الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / البرازيل على مرجل الغليان السياسي

البرازيل على مرجل الغليان السياسي

علي بدوان

”… البرازيل تُعَدّ من الدول الصاعدة، وذات الاقتصاد الواعد، وهي واحدة من مجموعة دول الـ(بريكس: الصين + روسيا + الهند + جنوب إفريقيا + البرازيل) التي يُعوّل عليها العديد من المفكرين الاقتصاديين للعب دور هام في مسار الاقتصاد المعولم، والمفترض به أن يكتسح العالم، وخاصة العالم الثالث بمنتجاته وإبداعاته.”

تحاول الولايات المتحدة إعادة احتواء التحولات الكبيرة التي حدثت مع الصعود المتتالي للقوى والأحزب المعارضة لسياستها وهيمنتها على بعض دول القارة الأميركية. بل وتحاول معاقبة فنزويلا والبرازيل وغيرهما. فالسرعة التي تجري فيها الأحداث في البرازيل على سبيل المثال، يدل على أنها مدارة. والحديث هنا هو عن السعي لمعاقبة رئيسة البرازيل بسبب موقفها الثابت من تطوير العلاقات مع روسيا ونشاطها في إطار مجموعة “بريكس”. وإضافة لهذا، تجري محاولات عبر البرازيل لتفكيك “بريكس” من قبل الولايات المتحدة التي تنوي فرض هيمنتها على العالم.
فالدول الكبيرة نسبيًّا، والمؤثرة في أميركا اللاتينية، تَشهَد تحوّلات ملحوظة منذ فترة ليست بالقصيرة، وهي تحوّلات يحلو للبعض من اليسار الأميركي أن يُسميها بــ”الإرتدادات”، أو “التحولات المُضادة”، حيث مساعي الولايات المتحدة لاستعادة حدائقها الخلفية، أو لــ”استعادة مزرعتها” على حد تعبير المنتج السينمائي العالمي جون بيلجر، الذي كان قد أنتج فيلمًا وثّق فيه العديد من العمليات السرية والعلنية، التي أطاحت عبرها واشنطن بالعديد من الحكومات الشرعية في أميركا اللاتينية، منذ خمسينيات القرن الماضي.
المشهد يبدو واضحًا الآن في الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا، فإن آخر هذه “التدخلات” كان “الانقلاب النيوليبرالي الهادئ” في الأرجنتين، قبل فترة ليست بالبعيدة، والذي أطاح حكم الإطار الحكومي المحسوب على ألوان اليساري الأرجنتيني، لينصّب مليارديرًا وثيق الصلة بواشنطن رئيسًا للبلاد. والمشهد التالي الآن في البرازيل وفنزويلا حيث نجحت القوى النيوليبرالية بحدودٍ جيدة، بمحاصرة حكومتَي البلدين العماليتين، على التوالي، مهددة بإسقاطهما في المرحلة التالية.
الوضع يبدو الآن أكثر حدة في البرازيل عنه في فنزويلا، حيث تَمُر البلاد بمرحلة حساسة وعلى صفيح ساخن، أكدت فيها رئيسة البلاد (ديلما روسيف) مجددًا، أنها لن تستقيل من منصبها وذلك عشية أسبوع حاسم لمستقبلها على رأس أكبر دولة في أميركا اللاتينية، وهي تخوض سباقًا ضد الزمن بعد انهيار تحالفها الحكومي لمحاولة الاحتفاظ بأصوات ثلث النواب على الأقل، بعد انسحاب حليفها الرئيسي “حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية” وهو من أحزاب الوسط.
وجاء تصويت البرلمان البرازيلي الشهر الماضي كخطوة أولية غير حاسمة لعزل رئيسة البلاد (ديلما روسيف)، لكنها عملية التصويت ظهّرت مضامين سياسية شديدة الأهمية، أبرزها كشف الواقع الحزبي الداخلي في البرازيل، والذي شهد إرباكًا واضحًا على أثر التقلبات السريعة للقيادات، التي أدت إلى تباينات في المواقف داخل الكتلة الواحدة. كان ذلك حال حزب الحركة الديمقراطية الذي يرأسه نائب الرئيسة ميشال تامر، وأيضًا الحزب التقدمي الذي أعلن فك الشراكة مع حزب العمال برئاسة (ديلما روسيف) والذي يقود الائتلاف الحاكم.
