الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (80)

تكـريـم الله للإنسان (80)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـمـن أكـرم الإيـثار وأفـضـل أنـواعه وألـوانه: إيـثار التضحـية بالنفـس النفـيسة وبيـعها في سـبيـل الله، وبـذلها بـلا خـوف ولا وجـل، قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التـوبة ـ 111).
قال الشـاعـر:
يجـود بالنفـس إن ضن البـخـيل بها
والجـود بالنـفـس أقـصى غاية الجـود
وقـال غـيره:
تـــــراه إذا ما جـئـته مـتـهــلــلاً
كأنـك تعـطـيه الـذي أنت سـائله
ولـو لم يـكـن في كـفه غـير نفـسه
لجـاد بهــا فـليـتـــق الله سـائـله

ولـقـد كان الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) المثـل الأعـلى في الإيـثار، قالـت السـيـدة أم المـؤمنيـن عـائشة ـ رضي الله عـنها: ما شـبـع رسـول الله (صلى الله عـليه وسلـم) ثـلاثـة أيام مـتـوالية حـتى فـارق الـدنيا ، ولـو شـئنا لشـبعـنا ولـكـننا كـنا نـؤثـر عـلى أنفـسنا.
وقـد ضـرب أصحـاب رسـول الله المـثـل الـرائـع في الإيـثار واقـتـدوا بالـرسـول (صلى الله عـليه سـلم)، روى عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ أن رجـلا أهـدى إلى أحـد الصحـابة رأس شـاة، فـقال المهـدى إلـيه: إن أخي فـلانا أحــوج إلـيه مـني، فـبعـث به إلـيه، فـقال الثاني، إن أخي فـلانا أحــوج به مـني، فـبعـث به إليه، وظـل رأس الشاة ينـتـقـل بـين سـبعـة بـيـوت ورجـع في النهاية إلى الأول، إنها صـفحـات خـالـدة مشـرقـة مـن صـفحات الإيـمان.
وكان قـيـس بن سـعـد بن عـبادة مـريضاً، فـتخـلف عـن عـيادته رجـال مـن معـارفه فـسأل عـنهـم ، فـقـيـل إنهـم يـستحـيـون مما لك عـليهـم مـن الـدين، فـقال: أخـزى الله مالاً يمـنـع الإخـوان مـن الـزيارة، ثـم أمـر مـناديا يـنادي: مـن كان لقـيس عـلـيه مال فهـو منه في حـل، فـتـزاحـم الناس عـلى باب بيته لـزيارته.
وروي أن عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه، بعـث بصرة فـيها أربـعـمائة دينـار مـع خـادم له إلى أبي عـبيـدة عامـر بن الجـراح (أمـين الأمة)، وقال له انـظـر ما ذا يصـنع بها، فـذهـب الخــادم إلى أبي عـبيـدة، فـقال له يـقـول لـك أمـير المـؤمنيـن عـمـر بن الخـطاب، اجـعـل هـذه في بعـض حاجـتـك، فـقال أبـو عـبيـدة وصله الله ورحـمه.
فـقال أبـو عـبـيـدة يا جارية تعـالي: اذهـبي بهـذه السبعة إلى فـلان، وبهـذه الخمسة إلى فـلان، فـقـسـمها كلها، ورجـع الخـادم إلى أمير المـؤمنين فاخـبره بـفـعـل أبي عـبيـدة بالأربـعـمائة دينار.
ثـم بـعـث أمـير المـؤمنيـن عـمـر بصـرة فـيـها أربـعـمائة دينار إلى مـعـاذ بن جـبـل مـع نفـس الخـادم وقال له: أنظـر ما يعـمـل بها ، فـلما وصـل إلى مـعـاذ بن جـبـل قال له يقـول لـك أمـير المـؤمنيـن، اجـعــل هـذه في بعـض حاجـتـك، فـما إن وصـلـت الـصرة إلى مـعـاذ حـتى فـعــل بها كما فـعــل أبـو عـبيـدة بالصـرة، فـرجـع الخـادم إلى أمـير المـؤمنين عـمـر فأخـبره بما فـعـل مـعـاذ بالصرة، فـسـرَّ ســروراً أمـير المـؤمنين وقال: إخـوة بعـضها مـن بعـض.
وجاء إلى رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) ضـيـف، فـلم يجـد له ما يـطـعـمه به، فـقـال لأصحـابه مـن يضـيـف هـذا الليـلة؟، فـقـال أبـو طـلحـة الأنصاري أنا يا رسـول الله، وذهـب به إلى بيتـه، وليـس فـيه إلا قـوت أطـفـاله، فـقـال لـزوجـته عـللي الأطـفـال بشيء فـإذا جـاء ضـيـفـنا فـاطـفي المصـباح، وأريه أنا نأكـل معـه وقـعـدوا وأكـل الضيـف وهـما لا يأكـلان ، فـلما أصـبح الصـباح قـال النبي لأبي طـلحة: (قـد عـجــب الله عـز وجـل مـن صـنيـعـكـما بضـيـفـكـما) وقـيـل أن صاحـب القـصة هـو أبـو الـدحـداح، وقـد تكـون القـصة حـصـلـت لأبي طـلحة وقـصـة مشابهة لها حـصلـت لأبي الـدحـداح والله أعـلـم، وكـيـف لا تـتكـرر أمـثـال هـذه المـواقـف لأولـئـك الـرجـال وقـد تخـرجـوا في مـدرسـة واحـدة، في مـدرسـة الإيـمان، التي أنـشـأها رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم).
