السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أسباب النزول ـ 3

أسباب النزول ـ 3

عبارات أسباب النزول:
هناك عبارات تصدر من الراوي الأخير لسبب النزول تقسَّمُ حسب استقراء جميعا إلى قسمين، القسم الأول: عبارات صريحة وهي التي تنص على سبب النزول دون احتمال غيره وهي: ذكر لفظ السبب كالقول: سبب نزول الآية كذا وكذا، واقتران (فاء التعقيب والسبب) بمادة (نزل) أو أحد مشتقاتها, بعد سرد الحادثة, مثال ذلك:
حديث أَنَسٍ، أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهُنَّ، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) (البقرة ـ 222) ـ الحديث, فنرى سُرِدت القصة أولاً ثم ذُكِر (فأنزل).
ومثال آخر: خَبَّابَ بْنَ الأَرَتِّ، يَقُولُ:(جِئْتُ العَاصَ بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ أَتَقَاضَاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ)، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فَقُلْتُ:(لَا، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ)، قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ فَقُلْتُ:(نَعَمْ)، فَقَالَ: إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ. فَنَزَلَتْ:(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) (مريم ـ 77).
مثال كذلك: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة ـ 101) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا).
ـ سؤال موجه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فينزل القرآن كجواب, نحو قوله تعالى:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)(الاسراء ـ 85).
القسم الثاني: عبارات غير صريحة وهي تحتمل أن تكون سبب النزول وتحتمل أن تكون تفسيراً ونحو ذلك وحكمها لا يُجْزَم بها كسبب للنزول, وعباراتها هي: لفظ (نزلت الآية في كذا وكذا), قال الزركشي:(وقد عُرِف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا إن هذا كان السبب في نزولها), هذا ولبعض العلماء فيه تفصيل:
ـ فاذا ذُكِر بعد (في) معنى متضمن لحكم أو بيان فهو تفسير.
مثال ذلك: عَنْ حُذَيْفَةَ، (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة ـ 195) قَالَ:(نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ).
وإن ذُكِر بعد (في) شخص أو حادثة ونحو ذلك فكل ذلك يشكِّل سبب نزول.
مثال: حديث البَرَاءَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ:(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا، لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ): (وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى، وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) (البقرة ـ 189).
لفظ:(أحسب أن الآية نزلت في كذا و كذا) أو (ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في كذا).
مثال: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلاَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلْزُّبَيْرِ:(اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ)، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ قَالَ:(اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ)، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلْزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، اسْتَوْعَى لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ:(وَاللَّهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ):(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (النساء ـ 65).
* تنبيه:
1) كلمة (فقرأ الآية) لا تستلزم أن يكون ما بعدها سبباً لنزولها بل تحتمل أنها نزلت قبل الحادثة والله أعلم.
مثال: سمع عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟، وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟، وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ:(أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا) قَالَ: جِبْرِيلُ؟: قَالَ: (نَعَمْ)، قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:(مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة ـ 97)، (أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ نَزَعَتْ) ـ الحديث.
2) قد يغلط الراوي فيجعل (فنزل) مكان (فتلا) أو (فقرأ) ظناً منه أنه سبب نزول, مثال ذلك: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَا يَهُودِيُّ حَدِّثْنَا فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُ يَا أَبَا القَاسِمِ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى ذِهْ، وَالأَرْضَ عَلَى ذِهْ، وَالمَاءَ عَلَى ذِهْ، وَالجِبَالَ عَلَى ذِهْ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى ذِهْ، وَأَشَارَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ بِخِنْصَرِهِ أَوَّلاً، ثُمَّ تَابَعَ حَتَّى بَلَغَ الإِبْهَامَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى