الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الأرض والزراعة في عُمان من خلال كتاب المصنّف
الأرض والزراعة في عُمان من خلال كتاب المصنّف

الأرض والزراعة في عُمان من خلال كتاب المصنّف

كتاب المصنف للنشاط الزراعي بعمان:
يعد البحث في النشاطات الاقتصادية من المباحث الهامة في صياغة تاريخ البلدان، فهي تعكس طبيعة المجتمع وأساليب حياته. وفي بلد مثل عمان الذي يعتبر من أكثر البلدان التي كانت تعتمد في معيشتها على الزراعة وما ينتجه الفلاح من الأرض، وبالتالي فإن النشاط الزراعي يعد محورا أساسيا في اقتصادها. ومنذ أن دخل الإسلام إلى تلك البلاد طوعا صبغت كل معاملاتها الاقتصادية والزراعة منها بالطابع الاسلامي.
وهنا لابد من الاشارة إلى أثر الأوضاع السياسية التي شهدتها عمان منذ القرن الاول الهجري وكيف أثرت تلك الأحداث في صياغة شخصية مستقلة لإقليم عمان منذ منتصف القرن الثاني الهجري ، ونقصد به إعلان الأمامة الإباضية الأولى بعمان. والتي كانت إعلانا لاستقلال الإقليم عن التبعية للدولة الأموية. ومن المعروف أن دولة الامامة التي قامت على الشورى كان العلماء هم عمادها وهم أهل الحل والعقد، والذين أخذوا يصنفون المدونات الفقهية وفقا للمذهب الذي تعتنقه دولة الإمامة، ونقصد المذهب الأباضي. ولما كانت غالبية تلك المدونات هي اسجابة لواقع المجتمع وحل المشكلات التي تواجههه، فقد نال النشاط الزراعي اهتماما كبيرا من لدن أصحاب تلك المصنفات الفقهية. ويظهر ذلك جليا عند استعراض كتاب المصنف كنموذج للفقه الاباضي في القرن السادس الهجري، فإن الباحث يجد أن صاحبه قد خص النشاط الزراعي وملحقاته بأكثر من باب من أبواب الكتاب. ويمكن عرض أوجه النشاط الزراعي بعمان على النحو الآتي:

الأرض في عمان:
تعد أرض عمان أرض صلح، فقد دخل أهل عمان الاسلام طوعا، استجابة لدعوة الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم- التي وجهها في السنة الثامنة للهجرة إلى ملكي عمان آنذاك جيفر وعبد ابني المستكبر الجلندى. وتجدر الاشارة الى أن تلك الرسالة والتي حملها عمرو بن العاص الى الملكين تضمنت اعترافا من قبل الرسول بديمومة ملكهما واستمراره إن دخلا في الإسلام. وبالتالي فأهل عمان لا يؤدون لبيت المال سوى ضريبة العشر. وهذا ما أجمع الفقهاء بأن ” كل أرض أسلم عليها أهلها فهي أرض عشر”. وقد جعل الفقهاء أرض الجزيرة العربية كلها أرض صلح. وأرض الصلح تبقى بأيدي أصحابها يدفعون عنها الضريبة تبعا لقواعد الشرع.

