الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

الحلقة السابعة
شق الطريق بين إعلام منغلق وأرض منبسطة
مثلما حصلت المقاومة الفرنسية على دعم إعلامي واسع وفي وقت مبكر جدا، فأن المقاومة الجزائرية قد حظيت بمثل ذلك الدعم الإعلامي، ويقول الدكتور رابح بلعيد (بدأت الثورة الجزائرية بنشر بيان في جريدة صوت الشعب الجزائري في عددها الاول ديسمبر 1954)، تحت عنوان، الجزائر تكافح من أجل استقلالها، وبعد أقل من شهر من انطلاق المقاومة الجزائرية جاء الدعم السياسي والإعلامي للمقاومة على أوسع نطاق، وأعلن عبدالخالق حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية في 25 نوفمبر 1954 تعيين سفير فوق العادة لجامعة الدول العربية هو الجزائري احمد منزغته.
لا شك أن عامل الإعلام يتزاحم مع السلاح في مستوى الأهمية، وإذا أعطت الدول أهمية قصوى للإعلام في الحروب، فأن أولى أوجه الدعم الذي حظيت به المقاومة الفرنسية والفيتنامية والجزائرية والفلسطينية، هو الدعم الإعلامي والرعاية الواسعة على هذا الصعيد، ولم تطلق رصاصة واحدة في تجارب المقاومة المشار إليها، قبل إطلاق الفضاء الإعلامي لها، وهكذا فأن تجارب المقاومة تقول، أن الكلمة أولا، وأن حرب الإعلام تحتل أولوية في سوح المعارك، إلا أننا نجد تفردا اخر تميزت به المقاومة العراقية، فقد انطلقت دون أن تحظى بدعم أو رعاية إعلامية، ففي الظرف الصعب والقاسي الذي نشأت وانطلقت فيه هذه المقاومة، وفي عصر العولمة،والأهمية الكبيرة للإعلام، لما له من تأثير بالغ في تهيئة الرأي العام والتعبئة، وشرح البرنامج السياسي للجهة التي إختارت المقاومة المسلحة، وقف الإعلام الدولي والعربي إلى جانب القوة الأميركية ودعم مشروع التعتيم على هجمات المقاومين العراقيين.
وبإعتماد الولايات المتحدة (الصدمة والترويع) خلال الاستعداد لغزو العراق،فأن الولايات المتحدة استخدمت واحدا من أخطر الأسلحة الحديثة الفتاكة في الحرب، ويقر الكثير من الخبراء في ميدان الاتصال، أن أميركا قد حققت نصرها السريع بقوة الإعلام قبل قوة السلاح، والمعضلة أن الأمر لم يقتصر على وسائل الإعلام الأميركية المعروفة فقط، بل أن الإدارة الأميركية أسست إذاعة (سوا) لتحل مكان إذاعة (صوت أميركا) التي انطلقت بعد الهجوم الياباني على (بيرل هاربر) عام1941.
وتم توظيف الغالبية العظمى من وسائل الإعلام العالمية العربية والعراقية لتعمل في خدمة الخطاب الأميركي وتروج له، ولم تكن هناك أية جهة أو وسيلة إعلامية تتبنى خطاب المقاومة العراقية، وتتأتى أهمية ذلك من الاتي:
1- دور وسائل الإعلام في إبراز دور المقاومة في التصدي للمحتل، والكشف عن إرداة جمعية أو على شكل مجاميع مقاومة وقفت بالضد من مشروع الاحتلال، وتأثير ذلك ينحصر في إثارة الحماسة عند الاخرين، ودفعهم للانخراط في المقاومة، وهذا لم يحصل في العراق.
2- في تجربة فريدة ونادرة في المقاومة العراقية، التي انطلقت بفعل قتالي، قبل أن تكون هناك واجهات سياسية تعبر عن مشروع المقاومة السياسي، فأن التضييق على خطابها وإطلاق يد وسائل الإعلام المعادية للمقاومة، يؤثر ذلك بقوة في البيئة الشعبية الحاضنة للمقاومة، التي تحدث عن أهميتها الزعيم الصيني(ماوتسي تونغ). وعلى الطرف الاخر، فأن توجهات المقاومة ومشروعها يبقى في غياهب المجهول.
3- شنت وسائل الإعلام الأميركية والعالمية والعربية والعراقية التي ظهرت في ظل الاحتلال حملات منظمة بقصد تشويه المقاومة العراقية، وتم توظيف فضائيات وإذاعات وصحف وعقول ومحلليين وكتاب وصحفيين وفنيين بالالاف لتنفيذ هذا الهجوم الإعلامي الواسع.
