الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : مكافحة الإرهاب لا تزال تفتقر إلى الجدية والمصداقية

رأي الوطن : مكافحة الإرهاب لا تزال تفتقر إلى الجدية والمصداقية

جلسة النقاش المفتوحة التي بدأها مجلس الأمن الدولي تحت الرئاسة المصرية أمس حول مواجهة خطاب وأيديولوجيات الإرهاب، يمكن أن تمثل بداية نحو بلورة استراتيجية مشتركة، لها آلياتها ووسائلها الفاعلة تبدأ من وضع تعريف للإرهاب أولًا، ثم الانطلاق نحو مكافحته عبر فرض رقابة صارمة على تنظيماته في المواقع الإلكترونية وغيرها، ومراقبة طبيعة الخطابات الموجهة وما تحمله من رسائل تحريضية أو تورية تدعو إلى العنف وممارسة الإرهاب، والابتعاد عن الازدواجية في التعامل مع تنظيماته.
الجلسة التي افتتحها نائب الأمين العام يان الياسون وألقى خلالها بيانًا نيابة عن الأمين العام بان كي مون ثم كلمة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بجامعة الأزهر، محيي الدين عفيفي، إلى جانب نائب الرئيس ونائب المستشار العام لشركة مايكروسوفت، ستيفن كراون، تعد فرصة مواتية لتخليص العالم من ظاهرة الإرهاب التي بدأت تتنامى بصورة مفزعة، ويتم فيها تلفيق الاتهامات الباطلة بحق ديانات سماوية كالإسلام وتشويه صورته الناصعة وصورة أتباعه المعتدلين المتسامحين الرافضين لكل شكل من أشكال العنف والإرهاب والتكفير.
غير أن في أفق الجلسة رغم أهميتها وبيانها الرئاسي ليس ما يسمح بمساحة واسعة من التفاؤل كان الواقفون خلف انعقاد هذه الجلسة يتمنون الاتفاق عليها والوصول إلى صيغة مشتركة ومتفق عليها تُنحِّي التفسيرات والاجتهادات الفردية جانبًا، حيث التسريبات من داخل أروقة الاجتماعات تؤكد حالة الجنوح المعاكس للإرادة الصادقة لمكافحة الإرهاب وخطاباته المتطرفة، فقد أبدى أعضاء دائمون بالمجلس قلقًا حول استغلال بعض الدول لمبدأ مكافحة التطرف العنيف كذريعة لتجريم المعارضة السياسية، وهذا يعني أن الذين يرفعون مصطلحات لا تتفق مع القانون الدولي والشرعية الدولية تجاه سيادة الدول واستقلاليتها مثل ما يسمى “معارضة معتدلة” لا يزالون على عهدهم القديم، ويصرون على مواصلة دعم الإرهاب وتبني تنظيماته تحت شعارات “معارضة معتدلة” و”معارضة سياسية”، وفق ما يحدث حاليًّا في سوريا، وهو ما يعني أن موافقة الأعضاء الرافضين على مبدأ مكافحة التطرف العنيف سيحول دون تحقيق أهدافهم الاستراتيجية الساعية إلى تدمير الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، كما هو حال سوريا والعراق وليبيا ولبنان وغيرها. على أن القلق أو الرفض من قبل أعضاء دائمين بمجلس الأمن الدولي حيال المبدأ السالف الذكر، يعني ضمنًا أنهم يعترفون بأنه لا يوجد معارضة سياسية بمعناها الحقيقي، وإنما هنالك تنظيمات إرهابية؛ لأن المعارضة السياسية وخاصة الوطنية ترفض ممارسة العنف جملةً وتفصيلًا، وتحارب الإرهاب وتمتنع عن إيجاد بيئة لاحتضانه، وتدافع عنه وتنظيماته، وبالتالي ينتفي القلق والرفض لدى أصحابهما.
وكانت مصر قد عممت مذكرة مفاهيمية في إطار التحضير للنقاش، وتبرز هذه المذكرة أهمية مواجهة خطاب وأيديولوجيات الجماعات الإرهابية التي تحرض العديدين من مختلف أنحاء العالم وتقنعهم على مغادرة منازلهم والانضمام إلى صفوفهم، وتصف المذكرة كيف تستخدم الجماعات الإرهابية أطروحاتهم المستندة إلى تفسيرات مشوهة للدين الاسلامي لتبرير أعمال العنف، وتجنيد المؤيدين والمقاتلين، وتعبئة الموارد، واستهداف الجماهير الواسعة عالميًّا من خلال استخدام التحريض والدعاية في وسائل التواصل الاجتماعية. وهنا طبعًا يقع دور ومسؤولية شركات التكنولوجيا والشبكات العالمية كشركة مايكروسوفت بفرض رقابة صارمة على التنظيمات الإرهابية، وحظر حق استخدام هذه التكنولوجيا والتعاون مع مختلف الأجهزة الأمنية في الدول المختلفة والتنسيق معها.
كما تحدد المذكرة المصرية هدفين رئيسيين للنقاش. واحد هو النظر في عناصر استراتيجية دولية شاملة ناجحة لمواجهة خطاب وأيديولوجيات الجماعات الإرهابية، والثاني هو النظر في آلية مثالية للتنسيق والمتابعة وحشد الجهود والموارد اللازمة في عمليات المواجهة. غير أن الأخطر حيال ذلك كما كان وسيبقى هو الانتقائية في النصوص والتصنيف وفق ما يناسب سياسات دول كبرى أعضاء في مجلس الأمن وبما يخدم مصالحها وأهدافها، وتقديم نص هنا واستبعاد النقاش حول نص هناك، في عملية تبدو هي الأخرى ترجمة لحالة التفخيخ القائمة لحين الحاجة. فالأفق أمام جدية ومصداقية دولية لمكافحة ظاهرة الإرهاب لا يزال مسدودًا، في حين تستمر الدماء البريئة في النزيف، ونقل الموت المجاني ويتواصل التدمير.

إلى الأعلى