أنواع الارض:
تنوعت طبيعة الأرض حسب مصدرها وطرق استغلالها. وقد عالج الكندي كل نوع منها من حيث مشروعيته وطبيعته وطرق استغلاله. وتقسم الأرض بناءً على ذلك إلى:
ـ أرض الصوافي:
حددت كتب السياسة الشرعية وكتب الخراج الصوافي بأنها الأراضي التي كانت تعود ملكيتها قبل الاسلام إلى ملوك الفرس وأتباعهم أو أباطرة البيزنطيين، وكذلك كل أرض جلا عنها أصحابها خوفا من المسلمين. وأول من اتبع هذه السياسة الخليفة عمر بن الخطاب الذي فتحت في عهده بلاد فارس والروم. ” أصفى كل أرض كانت لكسرى أو لآل كسرى، أو رجل قتل في الحرب، أو رجل لحق بأهل الحرب، أو مغيض ماء، أو دير بريد “.
من المعروف أن المناطق الساحلية من عمان كانت تحت سيطرة الفرس، والذين رفضوا اعتناق الاسلام. فوجد جيفر وعبد ابني الجلندى بالإسلام سلاحا روحيا وحد العمانيين لطرد الفرس من بلادهم. لذا تعد الأراضي التي كان يمتلكها هؤلاء الفرس أرضا صافية للمسلمين. وفي المدونات الفقهية العمانية عرفها ابن محبوب:” هي ما أخذ من أيدي المشركين بالسيف من الأرض أو الدور”.
// وحدد الكندي أصول أرض الصوافي بعمان:
أرض كانت بيد المجوس من الفرس الذين كانوا يحتلون عمان قبيل قدوم الإسلام إلى أرض عمان، فخيروا بين الاسلام أو ترك الارض ومغادرتها.
//أرض اغتصبها السلاطين الجبابرة من أهلها:
وأورد رأيا لبعض الفقهاء ان أرض الصوافي هي تلك الارض التي كانت لقوم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين خيروا بين الاسلام أو الجزية، أو القتال:” فبعث إليهم أبو بكر عامله أن يسلموا أو يأذنوا بحرب أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أو يجلوا عن أموالهم ويجعلوها للمسلمين، فعجزوا عن المحاربة، وخافوا أن يأتي القتل على آخرهم، وامتنعوا عن الاسلام، واعتصموا بالكفر، وأنفوا من أعطاء الجزية على الصغار والكبار، فافتدوا بأموالهم واختاروا تركها”.
وقد أورد الشيخ الكندي رأي فقهاء الاباضية في حكم التصرف بأرض الصوافي، فأشار إلى أن الارض التي صارت صافية باغتصاب( سلاطين الجور) فإنه لا يجوز التصرف بها، وإنما ترد إلى أصحابها. أما الأراضين الأخرى فهي فيء لعامة المسلمين، يقسمها الإمام بين رعيته حسب الشرع، وبمشورة العلماء.
ولا يجوز البيع من أرض الصوافي الا برأي الإمام العدل وموافقته ووفق شروط معتبرها أهمها: أن تكون البلاد في حالة الحرب ” فيجوز للإمام أن يبيع منها إذا خاف على الدين والدولة أن تذهب، باعها واستعان بذلك على الحرب”. وفيما عدا ذلك فبيعها غير جائز، وعدم الجواز ينطبق على الامام غير العادل، والسلاطين المتغلبين. وفي مثل هذه الحالة، فإن قام امام عدل فعليه رد تلك الاراضي دون أن يدفع ثمنها.
وكانت الاستفادة من أرض الصوافي متاحة لجميع المسلمين فقيرهم وغنيهم.

أرض الرموم:
الرموم جمع، مفردها رمّ، والرم هو أرض غير مملوكه لأحد، تكون بين العمران، لم تكن تُستعمل لشيء، أو كانت تُستعمل من قبل ثم هُجرت. وينتقل الروم من ” الأسلاف إلى الأخلاف ما لم يجتمع أهله على نقضه”. فهي أرض مشترك الاستفادة لأهل القرية دون أحقية لأحد التصرف بشيء منه بيعا أو هبة، أو نحو ذلك.
وهذا النوع من الأرض كان منتشر في عمان قبل الاسلام. وقد أشار الكندي الى ذلك بقوله ” الرَّم قسم في الجاهلية، ثبت في الاسلام، فعلى هذا أهل عمان، وأنه غير موروث ولا مقسوم ولا يباع ولا يشترى ولا يبنى فيه ولا يفسل. ومن مات فلا شيء لورثته إلا كواحد من أهل الرم.
لم يكن يسمح بأي نشاط في هذه الأراضي غير الزراعة. وكانت زراعة أرض الرموم تتم بالمشاركة، فلو زرعها بعضهم، فعلى الجميع المساهمة في دفع تكاليف الزراعة أن كان المزارع من أصحاب الرم، وإن كان من غيرهم” فعليهم أن يردوا عليه بقدر عنائه”.
وتنفرد هذه النوعية من الارض بأنها ليس لها نظام متعارف عليه في كل البلدان. فكل بلدة لها عُرفها في تصريف أمر رمومها، كما كان الحال عليه في إزكي ونزوى. وكان يتولى الاشراف على الرموم الجباة ” أهل الجبهة”.