بذلك تكون المقاومة العراقية قد حُرمت من الدعم الإعلامي نهائيا، خلاف ما حصلت عليه المقاومات في العالم، كما أنها تعرضت لعمليات إعلامية واسعة بقصد التأثير على روحية المقاومين وتضييق البيئة الحاضنة لهم.
ومن بين أكثر من مائتين وعشرين الف هجوم شنه المقاومون العراقيون ضد قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية وقوات الاحتلال الاخرى، من بينها ما يزيد عن مائة الف هجوم موثق بالصوت والصورة، وتم إرسال غالبيتها إلى وكالات الانباء والفضائيات العربية والاجنبية،لم تُبث من تلك الهجمات ما نسبته واحد من الالف من تلك الهجمات، وفي حال ظهرت صورة فديوية لهجمة ما ضمن سياق خبر أو تقرير أو برنامج سياسي،فأن ما يتم بثه من هجوم موثق وقته أكثر من دقيقيتين، لا يتجاوز البث التلفزيوني العشر ثواني في افضل الاحوال، وبينما بثت قناة الجزيرة نتفا ضئيلة جدا من بعض الهجمات، فأن الفضائيات الاخرى وفي مقدمتها قناة العربية لم تبث أو تذكر لفظ المقاومة العراقية على الاطلاق، وهذا الحال ينطبق على الفضائيات الاخرى، في حين خصصت تلك الفضائيات والصحف والاذاعات العراقية والعربية والدولية مساحات واسعة من نشاطها الإعلامي اليومي لتشويه صورة المقاومة العراقية بمختلف الوسائل.

(26)
رابعا: التضاريس
أولى منظرو الحروب وزعماء المقاومة البارزين في العالم أهمية استثنائية لعامل التضاريس، لما له من أهمية وأثر بالغ في تحديد نتائج الكثير من المعارك الصغيرة والهجمات التي تشنها المجاميع المقاومة على العدو، ويوجه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ مقاتليه أثناء مقاومتهم للاحتلال الياباني مطلع القرن العشرين بقوله (أن مناطق تواجد المقاومين تتوزع على ثلاث مناطق رئيسية هي: المناطق الجبلية، والسهول وتلك التي تكثر فيها الأنهار والبحيرات والخلجان) ويقسم المناطق نظرا لطبيعة الأرض، ويقول ماو تسي تونج، أن المناطق الجبلية هي الأفضل لشن الهجمات على العدو، إذ أن قوات المقاومة في المناطق الجبلية،يمكنها بصورة دائمة أن تحطم حملات التطويق والهجوم، وتصمد في قواعدها، أما في السهول فأن الأمر يختلف، إذ ينبغي على المقاومين في هذه المناطق التي تكون مفتوحة ومكشوفة أكثر، أن يفكروا في حال تعرضوا لهجوم، على ضوء الظروف القائمة واتخاذ التدابير اللازمة، وأهمها سحب أكبر عدد ممكن من المقاتلين، والإبقاء على مجاميع منفردة غير مكشوفة، وما أن ينسحب العدو حتى تعود قوات المقاومة إلى الانتشار في تلك السهول، وهنا يفترض الزعيم الصيني وجود جبال بالقرب من السهول، حيث ينتقل العدد الأكبر من المقاومين إليها، ويصنف المناطق التي تكثر فيها الأنهار والبحيرات والخلجان بأنها أفضل من السهول في تنفيذ هجمات المقاومين ضد العدو، إلا أنها أقل أهمية من تلك المتوفرة في المناطق الجبلية، ويفرد تشي جيفارا مساحة واسعة للتضاريس وأهميتها في تنفيذ الهجمات من قبل المقاومين في كتابه (حرب العصابات) (27) الذي صدر العام 1960، ويضع أول عامل لنجاح المقاومين في شن هجمات ناجحة، هو طبيعة الأرض التي يتحرك عليها المقاومون ويقول (أن وجود الجبال والأرض الوعرة والغابات والاحراش من أهم عوامل دعم المقاومين وضمان نجاح هجماتهم دون تقديم أية خسائر، وأن الأرض المناسبة لشن الهجمات هي الجبال) ويقول جيفارا ايضا، أن (الجبال تحمي المقاومين من أذى الطيران وأنها الأماكن الملائمة لتنظيم الأفراد المقاتلين، وتجهيزهم للقتال).
