الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجليات

تجليات

بين ضفاف بحر العرب وتخوم الربع الخالي
شعراء الوسطى والمحافظة على عادات الشعر الشعبي وتقاليده الأصيلة (1/4)

مقدمة:
تهيأت لي فرصة زيارة محافظة الوسطى للتعرف على بعض شعرائها وكذلك حفظة الشعر الشعبي القديم فيها. وقد تيسر لي أن ألتقي بمجموعة كبيرة من الشعراء كبار السن وكذلك الشعراء الشباب الذين فجروا البادية بعيون مياههم العذبة. كانت ملاحظتي الأولى تميزهم بالشعر الغزلي العذري الجميل وكذلك بأسلوب المشاكاة في ما بينهم. وفي هذه المساحة سوف أنقل لكم مقتطفات من هذه الزيارة بغاية التعرف على خصوصية القصيدة الشعبية في هذه المنطقة من أرض عمان، فالشاعر ابن بيئته. سنتعرف على سحر البادية بواسطة الشعر الذي يتفاعل مع الطبيعة وكأنها روح القصيدة. كذلك سنحاول توثيق بعض القصائد التي رحل أصحابها بينما بقت مشاعرهم وأفكارهم متواترة في صدور حفظة الشعر..

تغرودات توثّق لأول مرة من ذاكرة علي بن حمد الجنيبي:
في منطقة الظهر بولاية الدقم كان لقاؤنا الأول بمجموعة من الشعراء وأهالي المنطقة الحريصين على الاستماع لشعرائهم. فكانت البداية مع الوالد علي بن حمد بن محمد الجنيبي الذي فتح لنا قلبه وذاكرته، فأخبرنا عن طبيعة الحياة في الدقم وما جاورها منذ ما قبل النهضة المباركة وحتى الآن. وأهم الشعراء في الولاية وكذلك أشهر القصائد وقصة كل قصيدة.
روى لنا الوالد علي بن حمد عدة قصائد من فن (التغرود) وهي مقاصب مشهورة ومتداولة في زمنها ولها قصص طريفة يتداولها الناس بمتعة وحماس. سنضمن بحثنا ببعض الأبيات وبأسماء أصحابها كما رواها الوالد علي بن حمد بن محمد الجنيبي.
يقول الشيخ ياسر بن حمود المجعلي في تغرودة غلفها بلغز موجه إلى ثلاثة أشخاص، سيردون تباعا:
بوحسن يوّد على عازومه
شقرا بتبري من سعيد همومه
مكتوم شاكاني ولفتني علومه
وبخيت بن الشرجي تلفه هومه
لافاد ربعه ولا تهنا نومه
وبو سعيّد طاح من ملزومه
من عقب حمرا في الرخا محشومه
ياور صياييد البحر والعومه
يطري سميه باقيات رسومه

جاء أولا رد المروحوم الشاعر مكتوم بن هموش مصرحا بعدم فهمه للغز:
الشيخ بونه مايته جلاّبه
بحره غزير ومانعرف نصابه
خلا غنمنا موطنات بسابه
لما ربى له برق من سحّابه

بينما جاء رد المرحوم الشاعر بخيت بن الشرجي المهري وهو أحد الأشخاص المذكورين في تغرودة الشيخ ياسر بن حمود:
عاينت برق وسود ومساويدي
ولاتنفع الضامي رشوش الإيدي
كانه خطأ قولي وزل انشيدي
نطلب سماحة والركاب شريدي

بعد فترة طويلة رد الشاعر ياسر بن مسلم على تغرودة الشيخ ياسر بن حمود بهذا المقصب:
ياشيخ كل سنة تمر بنايبه
يكفاك دورات الدهر ومصايبه
ظل وذرانا في الوقوت الخايبه
عن كل مامورٍ تسيب اهبايبه
من راس مشرقها حكمها تايبه
وعلى حجر مكة تسير اكتايبه
تكفي مداراتك وعمد الوايبه
بتبع هوى قلبي ونفسي ذايبه
ولا ابا هذيرة من شباب وشايبه
بوني خصيصٍ به وقافر صايبه

