السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب الصاخب صانع أقفال

ترامب الصاخب صانع أقفال

عادل سعد

”إن الحقائق التي ينبغي على ترامب التوقف عندها هي أن البالونات الإعلامية التي ما زال يطلقها في عروض القوة والمفاخرة لا تخدم مطلقًا معالم أصبحت جزءًا من الحالة الدولية، فكيف له أن يعيد النظر بالاتفاق النووي مع إيران، أو أن يعيد النظر في علاقة واشنطن مع دول عربية، ومع الاتحاد الأوروبي على أساس حث بريطانيا بالخروج من هذا الاتحاد.”

قد لا يعرف بعض الأميركيين الذين وصفوا ترامب المرشح الجمهوري إلى البيت الأبيض بالعاصفة، أقول قد لا يعرف هؤلاء الأميركيون أن شاعر الهند الكبير طاغور قد أنكر على أية عاصفة أن تكون بنوايا حسنة، وبالمقارنة بين العاصفتين، ترامب والعاصفة حسب توصيف طاغور تظل قائمة التشابه بينهما غنية بالمزيد من الأواصر إذا أخذنا بحقيقة أن المرشح الجمهوري ترامب لم يمل بعد من الترويج لنوايا القوة المطلقة والعزيمة التي لا تستكين كما تفعل العواصف تمامًا حين تكون مصحوبة بالتيارات الهوائية الدوارة والرعد والبرق والغيوم الداكنة، بينما كل ما تحتاجه الولايات المتحدة الآن نظرة عقلانية تحرص على تقاسم النفوذ مع قوى عالمية أخرى في مقدمتها روسيا، فليس من مصلحة واشنطن الآن أن تعقد العزم على التفاوض وتحصيل الفرص وهي تعرض قوتها على طاولة العالم، والدليل على ما يجري في بحر الصين.
لقد ذهب ذلك العهد الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأميركية أكبر صانع للأحداث في العالم، فهي الآن في أغلب إمكانياتها المتوافرة لا تستطيع إلا الدخول على الحدث، وليس تصنيعه كما هو الحال بالنسبة لأزمات الشرق الأوسط عمومًا، ولتبيان ذلك علينا أن نتوقف عند حدود ما يجري في العراق وسوريا وليبيا واليمن، ثم إن استحقاقات الفوضى الخلاقة التي مولتها الماكينة السياسية التابعة للمحافظين الجدد قد أعطى مردودات عكسية مؤلمة للسياسة الأميركية الخارجية التي ما زال بعضها رهن التأثير لمنع دعم المحاولات العقلانية المتواضعة ضمن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما المتهم من الجمهوريين بالضعف والارتباك وعدم الجدية، ولنا أن نتوقف للقراءة الميدانية بما صرح به أوباما خلال زيارته الأخيرة للمنطقة العربية.
إن الحقائق التي ينبغي على ترامب التوقف عندها هي أن البالونات الإعلامية التي ما زال يطلقها في عروض القوة والمفاخرة لا تخدم مطلقًا معالم أصبحت جزءًا من الحالة الدولية، فكيف له أن يعيد النظر بالاتفاق النووي مع إيران، أو أن يعيد النظر في علاقة واشنطن مع دول عربية، ومع الاتحاد الأوروبي على أساس حث بريطانيا بالخروج من هذا الاتحاد، مع العلم أن البريطانيين يعرفون قبل غيرهم أن خروجهم من شبكة الاتحاد الأوروبي تعني الحرب، على حد تعبير رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، وكيف لترامب أن يجد معادلات ناجحة متوازنة في العلاقات مع روسيا والصين ومجموعة دول البريكس؟ وأية عصا سحرية يستطيع بها أن ينهي القضية الفلسطينية لصالح عنصرية رئيس الوزراء الإسرئيلي نتنياهو؟ وكيف للأميركيين أن يصدقوا أنه سيكون مع برنامج ضريبي عادل يخفف عن كاهلهم الرسوم المالية وهو يتخبط الآن بين فرض ضرائب جديدة على أغنياء بلده وخفضها بصورة عامة؟ وما الوسائل التي تكفل له معالجة الدين العام ونزعة الاستدانة المتكررة التي تعتمدها الإدارات الأميركية المتعاقبة، ثم كيف له أن يصنع تحديات للآخرين ويريد في الوقت نفسه أن يكونوا ضامنين لسياسته مؤيدين لمزاجه الرئاسي؟
على ترامب أن يتواضع ويدرك أن الأميركيين ليسوا سذجًا ليقودهم إلى صناديق الاقتراع من أجله، وليتذكر ما جرى لسياسة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، ثم أين الآن رؤية كونداليزا رايس عرَّابة تلك السياسة الجامحة؟
إن النصيحة التي ينبغي على ترامب الأخذ بها تكمن في البحث عن مقاربة لفوز صادق خان المسلم من أصل باكستاني بمنصب عمدة لندن، بل النصيحة أيضًا أن يكف عن التلويح الدائم بقوة بلاده؛ لأن مثل هذا التلويح يصنع أوهامًا، بل ويصنع أقفالًا معقدة، وكفى الولايات المتحدة الأميركية شر النزعة التسلطية.

إلى الأعلى