ولا تختلف أفكار وطروحات كبار المفكرين الاستراتيجين حول أهمية الطبيعة في نجاح المقاومة وديمومتها،وتبرز أهمية التضاريس من جبال وهضاب وأحراش في التجارب التي نحن بصدد دراستها، وهي التجربة (الفرنسية والفيتنامية والفلسطينية والجزائرية) نظرا لكثرة الجبال والهضاب في هذه الدول، إلا أن هذا العامل الذي أولاه جميع المفكرين والاستراتيجيين وقادة المقاومة في العالم أهمية استثنائية، نجده غائبا بصورة تامة في تجربة المقاومة العراقية، وسنوضح ذلك بالتفصيل من خلال تقديم وصف جغرافي كامل للمناطق التي تتوزع فيها القواعد والمعسكرات لقوات الاحتلال الأميركية والبريطانية وغيرها من قوات الاحتلال للدول الاخرى، سواء مئات القواعد والمعسكرات (للقوات الأميركية لوحدها 505 قاعده ومعسكر) أو القواعد الـ (15) الأميركية الكبرى(28)، وطبيعة الأرض التي توجد فيها الطرقات التي تسلكها القطعات الأميركية والبريطانية للانتقال في مناطق العراق المختلفة، وفي التواصل بين هذه القواعد والمعسكرات. لذلك نعتقد بأن دراسة طبيعة سطح الأرض في تجربة المقاومة العراقية واحدة من الجوانب الهامة، إذ يكتشف الدارسون والباحثون والمفكرون والعاملون في مجال العلوم العسكرية، أن شرط وجود الجبال والهضاب والغابات والاحراش لنجاح المقاومة في كل مكان وزمان غائب في التجربة العراقية، وهو العامل الاخر الذي يقف بالضد من المقاومة العراقية، أن غياب هذا العامل بصورة نهائية، وفي عصر التطور التكنولوجي الهائل الذي تمتلكه قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية، مقابل الإمكانات البسيطة للمقاومة العراقية، بل أن غالبية الأسلحة التي انطلقت فيها المقاومة العراقية كانت بسيطة، لذلك فأن هذا الأمر يستدعي الخوض في أعماق وخصوصية التجربة العراقية في المقاومة، مع استحضار جميع العوامل، ومن بينها مسألة الأرض المنبسطة والمفتوحة، التي تنفذ فيها المقاومة العراقية هجماتها الكثيرة والواسعة.
بما أن العلاقة وثيقة جدا بين أماكن اختباء المقاومين التي تساعد على تنفيذ الهجمات من قبل المقاومين، على شكل كمائن، ومن ثم يصبح الانسحاب والاختفاء يسيرا، وإزدياد الهجمات النوعية وقلة الخسائر في صفوف المهاجمين، فلا بد من إعطاء صورة مكثفة لطبيعة الأرض في الدول التي شهدت مقاومة ضد قوات الاحتلال، ما ساهم بقوة في تحقيق النصر لها في نهاية المطاف، فنجد في الجزائر عدة سلاسل من الجبال، أهمها سلسلة جبال أطلس، جبال جرجرة، جبال الونشريس، وجبال الهقار، وتتكون جبال أطلس من سلسلتين جبليتين وهي موازية للساحل الجزائري الذي يمتد على مسافة 1200كم، أما حدود الجزائر فتبلغ 6343 كم ومساحتها (2،381،731كم)، وهناك الهضاب الداخلية في الجزائر، وهي مناطق مرتفعة وأهمها مرتفعات تبسة، الحضنة، أولاد نايل العمور والقصور.
ولاشك أن حدود الجزائر الطويلة، قد ساعدت في تأمين الإمدادات التي كانت تأتي إلى المقاومين من الخارج، وبدون شك فأن سلسلة الجبال والهضاب قد أسهمت في إعطاء زخم للمقاومة الجزائرية، إذ كانت الملجأ للمقاتلين الذين تطاردهم سلطات الاحتلال الفرنسية.
في فلسطين توجد مجموعة من الجبال أهمها، جبال الجليل ويبلغ معدل إرتفاعها ثمانمائة متر، وجبل الجرمق هو أعلى جبال فلسطين وتبلغ قمته 1100م، وهناك جبل كنعان، وجبل الكرمل، ومرتفعات الجليل وجبل الطور، وهناك جبال القدس والخليل.
تواجدت الغالبية العظمى من المقاومين الفرنسيين التابعين لفرنسا الحرة بقيادة الجنرال شارل ديجول في المناطق الجبلية،ويقول ديجول بهذا الصدد (أن الحركات المقاومة التي كانت تعمل في المناطق الجبلية الوعرة الشائكة، استمروا هناك ولم يبرحوا المكان، لأن وجودهم في تلك الاحراش هو الأفضل، إذ تتوفر لهم الظروف الأمنية، للاستعداد لتنفيذ هجماتهم ضد قوات الاحتلال الألماني) مذكرات ديجول ص 139. وبدون شك أن التضاريس الفرنسية مثالية بالنسبة لهجمات المقاومين، إذ تنتشر سلاسل الجبال والغابات والأحراش، وهو وضع مثالي لنمو المقاومة وانتشارها وضمان أمن المقاومين من خلال توفير الأماكن الامنة لتجمعاتهم، وعدم قدرة الجواسيس الوصول اليهم ،إضافة إلى الاختباء في الكهوف الحصينة، التي تحميهم من قصف طائرات العدو.
