الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل شعبان وبعض أحكامه
فضائل شعبان وبعض أحكامه

فضائل شعبان وبعض أحكامه

مضى شهر رجب ودخل شعبان، وفاز من فاز بالتقرب والاستعداد لرمضان والناس عنه غافلة ــــــــــــــــــــــــــــــ لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شُرع فيه من الصيام وقراءة القرآن، ليحصل التأهب وتتروض النفوس

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
ضمن الخطب والدروس للدكتور ناصر بن محمد الأحمد إمام جامع النور بمدينة الخبر نتناول معك عزيزي القارئ خطبة قيّمة حول (فضائل شعبان وبعض أحكامه) .. لنأخذ منها الفوائد والعبر من ذلك ..
استهل خطبته بعد الحمد لله والصلاة على رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) بقوله: إن المؤمن ليتقلب في هذا الزمان، ويمد الله له في الأجل، وكل يوم يبقاه في هذه الدنيا هو غنيمة له ليتزود منه لأخرته، ويحرث فيه ما استطاع ويبذر فيه من الأعمال ما استطاعته نفسه وتحملته.
وقال مخاطباً الحضور: وها قد مضى أيها الأحبة شهر رجب، ودخل شعبان، وفاز من فاز بالتقرب والاستعداد في رجب لرمضان، ودخل شعبان والناس عنه غافلة. ولنا مع هذا الشهر المبارك وقفات ننظر فيها حال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحال سلف الأمة، الذين أمرنا بالاقتداء بهم، مع ذكر بعض فضائله وأحكامه، فعن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال (صلى الله عليه وسلم):(ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) ـ رواه النسائي، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصوم ولا يفطر حتى نقول: ما في نفس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يفطر العام، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول: ما في نفسه أن يصوم العام، وكان أحب الصوم إليه في شعبان ـ رواه الإمام أحمد.
مضيفاً بقوله: ومن شدة محافظته (صلى الله عليه وسلم) على الصوم في شعبان أن أزواجه ـ رضي الله عنهن ـ كن يقلن أنه يصوم شعبان كله، مع أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان) ـ رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عن النسائي والترمذي قالت: ما رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله، وفي رواية لأبى داود قالت: كان أحب الشهور إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان، وهذه أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ تقول:(ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان)، ولشدة معاهدته (صلى الله عليه وسلم) للصيام في شعبان. موضحاً بقوله: وذكر أهل العلم حكماً في تفضيل التطوع بالصيام في شعبان على غيره من الشهور: منها: أن أفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان، لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالنسبة للصلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ولذلك فإنك تجد رمضان يسبق بالصيام من شعبان والاستكثار منه ثم بعد انقضاء رمضان يسن صيام ست من شوال، فهي كالسنن الرواتب التي قبل وبعد الصلاة المفروضة.
مؤكداً بقوله: ومن الحكم كذلك في الإكثار من صيام شعبان: ما تضمنه حديث أسامة بن زيد المتقدم ذكره وفيه قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فبين له (صلى الله عليه وسلم) سبب ذلك فقال له:(ذاك شهر يغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان) وماذا أيضا؟ قال:(وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
وقال: ثم اعلم يا عبد الله أن إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد وهي: إن فعلك لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلها في بيته، والفائدة الثانية في إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كان على السنة، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول:(الأجر على قدر النصب)، والسبب في أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة على النفوس، هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم، فسهلت الطاعات، وتأمل كيف أن كثيراً من الناس يشق عليهم الصيام في غير رمضان: فإذا جاء رمضان سهل عليهم الصيام ولم يجدوا مشقة في صيامه، وذلك لأن الناس من حولهم يؤدون هذه العبارة الجليلة، والناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضاً، وقد قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه: الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم، وأما إذا أكثرت غفلة الناس تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المتيقظين والطالبين لمهر الجنة تشق عليهم طاعاتهم، لقلة من يقتدون بهم في هذه الأوقات المغفول عنها، ولهذا المعنى قال (صلى الله عليه وسلم) في حال الغرباء في آخر الزمان:(للعامل منهم أجر خمسين منكم ـ أي من الصحابة ـ إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون)، وفي مسلم: (فطوبى للغرباء) ولهذا جاء في صحيح مسلم أيضاً من حديث معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(العبادة في الهرج كالهجرة إلي) وعند الإمام أحمد بلفظ:(العبادة في الفتنة كالهجرة إلي) وسبب ذلك أن الناس في وقت الفتن تستولي عليهم الغفلة، ويتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين، وينشغلون عن عبادة ربهم بهذه المحدثات والمضلات من الفتن، ويكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به، متبعاً لأوامره مجتنبا لنواهيه، محافظا على سنته وهديه وطريقته (صلى الله عليه وسلم)، في كل زمان ومكان، والفوائد في هذا الباب والمعنى كثيرة لمن تأملها ووقف معها واستزاد منها.
وقال ناصر الأحمد في خطبته: ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهب لتلقي رمضان وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك، ويغتنم وقت غفلة الناس وهو من؟ هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، هو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك فإن السلف كان يجدّون في شعبان، ويتهيأون فيه لرمضان قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء. وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران، قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضا: مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان، وها قد مضى رجب فما أنت فاعل في شعبان إن كنت تريد رمضان، هذا حال نبيك وحال سلف الأمة في هذا الشهر المبارك، فما هو موقعك من هذه الأعمال والدرجات.
واستكمل الاحمد خطبته بقوله : الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، فعن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) ـ رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح.

* المصدر: (بتصرف من موقع “المنبر” الدعوي)

إلى الأعلى