إذًا، تحتد المعركة التنافسية السياسية في البرازيل بين مختلف القوى والأحزاب، وبوابتها الرئيسية المُعلنة إعلاميًّا تتمثّل في المسائل الاقتصادية وتداعياتها على المجتمع والناس، وبالتالي في الموقف من سياسات الحكومة، حيث تَستغل أحزاب المعارضة حالة الركود الاقتصادي المُستمرة للعام الثاني، والنسبة المرتفعة للتضخم، بالإضافة إلى الأزمة السياسية بسبب فضيحة الفساد في شركة النفط الحكومية “بتروبراس” التي تسببت في اتهام الرئيس السابق (لويس إيناسيو لولا دا سيلفا) بالفساد وسط مناخ سياسي وقضائي وأمني مُضْطَرِب (مُعَادٍ للرئيسة الحالية وحِزْبِها) واهتزاز تحالف وسط اليسار، وقيام شركة البناء البرازيلية العملاقة (اوديبرشت) بتمويل حملات أكثر من مئتي مرشح من ثمانية عشر حزبًا، منهم من طالبوا بإقالة الرئيسة، حيث تُجِيزُ قوانين البلاد المساهمات الخاصة للشركات في الحملات الانتخابية ودعم بعض المرشحين.
وفي حقيقة الأمر، هناك شكوك كبيرة تعتري مواقف الأحزاب المعارضة التي ترفع شعار مقاومة الفساد وملاحقة الفاسدين. فهناك شبه إجماع على ضرورة التغيير، لكن ليس هناك من توافق على كيفية تحقيق ذلك، ولا على البدائل المطروحة. فانتقال السلطة من روسيف إلى منافسها قد يعطي نشوة للمعارضة السياسية، التي لا تعبّر قطعًا عن آمال غالبية البرازيليين بتغيير شامل، وليس باستعادة التجارب نفسها التي دفعت البلاد إلى حافة الهاوية.
إن متوالية الأحداث والتحولات الداخلية في البرازيل تؤكد في جانبٍ كبير منها أن القضية هي سياسية أكثر منها قضية فساد وتعثر اقتصادي، وأنها جزء من الحملة التي تعمل على تقويض إنجازات الحكومات المناوئة للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، الفساد هنا يعني حزب العمّال حصرًا. على الرغم من أنّ كلّ الأحزاب البرازيلية متورّطة في أكثر من فضيحة. فالهجوم على الرئيسة ديلما روسيف وحزبها، دون غيرهم من قوى النظام السياسي، يعود إلى العداء الشرس الذي تكنه الطبقة العليا في البرازيل، والقوى التقليدية.
ومن هنا جاء قرار الإطارات المُقربة من رئيسة البرازيل بتشكيل جبهة البرازيل الشعبية، والتحرك السريع قبل فوات الأوان لأن الخسارة الرئيسة الحالية، ستكون خسارة كبرى للحكومات المُتحررة من قيود واشنطن في أميركا اللاتينية.
وعليه، من المتوقع أن يلجأ الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم في البلاد إلى الشارع وإلى الناس، لكسب مواقفهم، وإلى تنظيم احتجاجات في كافة الولايات البرازيلية للضغط على مجلس الشيوخ ومجلس القضاء الأعلى، ودفعهما إلى إيقاف عملية إقالة الرئيسة (ديلما روسيف)، وهي العملية التي يعتقد الكثير من المراقبين بأنها عملية انقلاب على الديمقراطية، مرفقة بضجيج وبروباجندا إعلامية، والهدف النهائي منها العودة بالبرازيل نحو فلك واشنطن.
إن قوة الاحتجاج التي من المتوقع أن يلجأ إليها الحزب القائد للائتلاف الحاكم تنبع من وجود انقسام واضح بين الناس، دون أن ينحصر بتأييد عملية الإقالة أو رفضها، حيث من المبرّر لمن يراقب الأحداث في البرازيل أن يقرأها في سياق المؤامرة ضدّ حزب العمّال والرئيسة ديلما روسيف، وبتأثير مباشر من الأطراف الخارجية التي ترتبط بعلاقات معينة مع أحزاب برازيلية، ومع مجموعات رأس المال المهيمنة بحدود لا بأس بها على اقتصاديات البرازيل.
وفي هذا السياق، نشير إلى أن البرازيل تُعَدّ من الدول الصاعدة، وذات الاقتصاد الواعد، وهي واحدة من مجموعة دول الـ(بريكس: الصين + روسيا + الهند + جنوب إفريقيا + البرازيل) التي يُعوّل عليها العديد من المفكرين الاقتصاديين للعب دور هام في مسار الاقتصاد المعولم، والمفترض به أن يكتسح العالم، وخاصة العالم الثالث بمنتجاته وإبداعاته. كما أن الأهمية الاستثنائية للبرازيل ودول منطقة أميركا الجنوبية اللاتينية لا تأتي فقط بسبب من موقعها المجاور للولايات المتحدة، بل تأتي باعتبارها من دول العالم الأساسية في إنتاج المواد الخام واستيراد المواد المُصَنَّعَة في الوقت نفسه.

إلى الأعلى