الأثارات:
يظهر مما أورده الكندي عن أرض الاثارات تداخلها في المفهوم مع الرموم. وأوضح بأنها تمتاز عن الرموم أنها “ما كان سبق بها العمران”. ” وتكون غير ملك لأحد”. وهذه الأرض يجوز لأي أحد أن يزرع فيها من غير أذن من أحد. كما أنه ليس لأحد أن يمنع الناس من الاستفادة منها في الرعي أو الاحتطاب وقطع الاشجار غير المثمرة.

أرض الموات:
لا خلاف في الرأي حول مفهوم وطبيعة الأرض الموات بين فقهاء الاباضية وفقهاء المسلمين من أتباع المذاهب الاخرى. فالموات عند الشافعي ” كل مالم يكن عامرا ولا حريما لعامر، فهو موات وإن كان متصلا بعامر”. وقال ابو حنيفة :” الموات ما بعد عن العامر ولم يبلغه ما”. فلا يختلف الفقه الاباضي في مسألة مفهوم الأرض الموات، إلا أنه قسمها إلى نوعين، وهذا ما أورده الكندي في المصنف:
أرض كانت عامرة في الاسلام، ثم ذهبت عمارتها، فصارت تلك الأرض مواتا. وهذا النوع من الأرض لا يجوز التصرف به الا بإذن أهله.
النوع الثاني هي الأرض التي لم يتملكها أحد في الاسلام ولم تكن معمورة في الجاهلية. فهذه الأرض الموات التي يحق التصرف بها” فهي أرض لله ورسوله”.
وحدد الكندي أماكن انتشار تلك الأرض بقوله:” التي تخرج من عَمار الناس والقرى ولا تدخل في الرموم التي يحوطها الناس وتعرف بهم”. واشترط الفقهاء ملكيتها بالإحياء اعتمادا على ما جاء في السنة . قال الرسول صلى الله عليه وسلم:” الأرض لله، فمن أحيى منها مواتا فهو له”. وعلامة الاحياء للأرض:” إذا عمرها وأصلحها وأغشاها الماء، فقد عمرها؛ لأن الإحياء هو الماء لقوله تعالى[ يحيي الأرض بعد موتها]“. والاستفادة من الأرض الموات متاح لجميع المسلمين. ولكن لا يجوز لذمي إحياء جزء منها.
وقد اتفق فقهاء الاباضية مع غيرهم من الفقهاء المسلمين أيضا في نوع الضريبة التي تفرض على الأرض الموات، فهي أرض عشرية وهذا ما أورده الكندي.

أراضي الوقف والوصايا والسبيل:
لم نجد من خلال كتاب المصنف انتشارا واضحا للأوقاف. ونقصد بذلك محدودية الدور الذي لعبته الأوقاف في الحياة العامة، فلم تتعدى الوقف على المساجد وبعضا يسيرا من حاجات الناس، فلا وجود لأوقاف للأغراض العلمية كالمدارس أو الخدمات الصحية أو المرافق العامة.
وتجدر الاشارة إلى أن فقهاء المذهب الاباضي في عمان عادة ما يقرنون بين الوقف والوصايا. ولعل ذلك عائد إلى أن غالبية تلك الوقوف والوصايا كانت لمصالح المساجد. وقد تنوعت الأوقاف والوصايا لهذه الغاية. فبعضهم أوقف النخل لمصالح المساجد، وبعضهم جعل عبدا لخدمة المسجد. كما أوقف البعض نخلا لإفطار الناس في رمضان. وبعضهم أوصى بالأموال لإضاءة المسجد بالقناديل والسرج.
وبعض الناس كان يوصي بنخل للمسجد. ويكون التصرف بها مشروطا برأي صاحب الوصية، فالبعض أوصى بغلة النخل لاصلاح المسجد وتجديده، وبعضهم لشراء القناديل والحصير والدهن للسرج والقناديل.
وكانت الأرض والنخل الموقوفة تحت إشراف الثقات من أهل البلد، الذين يتولون الاشراف عليها وتنميتها وصيانتها، وكذلك يقومون على جمع ثمرها وغلتها لصالح الجهة التي خُصصت لصالحها.
ومن الوصايا التي أشار اليها أن بعض الناس كان يوصي بمال لصيانة الافلاج وتصريجها.
أما السبل فقد تنوعت فالبعض حفر آبارا لمياه الشرب، ووفر فيها الدلاء لمصلحة عابري السبيل. وبعضهم سبَّل الخروس على الطرقات. وكان هناك من سبل الماء في الأسواق.
والفرق بين الوقف والسبيل أن الأولى وقفها مؤبد لا يجوز التراجع عنه. بينما السبل، فلصاحبها الرجوع عن تسبيلها وله الحق في بيعها.
ولم يغفل صاحب المصنف الاشارة الى بعض أوقاف أهل الذمة بعمان، ومن تلك الاشارات وقف نخل على بيعة للنصارى وغن لم يحدد مكانها.

مصادر الري:
نظرا لأهمية المياه في الحياة بشكل عام وللنشاط الزراعي بشكل خاص، فقد أبرز الكتاب اهتمام الفقهاء الكبير بالعناية بمختلف مصادر المياه المتوفرة في عُمان في تلك الفترة من حيث أنواعها، وآلية شقها، وحمايتها، وآليات تقاسمها، والمعاملات التي تجري عليها وفقا لمصلحة الناس واحتياجاتهم. وتأتي الأفلاج والآبار كأهم مصدرين من هذه المصادر التي أولاها الكندي اهتماما كبيرا.
كان للأفلاج دور في الحياه العمانية، فحياة الإنسان العماني مرتبطة بهذا النظام. فالفلج ليس مجرد نشاط زراعي، بل هو منظومة اقتصادية اجتماعية، شارك الجميع في تشكيلها. كما أن نظام التوزيع والاشراف على ادارة الفلج تعكس تلك الروح التعاونية التي اسهمت مع السنين والأيام في تشكيل الطبيعة المتسامحة للمجتمع العماني، كما أنه يعكس في الوقت نفسه طبيعة المجتمع المدني الذي كان يرغب في التطور والازدهار الاقتصادي.
أوضح الكندي أن الافلاج على نوعين حسب تاريخ إنشائها: أفلاج جاهلية. ويقصد بها الأفلاج القديمة التي كانت بعُمان قبل الاسلام، والأفلاج الإسلامية. ويقصد بها تلك الافلاج التي استحدثت بعد دخول الاسلام أرض عُمان.
وكانت شؤون الفلج وصيانته وآلية توزيع مياهه تسند الى جماعة من أهل البلد المستفيدين منه، وتعرف بالجبهة، وهم” الثقات وقيل الرؤساء النافذ أمرهم”. كما يتولى هؤلاء مراقبة استخدامات مياه المسموح بها، ومنع استخدامته في غير ما تعرف عليه كأعمال البناء ونحوه.
وكانت مياه الفلج تستخدم في الحوادث غير الطبيعة التي تحل بالقرية وخاصة في حال وقوع حريق.
ولحماية الأفلاج وديمومة جريانها، كان العرف السائد لدى المستفيدين من الفلج ومياهه عدم حفر آبار في المناطق المحيطة بالفلج فيما تعارف عليه بـ “حريم الفلج”، والذي حدد بمسافة بين 300 و500 ذراع.
وكانت الأفلاج تتعرض في بعض الحالات للخراب أو التدمير بسبب غزارة السيول وخاصة في مواسم الأمطار. ولغاية إصلاحها، أو القيام بأعمال التنظيف الدورية لها أو للسواقي( )، فإن الجبهة ( الهيئة المشرفة) على الفلج تكلف أحد بالمنادة بأهل القرية للمشاركة في عملية إصلاحه” اذا نادى المنادي بشحب الفلج في القرية، واشعروا بذلك النداء، فمن تخلف عن ذلك فقد قامت عليه الحجة؛ لأنه ليس على الجباة أن يبلغوا الناس في منازلهم”. ومن يتخلف عن المشاركة فإن الجبهة المشرفة تقوم باستئجار أحد الفَعلة لليقام بذلك نيابة عنه، ويتحمل الغائب تكاليف ذلك
وفي بعض المواسم تقل كمية المياه الجارية في الفلج. وقد عالج العُمانيون ذلك ببناء الأجائل لتجميع المياه ثم إطلاقها للسقي بعد أن تتجمع الكمية الكافية.
واستغلت مياه الأفلاج في ادارة الرحى التي تستخدم في طحن الحبوب.
وكانت الآبار المصدر الثاني المهم للمياه في عُمان في تلك الفترة. وتعرف بالآبار الزاجرة. وقد ورد في المصنف ما يوضح الاهتمام الكبير بها، وطرق حفرها، حيث كانت الاتفاقات تجري بين أصحاب البئر وحُفَّار الآبار. وكانت ملكية الآبار مشركة بين أهل القرية، أو تكون مشتركة بين أكثر من شخص.
ونظرا للتقارب بين الأراضي الزراعية كان يحدث تقارب للآبار التي يتم حفرها، مما يؤدى إلى حدوث منازعات بين أصحاب تلك الآبار حول تأثر مياه كل من البئرين باستنزاف المياه من إحداهما مما أسهم في وضع قواعد وضوابط وأحكام لحماية الآبار من الإضرار بمياهها، ومن هذه الضوابط: أن المسافة يجب ان تكون بين البئرين 300 ذراع حتى تزجر الآبار، فإن نقصت المسافة عن ذلك فلا يسمح بزجرها. ومن الظوابط أيضا شهادة العدول، أو سكب مادة القطران فيها لينظر هل يخرج في بئر جاره أم لا. وحفاظا على المياه من التسرب يتم بناء السواقي. وكذلك الحياض التي يتم تجهيزها بالقرب من الآبار لسقي المواشي. فكانت تشيد بالصاروج.
وكانت تلك الآبار تجهز بالحبال والدلال. والدلاء على نوعين: الصغير وهو المخصص للشرب، والكبير الذي به تسقى المزوعات.