بعد أن سمع الشيخ ياسر بن حمود (تغرودة) الشاعر ياسر بن مسلم قال: فهم اللغز الشاعر ياسر..
ومن التغرودات التي رواها الوالد علي بن حمد تغرودة أخرى للشاعر المرحوم ياسر بن مسلم يوجهها للشيخ ياسر بن حمود المجعلي وقصتها معروفة في محافظة الوسطى ومنها نضمن هذه الأبيات:
ياشيخ باننصاك نصوة زائره
نصو المعاني والمذاهب ثايره
وبعطي على شوفك فرح وبشايره
وبوصيك لاتصطاخ قول المايره
ولاتطيع مذلولٍ تظن ابصايره
عظّم على نفسه وكلّف دايره

قصيدة المرحوم الشيخ محمد بن حميد المهري:
ومن ضمن القصائد التي سردها الوالد علي قصيدة الشاعر المرحوم الشيخ محمد بن حميد المهري وهي قصيدة تحث على فعل الخير والإحسان فتتحدث عن الانسان والصعوبات التي يواجهها في حياته ومن ثم مصير الموت الذي يكون قدره المحتوم، وسنضمن الأبيات التي ربما تنشر لأول مرة بقيت القصيدة سوف ننشرها بعد التحقق منها والاستماع اليها من أكثر من راوٍ:

ياباني الدنيا على كيف ماكان أرضه وسماه بستة أيامه
ومنشّي السّحاب بالغيث رويان دون السماء يمطر بغيث السلامه
يحيي نبات الأرض وتثور الأغصان وكلٍ من الأرواح ياخذ سهامه
نسيوا حراب الموت وادراج الأكفان والنفس تخرج م الوريد وعظامه
ويفارق الأوطان أهله والاخوان وقالوا رحمك الله هذا مقامه

بعد أن أخذنا الوالد علي في رحلة ممتعة كان أبطالها شعراء رحلوا إلى جوار ربهم غير أن قصائدهم ما زالت حيّة في صدور الرواة ومحبي الشعر. وهو بهذا السرد قد فتح لنا طرقا جديدة تحتاج منا العمل على تأهيلها وتعبيدها وذلك بالبحث والتحقيق والدراسة حتى نجمع قصائد كل شاعر منهم. فشكرا للوالد على بن حمد على سعة صدره وطيب حديثه.

عائلة الشعراء:
كان للشباب نصيب كبير من وقت جلستنا، فلقد أستمعنا لشعر يتميز بالقوة والجزالة. ومن ضمن الشعراء الذين ألتقيناهم الأخوة، بدر وغاسي أبناء سعيد بن علي الجنيبي وقد ألقى علينا بدر قصيدة لوالده سعيد بن علي، نذكر منها:
يشتكي مرزوق من حال سقيم كان يا سالم تثيبون ادعواه
بات ليله ساهر دمعه هذيم جرّح جفونه وخرّس له كساه
شاف شوف يا ملا مثله عديم ريّف الاخلاق فايق في غواه
عود لدني والمعنق عنق ريم والصدر مسطوح مثل اللي تباه
والجدايل مثل ما ليل ٍ بهيم فوق متنينه وبالعنبر حضاه
يتضح له نور ما هو نور نيم نور شمس ونور بدرٍ في سماه

وبعد أن استمعنا لقصيدة سعيد بن علي، جاء الدور على الابن بالقاء شيئا من قصائده وقد اتحفنا بقصائد جميلة نختار هذه الأبيات:
بعد تسع شهور وايامٍ قليله كلها قضّيتها هجعة محارب
جيت والغايات تبرير الوسيله والتجارب آه يا كثر التجارب
قلت ودي كم بيت وسال سيله وانحدر كنّه تفجّر سد مارب
قلت كيف يكون لي يرقب خليله قال يتغذى على سم العقارب
خص لو مرت له ايام ٍ ثقيله ما أظنه للحموله فيه غارب