وهـذه أم المـؤمنيـن عـائشة ـ رضي الله عـنها ـ سألها مسكين شـيئاً وهي صائمـة وليـس في بيتها إلا رغـيـف واحـد، فـقـالت لخـادمتها اعـطـيه الـرغـيـف، فـقـالـت الخـادمة يا أم المـؤمنيـن: ليـس لك ما تفـطــرين به، فـقـالـت لها اعـطـيه الـرغـيـف فـفـعـلت الخـادمة، وفي المساء أهـدي إليـهـم شـاة، فـقـالت أم المـؤمنـين عـائشة للخـادمة كلي مـن هـذا، فهـذا خـير مـن قـرصـك.
ولما طـعــن أمـير المـؤمنـين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ قال لابنـه عـبـد الله بن عـمـر: اذهــب إلى أم الـمـؤمـنيـن عـائشة فـقـل لها يـقـرأ عـمـر بن الخـطـاب عـليـك السلام، ثـم سـلها أن أدفـن مـع صـاحـبي (يـقـصـد الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم وأبا بكـر الصـديـق)، فـقـالت كـنـت أريـده لنفـسي فـلأ وثـرنـه به عـلى نفـسي فـلما عـاد عـبـد الله بن عـمـر، قال له أبـوه ما لـديـك؟، فأجـاب قـد أذنـت لك يا أمـير المـؤمنيـن.
وقـد بـلـغ مـن إيـثار المـؤمنـين في غــزوة اليـرمـوك، مبـلـغـا عـظـيما عـنـدما انطـلـق حـذيـفـة العــدوي، بـشـربة ماء يـبحـث بهـا عـن ابن عـم له ليسقـيه وهـو يـقـول: إن كان به رمـق سـقـيته، فـوجـده جـريحـاً بين الحـياة والمـوت، فـقال له اسـقـيـك؟ فأشار إليه بـراسه أي نعـم، ثـم ســمع أنـين رجـل بجـواره يـردد آه، فأشـار إلى ابن عـمه أن يـذهـب بالشـربة إلى ذلك الـرجـل، وكان هـشـام ابن العـاص، فـلما هـم هـشام أن يشـرب سـمع أنيـن رجـل يـردد آه، أه، فـأمـر الساقي أن يـذهـب إلـيه بالـماء، فـلما وصـل إلـيه السـاقي وجـده قـد قـضى نحـبه، فـعـاد إلى هـشام فـوجـده قــد مات، فـعـاد إلى ابن عـمه فـوجـده قـد مات، ما هـذا الإيـثار حـتى في تلـك الحـالة وجـدوا لـفـعـل الخـير طـريـقاً، إنها النـفـوس المـؤمنـة التقـية النقـية التي تـؤثـر غـيرها عـلى نفـسها، ولـو كان بها خـصاصة، فـرحـم الله تـلك النـفـوس الطـيـبة، وأسـكنها فـسـيح جـناته آمـين.
عـن أبي سـعـيـد الخـدري، قال: خـطـب رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) الناس وقـال:(إن الله خـيّر عـبـداً بين الـدنـيا وبيـن ما عـنـده، فاخـتار ذلك العـبـد ما عـنـد الله)، قال: فـبـكى أبـو بـكـر الصـديـق ـ رضي الله عـنه ـ فـعـجـبنا لبـكائه، أن يخـبر رسـول الله (صلى الله عـليه وســلـم)، عـن عـبـد خـير، وكان رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) هـو المخـير، وكان أبـو بكـر هـو أعـلمـنا بـذلك، إنه الإيـمان والفـراسـة.
فـقـال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(إن مـن أمـن الناس عـلي في صحـبـته وماله: أبا بكـر ـ رضي الله عـنه ـ ولـو كـنـت مـتخـذا خـليـلا غــير ربي عـز وجـل لاتخـذت أبا بـكـر، ولـكـن أخــوة الإسـلام ومـودته، لا يبـقـين في المسـجـد باب إلا ســد إلا باب أبي بـكـر رضي الله عـنه) ـ أخـرجه البخاري وصححه.
وقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(إن الله عـز وجـل بعـثـني إلـيـكـم، فـقـلـتـم كـذبـت وقال أبـو بـكـر: صـدقـت، وواسـاني بنـفـسه وماله، فهـل أنـتـم تاركـوا لي صاحـبي؟).
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى