السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (1)

الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (1)

أسلوبا (المدح والذم) وما يُحْمَلُ عليهما:
تحظى لغتنا العربية الجميلة بجملة من الأساليب النحوية، وأنماط من أنماط التعبير لا تمتلكها أي لغة أخرى، والأسلوب في أيسر تعريفاته هو الطريقة أو الصورة أو النمط أو القالب الذي تستعمله اللغة ليلبيَ معنى معيَّنا لدى المتكلم، ويعبِّرَ عما في ذاته تعبيرا دقيقا، سواء أكان مدحا أم ذما أم إغراء أم تحذيرا أم استفهاما أم نداء أم اختصاصا أم تفضيلا أم تعجبا أم نداء أم نداء تعجبيا أم شرطا أم نفيا أم قسما أم كان غير ذلك من تلك الأنماط والتراكيب الأسلوبية الرائعة.
وتمتلك هذه اللغة إمكانات تعبيرية لا حدود لها ؛ وذلك لارتباطها بلغة الكتاب العزيز، ولكون هذا الشهر هو شهر القرآن الكريم ، وشهر التوقف عند آياته، وتأمُّلها، والالتحام بها، والوقوف على أسرارها، وسبر أغوارها .. فسوف نتتبع هاتيك الأساليب، ودلالاتها، ومواضع استعمالاتها، وأحكامها النحوية والدلالية لنقترب شيئا ما من فهم لغة القرآن الكريم، والوقوف على ظلالها، ودقة معانيها، وتمام طرقها في نقل المشاعر والأحاسيس الداخلية، فربما كانت إشارة منها أبلغ من عبارة، وربما كان مسكوتاً عنه محذوفاً أبلغ من مسموع مذكور، وقد يكون السكت قليلا أعظم من الكلام كثيراً، فكما قيل:(رب صمت خير من الكلام)، و(رب مسكوت عنه أولى من منطوق به)، وفي هذه اللقاءات نقف بكم عند محطاتها الأسلوبية، متخذين من لغة القرآن الكريم أساسا نبني عليه، وقاعدة ننطلق بها لنحلق في سماء لغتنا الجميلة، وهذه اللغة فيها ما يربو على الثلاثين أسلوباً، نبدؤها بأسلوب المدح والذم.
وعناصر أسلوب المدح والذم ثلاثة:فعل المدح أو الذم، وفاعل المدح والذم، والمخصوص بالمدح أو الذم، ونبين الأنماط التي يَرِدُ عليها في التراكيب.
فيتكون أسلوب المدح، وأسلوب الذم من فعل المدح، مثل نعم وحسن وحبذا، ومن فعل الذم بئس وساء ولا حبذا، ثم يليهما فاعل المدح أو الذم، ثم يأتي في آخر الجملة المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم، وهذا المخصوص بالمدح أو الذم يمكن أن يتقدم أو يتأخر، إلا أنه إذا تقدم فله إعراب وتوجيه نحوي واحد، وإذا تأخر المخصوص فله أربعة أعاريب، أو توجيهات نحوية.
ويستخدم هذا الأسلوب في مقام الثناء والمدح، أو مقام الذمِّ والقدح، فإذا قلنا مثلا: نعم الرجل محمدٌ ، أو: بئس الرجل المنافقُ.
كان معنى الجملة الأولى مدح محمد بسبب بلوغه درجةً عاليةً في صفة الرجولة، وأنه صار منها بحيث يراها الناس عليه فيمدحونه لأجلها ، وكان معنى الجملة الثانية ذم المنافق بسبب بلوغه دركةً سفلى في بعض الصفات كالنفاق، فقد صار مشهورا بها حتى إنه ليذم من أجلها.
ويتركب هذا الأسلوب من ثلاثة أركان ـ كما سبق ـ الركن الأول هو: الفعل “نعم” أو (بئس)، وهو فعل ماضٍ جامدٌ ، يفيد إنشاء المدح أو يفيد إنشاء الذم، مبني كل منهما على الفتح ، ولا محل لهما من الإعراب، والركن الثاني: فاعل نعم أو بئس، وهو خمسة أنواع: أن يكون معرفا بـأل ـ أن يكون مضافا لما فيه أل ـ أن يكون مضافا لمضاف لما فيه أل ـ أن يكون ضميرًا مستترًا مفسَّرا بنكرة بعده تعرب تمييزًا له ـ أن يكون كلمة (ما) أو (من) الموصولتيْن، والركن الثالث: المخصوص بالمدح أو الذم، وهو الاسم الذي يأتي بعد فعل المدح أو فعل الذم وفاعله، وقد يتقدم عليهما، مثل محمد نعم الرجال، ونعم الرجال محمد، وبئس الرجال الكذاب، والكذاب بئس الرجال.