كما القى الشاعر قصيدة جميلة ذات شكل إيقاعي وكتابي مختلف. نختار لكم منها هذه الأبيات:
ليل وظلمه ضيق وحيره حب وشوقٍ ع التسميره
قطّع قلب الشب الصابر وصل به لأسواء حالاته
مضن لي عدت ليالي وانا حالي نفس الحالي
أتعذب وأتعب وأكابر والخابر منّ بوصفاته
القوّه ما فيني قوه عاد الماضي عوّد توّه
موت العشق بوقت ٍ غابر جنبني ربي سكراته

اما الشاعر غاسي والذي كان نموذجا لجودة الشعر وإجادة الشعراء الشباب فقد القى مجموعة من القصائد الرائعة، توزعت بين المشاكاة التي يرد فيها على شعراء اخرين وبين القصائد الغزلية الجميلة وقد أخترنا أن نضمن في بحثنا هذه الأبيات من احدى القصائد الغزلية:

الحمد لله ذكرته واحمده واشكره / حمدت رب الخلايق مول ما احمد سواه
سبحان لي صور الدنيا ولي صوره / بالزين خصّه وبالاخلاق ربي عطاه
أقولها عارف أني ما معي مقدره / لكن بحاول اوصف له جزو من حلاه
العين فيها طموحٍ ما قدرت احصره / وان شلها بانكسار الحظ لبى نداه
اذا فتحت واكسلت باهدابها مجزره / من وين ما لدها سار السحب من ورآه
لا غمضت هل يود السحب له تشكره / وإذا فتحها جرى سيله يقبّل ثراه
وإذا مشى تتبع رجوله عشوب خضره /وإذا وقف ضمه النرجس وورد احتفاه
وإذا كشف عن جبينه واستضاح ثْغره/ تشوف بارق ولا تعرف متى مبتداه
وإذا ظهرت فوق كتفه خصله مْن شعره /تشوف ليلٍ ولا تعرف متى منتهاه

من جدة الحراسيس شعراء المشاكاة والغزل:
من جدة الحراسيس التقينا بالشاعر سعيد بن حامد بن محمد الحرسوسي والذي بدا بقصيدة مشاكاة لصديقه الشاعر سالم بن ربيّع الجنيبي وهي قصيدة طويلة نختار منها هذه الأبيات:

البارحة كل ٍ ملى بات ونعاس / وانا حربت النوم ثم متاعي
كني طعين حراب في هامة الرأس /وإلا اتجرع من سموم الافاعي
أعيش في وحده ولا اعاشر الناس /واللي يشوفي قال ما هو بواعي
فكرٍ ملازمني وهمٍ ووسواس /وأخاف كني عايشٍ في الضباعي
صبرت فترة لين حاصرني الياس /ومجرى حياتي أوشكت للضياعي

كما استمعنا لقصيدة جميلة اخرى للشاعر سعيد ومنها هذه الأبيات:
عزي لحالي كلما ناصف الليل / واطفت من الشارع شعاع الإناره
والناس صاروا في سبات ومذاهيل / وعم الهدو في كل سكّه وحاره
انا قعدت أراقب الياه وسهيل / كني احدد كل نجم ومساره
يأخذني الهاجوس وأحط واشيل / وأشعل سيجاره يوم تخلص سيجاره
وتاتيني الذكرى وآجر المواويل / وتشط عيني بالوله بانحداره
للصاحب اللي عن محبته ما أميل /هو الوحيد اللي فوادي اخْتَاره
حبه في قلبي مثل ما جارف السيل / يللي تحدر في شغايا زباره
قد لي ثمان أعوام لوصاله أخيل /وكل عام يأتي قلت فيه البشارة

الشاعر الاخر من ولاية هيما وقد سعدنا بالتعرف عليه مع مجموعة الشعراء الآخرين هو الشاعر سليّم بن حمد بن محمد الحرسوسي وقد بداء بالقاء قصيدة جميلة يصف بها طبيعة البادية وحياة البدو، نقتبس منها:
بدوٍ عليهم يضربون التماثيل /مسكانهم في بر دارٍ وسيعه
يرعونها لو قفرها مزمل مْحيل / تحلى معاهم لو حياةٍ وجيعه
يرجون وسمٍ صادق ٍ بالمخاييل /من فضل لي ما هو بتحته قطيعه
رحمه عطاها في جنوفٍ هماليل /تالي الخريف وداخلٍ في ربيعه
لاحت لهم برقٍ سناها مشاعيل /وتقاطرت ركم السحايب دميعه

قصيدة الشاعر سليّم هي وصف دقيق لكل ساكن ومتحرك في البادية، للأرض والشجر والإنسان. لأخلاق البدو الأصيلة. وفيها كذلك وعظ وحكمة. وبعد قصيدة البادية إلقى الشاعر قصيدة غزلية نورد منها هذه الأبيات:
يا طير ياللي نايح بصوت طرّاب/صوتك يزيد القلب همٍ وتشويق
تكفى تكتم وأخفض الصوت بذهاب/عساك تحظى من همومي بتوفيق
لي قلب همه في حشا البال قد صاب/سالك بدرب ما اسلكوه العشاشيق
كلما تحريته عن الهم قد طاب/عاد العنا المفعمٍ بالتوهيق
وان عتمت ظلمى بهالنود هباب/يسلي مع َصوت الورق والتصفيق
يرقب نجومٍ في فضاء الكون تنساب/يعبر بها أمواج الهموم المغاريق

الختام مسكا:
كان ختاما جلستنا الصباحية مسكا حينما سجلنا بعض القصائد للشاعر حمود بن علي الجنيبي، وسوف نذكر قصيدة يرد فيها على ابن خاله علي بن أحمد بن نصيب. يتميز شاعرنا بقدرته الفائقة على وصف الطريق. أن قصيدته القادمة هي وصف دقيق لطريق (مسقط ـ سناو- محوت- الدقم- الجازر- مرمول). اخترنا الأبيات التي تظهر مسار الطريق من القرم حتى مرمول:

وأخطف (لفنجاء) و(بدبد) بسرعه وحين/ولف اليسار وخطف (السمد) و(الشأن)
ولا تقول وحدك.. عندكم ناس حامين/عن حاسدٍ يسعى لك بشين خوّان
وخطّف (سناو) إن كان احتجت بنزين/وإلا توجّه (للجنوبية) عمان
وأثناء مسيرك باتمر بدكاكين/في ديرة (اليوبه) مقيمين سكّان
(وبالمنظفة) بتمر وقت الصلاتين/وبضع الثواني وأنت في غاف( محيان)
وفي (الدقم) عند الشل وقّف على يمين/وعبّه وخلّه يمسك الدرب طربان
وخطّف (ظهر) بتماشي بناس طيبين/وعدّل مسيرك عندك دروبٍ محان
وأثناء مسيرك عندك (الكحل) بتبين/وبتمر (اللكبي) جَعْلك تكون سلمان
وبتجيك طلعه وشارع يلف ليمين/وحوّل يمين وأحذر تكون غلطان
وواصل مسيرك صوب(مرمول) ذي اللحين/وبتوصل الشاعر لذي لجله الشان

انتظروا أمسية (وادي غدان) الأسبوع القادم:
هكذا انتهت حكايتنا الأولى في محافظة الوسطى والتي رحلنا خلاها في ذاكرة المكان محاولين توثيق بعض القصائد والتعرف على شعراء المحافظة.. إذ نشكر حمود بن علي الجنيبي على تنسيقه للزيارة والشكر كذلك للشاعرة صالحة المخيبية على تدقيق المفردات ومتابعتها المادة الشعرية، بينما سيستمر هذا البحث والتوثيق في الأعداد القادمة حيث سننشر تفاصيل السهرة الشعرية في ولاية الجازر تحديدا في (وادي غدان)، ستتعرف خلالها عزيزي المتابع على سحر شعر البادية حينما تقرأ قصائد الشاعر الكبير سعيد بن ياسر الجنيبي. وبرفقته شعراء يملأون الصحراء شعرا وجمالا وأدبا..
إعداد ـ حمد الخروصي
twitter : @hamed_alkharusi

إلى الأعلى