العاملون في الزراعة:
اعتمد النشاط الزراعي واستصلاح الأراضي بشكل كبير على العبيد السود الذين كانوا يجلبون من بلاد الزنج والحبشة، حتى اشتهر في عمان مصطلح ” عبيد الباطنة”. ويظهر من خلال فتاوي الشيخ الكندي مدى الظلم الذي كان يعانيه هؤلاء من قبل ملاكهم. فلم يكتفوا بعمل عبيدهم في الزراعة طوال النهار، بل كان يجبره على زجر المياه واستخراجها للري وسقي الماشية، إضافة الى رعي الأغنام.
وعلى الرغم أن زجر المياه كانت من اختصاص الرجال، إلا أن بعضهم كلف جواريه من النساء للقيام بهذا العمل.
المحاصيل الزراعية:
كانت النخلة عماد النشاط الزراعي العماني. فلا تجد بيتا في المناطق التي اشتهرت بزراعة النخيل الا وفيه نخلة أو أكثر . أما الملاك الكبار فقد امتلكوا مزارع واسعة من النخيل. ولانتشار النخيل بأنواعه المختلفة، فقد كثرت الإشارة إليه في الكتاب، من حيث فسله وزراعته وقطافه. وفي النص التالي دليل على عظم الثروة الزراعية من النخل في عمان، فقد أشار الكندي الى أن أحدهم باع نخلة بستين درهما. فمن هذا ندرك عظم الثروة التي كان يمتلكها العماني آنذاك. كما أشار الكندي إلى أحد عوامل تلفه والمتمثل بالحَمْام ” إذا ثقب عذوق النخل فسقط التمر”
وانتشرت في عمان زراعة الكثير من المحاصيل الموسمية والأشجار المثمرة بأنواعها. فمن المحاصيل الحقلية: الذرة، والحنطة والشعير.
ومن أشجار الفاكهة: العنب، والرمان والنبق والجوز.
كما انتشرت زراعة البقل والبطيخ.
وازدهرت زراعة القطن التي قامت عليها الكثير من الصناعات المحلية التي يحتاجها المنزل والأسرة العمانية.
ومن المحاصيل المخصصة كعلف للدواب الشعير، وكذلك الحشائش التي تنبت بين المزارع والبساتين، بل إن بعض الفلاحين كان يحمي المزارع التي تكثر بها الحشائش لدوابه.
وازدهر انتاج العسل الذي يتغذى على مختلف أنواع النباتات المزروعة أو البرية، والصمغ والقرط.
ومع نهاية الموسم الزراعي وحلول مواسم حصاد المحاصيل، نجد أصحاب تلك المحاصيل يتحولون إلى (تجار موسميين). حيث يحمل كل منه ما زاد من محصوله إلى السوق لعرضه وبيعه على التجار. وقد عرف المكان الذي يعرض به هؤلاء المزارعين به محاصيلهم بالأنبار. والأنبار مصطلح فارسي يعني مخزن الغلات.

الخاتمة:
بعد الاستعراض العام لكتاب المصنف الذي يعد أبرز المصنفات الفقهية في القرنين السادس والسابع الهجريين يستطيع الباحث القول إنه لا غنى للمشتغلين بتراث عما وتاريخها الاسلامي من اعتمادها كمصادر أساسية في جمع مادته. وتنبع أهمية تلك المدونات إضافة إلى ندرة المصادر التاريخية الأخرى مما حوته بين ثناياها من مادة أصيلة في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع العماني آنذاك. كيف لا وتلك المدونان تعكس طبيعة المجتمع وعالجت الكثير من أنشطته الحياتية اليومية من خلال الفتوى التي تضمنتها تلك المدونات.
أما أهميتها الاقتصادية، فتنبع من خلال المعالجات الفقهية للقضايا الاقتصادية كالأرض وأنواعها وطرق استغلالها، والمحاصيل الزراعية التي كانت تزرع بها.
ولما كان شح المياه في عمان، فقد التفت الفقهاء إلى معالجة ذلك مفصلا، للحفاظ على ما توفر منها، وتحديد طرق استغلالها المشروعة. لذا نجد الشيخ الكندي قد تحدث مفصلا عن الآبار وأنواعها، والأفلاج وطرق حفرها والمستفيد منها، وصيانتها والمحافظة عليها، مع التركيز على الروح الجماعية المسؤولة عنها من مرحلة الحفر والبناء إلى مرحلة الاستفادة وما بعد ذلك من طرق الحماية والصيانة.

د محمد عبدالله القدحات
جامعة السلطان قابوس قسم التاريخ
qadahat@hotmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• هذه المادة هي ملخص بحث للكاتب حول كتاب المصنف للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي(ت557هـ 1162م) والذي قدمه الباحث الى ندوة: (نزوى تاريخ وحضارة). وقد قمنا بحذف بعض الفقرات والمراجع حسبما دعت موجبات ومساحة النشر

إلى الأعلى