كيفية التناول النحوي لأسلوب المدح والذم،(ومعرفة أنواع فاعل نعم وبئس، وهي ست صور)، الصورة الأولى: فاعل نعْم المعرف بـ (أل)، نحو قول الله عز وجل:(إنا وجدناه صابراً نعم العبدُ إنه أواب)، ونحو:(نعم الثوابُ وحسنت مرتفقا)، ونحو (بئس الشرابُ وساءت مرتفقا).
إعراب الصورة الأولى: (إنّا): إن: حرف توكيد ونصب ناسخ، و(نا) اسم إن في محل نصب، وجدناه صابراً: جملة من فعل وفاعل ومفعول أول وثانٍ، خبر إن في محل رفع.
نعْم العبد إنه أواب: (نعْم): فعل ماض يفيد إنشاء المدح مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب، العبد: فاعل نعم مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و(نعم العبد) جملة فعلية في محل رفع خبر مقدم لمبتدأ مؤخر محذوف لدلالة السياق عليه، والتقدير:(نعم العبد أيوب)، و(أيوب) هو المخصوص بالمدح مبتدأ مؤخر، لكنه محذوف لتقدم ذكره، إنه أواب: إن واسمها وخبرها.
والصورة الثانية: فاعل نعْم المضاف إلى ما فيه (أل): نحو قوله سبحانه:(ولنعم دار المتقين)، ونحو:(وبئس مثوى الظالمين).
إعراب الصورة الثانية: دار: فاعل نعم وهو مضاف، المتقين: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، (ونعم دار المتقين) جملة في محل رفع خبر مقدم لمبتدأ مؤخر محذوف، تقديره: نعم دار المتقين الجنة.
(بئس الشراب)، بئس: فعل ماض مبني على الفتح يفيد إنشاء الذم لا محـل له من الإعراب، الشراب: فاعل بئس، و(بئس الشراب) جملة في محل رفع خبر مقدم لمبتدأ مؤخر محذوف، تقديره: بئس الشراب الحميمُ والغسَّاقُ.
(فلبئس مثوى المتكبرين) مثوى: فاعل مرفوع بالضمة المقدرة للتعذر لأنه اسم مقصور، المتكبرين: مضاف إليه، و(بئس مثوى المتكبرين) جملة فعلية خبر مقدم لمبتدأ محذوف، تقديره: بئس المثوى مثوى النار.
والصورة الثالثة: فاعل نعم المضاف إلى مضاف لما فيه (أل)، كقول الشاعر:
فَنِعْمَ ابنُ أختِ القومِ غيرَ مكُذَّبٍ
زُهَيْرٌ حُسَامٌ مُفْرَدٌ من خَمَائِلِ
إعراب الصورة الثالثة: فنعْم: فعل ماضٍ جامد، يفيد إنشاء المدح مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ابن: فاعل وهو مضاف، أخت: مضاف إليه وهو مضاف .القوم: مضاف إليه، ونعم ابن أخت القوم: جملة في محل رفع خبر مقدم، غيرَ: حال وهو مضاف، مكذبٍ: مضاف إليه، زهير: مبتدأ مؤخر وهو المخصوص بالمدح . حسام مفرد من الخمائل : خبران لمبتدأ واحد محذوف تقديره: هو.
والصورة الرابعة: مجيء فاعل نعم (ما) اسماً موصولاً لغير العاقل، نحو: نعم ما تتحلى به الإخلاص، وبئس ما تتصف به النفاق.
إعراب الصورة الرابعة: ما: اسم موصول في محل رفع فاعل. تتصف به: جملة من فعل وفاعل صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و(ما تتصف به) خبر مقدم ،في محل رفع، الإخلاص: مبتدأ مؤخر وهو المخصوص بالمدح.
والصورة الخامسة والأخيرة: مجيء فاعل نعم (من) اسماً موصولاً للعاقل، نحو: نعم مَنْ تصاحب المؤمن، وبئس مَنْ تصادق الكذوب.
إعراب الصورة الخامسة: من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. تصاحب: جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. و(نعم من تصاحب) جملة في محل رفع خبر مقدم، المؤمن: مبتدأ مؤخر، وهو المخصوص بالمدح.
والصورة السادسة: أن يكون فاعل نعم أو بئس ضميراً مستتراً مفسراً بنكرة منصوبة على التمييز: نعم عملاً الصلاة لوقتها.
إعراب الصورة السادسة: نعم: فعل وفاعله ضمير مستتر تقديره هي، وعملاً: تمييز منصوب، و(نعم عملاً) جملة في محل رفع خبر مقدم.
الصلاة: مبتدأ مؤخر وهو المخصوص بالمدح، بئس صنيعًا الكذب، بئس: فعل وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، صنيعًا: تمييز منصوب، و(بئس صنيعًا) جملة في محل رفع خبر مقدم، الكذب: مبتدأ مؤخر وهو المخصوص بالذم.
.. البقية في الاسبوع القادم.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى