية الآن. حتى ليبيا، على كل ما في مشكلتها من تعقيد، لا يخلو الصراع فيها من طائفية ربما ليست دينية فحسب (بين الإرهابيين والمسلمين العاديين) بل قبلية ومناطقية، لكنها في النهاية تكمل صورة “زمان الطائفية” الذي نعيشه.
إذا كانت أغنية زياد رحباني تنتهي بسريالية عن “زمان العلمانية، متى أشوفك ميتافيزيك”، فإن الوضع الحالي للصراعات الطائفية في منطقتنا العربية قد لا يقود إلى سريالية مماثلة ـ ولا حتى واقعية في الوقت نفسه. إنما النتيجة الأرجح هي وضع بين- بين، كما هو التطور الأغلب لكافة أوضاعنا في العقود الأخيرة. ولو أننا كنا كبقية العالم، لصح القول أن تلك الصراعات الطائفية ستصل ذروتها ثم تأخذ في الخفوت مؤدية إلى حالة جيدة تتوارى فيها الطائفية أو تكاد. لكننا للأسف قوم اعتادوا أن يكرروا أخطاءهم، حتى كدنا نناقض المثل الشهير “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين” ولا يدري المرء هل هو ضعف إيمان، فصرنا نلدغ من ذات الجحر ونواصل اللجوء إليه، أم هو عمى قلوب يجعلنا لا نرى أن ذلك هو الجحر الذي نلدغ منه. وإذا أخذنا بتفسير يعتمد ما نفاخر به من أننا قوم “طيبون” سيكون المبرر أننا من “طيبتنا” لا نرى النش الذي في الجحر وإن رأيناه نحسبه فراشة.

إلى الأعلى