بالنسب للتجربة الفيتنامية فيما يتعلق بأهمية التضاريس، نورد المثال التالي، عندما بدأت القوات الأميركية باستخدام الطائرات في القصف العنيف لمواقع المقاومين الفيتناميين (الفيتكونج) عام 1962 مستفيدة من العدد الكبير من المستشاريين الأميركيين والخبراء البريطانيين، والخبراء الفرنسيين وتجاربهم في فيتنام والجزائر، تسبب كل ذلك بتدهور موقف المقاومين الفيتناميين، وتذكر الموسوعة الفيتنامية، لقد تكبد الفيتكونج خسائر جسيمة بسبب الغارات الجوية، خاصة في قرية اب باك، ضمن منطقة دلتا الميكونج، على بعد اربعين ميلا من سايجون، والسبب بكل هذه الخسائر لأنه لا توجد جبال في هذه المنطقة، ولا توجد غابات، (لذلك فكر قادة المقاومة بإيقاف المقاومة في هذه المناطق) وجرت نقاشات واسعة بهذا الشأن وقرروا الاستمرار بالمقاومة خشية فقدان الثقة بها في الأوساط المؤيدة لها (الوسط الفلاحي الفيتنامي). ومن المعروف أن دلتا الميكونج قد تكون المنطقة الوحيدة التي ليس فيها الجبال والغابات والاحراش، ولمجرد فقدان هذا العامل فقد واجهت المقاومة الفيتنامية صعابا جمة، لدرجة تفكير الكثير من زعاماتها اللجوء الى إتخاذ قرار إيقاف نشاطات المقاومة على الاقل في تلك المناطق، وعلينا أن نتذكر أن القوة التي الحقت الخسائر الجسيمة بالمقاومين الفيتناميين هي الطائرات، ونحن نتحدث عن أسلحة وطائرات بتقنية وإمكانيات بداية ستينات القرن العشرين، أي قبل غزو العراق بما يقرب من نصف قرن، وهو زمن هائل بالقياس إلى التطور اليومي والسريع الذي يشهده قطاع السلاح ومعه أجهزة الرصد والاستمكان الإلكتروني، وما أضافته الولايات المتحدة لقواتها المسلحة خلال الحرب الباردة وحقبة التنافس مع الاتحاد السوفيتي، والأهم من ذلك مرحلة التطور التقني الهائل في ميدان الإلكترون، والاستحضارات الأميركية لقيادة العالم تحت سطوتها العسكرية المعروفة بتفوقها المطلق، ورغم الحصار الشديد الذي فُرض على المقاومة الفيتنامية خلال حرب العمليات الخاصة، التي رسمها وقادها ماكينمارا وزير الدفاع الأميركي ورئيس الأركان تايلور، واستحداث القرى الاستراتيجية التي هدفت عزل المقاومين عن محيطهم وحاضنتهم، إلا أن المقاومين تمكنوا من استعادة نشاطاتهم بعد أقل من سنتين، ومن هنا تبرز أهمية الجبال والغابات والوديان ،إذ لجأ المقاومون إلى الجبال ليعاودوا نشاطهم وهجماتهم ضد القوات الأميركية.
أصبح واضحا أهمية هذا العامل في تجارب المقاومة، وأي دارس وباحث يتعمق في دراسة تجارب المقاومة في العالم، سيكتشف أن وعورة الأرض والجبال والأحراش أهم عوامل نجاح المقاومة في هذا البلد أو ذاك، وإذا أعتبر السوفيت أن (جنرال ثلج) قد ساهم بقوة في إلحاق الهزيمة بالجيش الألماني، الذي استهدف موسكو خلال الحرب العالمية الثانية، فأن القول أن (جنرال التضاريس والوعورة والأحراش) هو الجيش الجرار الذي وقف إلى جنب الغالبية العظمى من المقاومين في مختلف تجارب الشعوب، الذين تمكنوا من الصمود والاستمرار، يضاف إلى ذلك وبدون أدنى شك العوامل الاخرى، التي ناقشناها في سياق تناولنا لظروف نشأة وانطلاق المقاومة العراقية، ويتضح دور هذا العامل في التجربة العراقية من خلال دراسته التفصيلية التالية:
أثناء جولة لي في مناطق شمال العراق صيف عام 2004، ونحن نسير بين الجبال الشاهقة، حيث تنتصب الصخورالعملاقة، وتجد بين مخبأ واخر مخبئا، قلت في نفسي، لو حصل الوجود الأميركي في مثل هذه الأماكن أو مايشابهها في مناطق العراق الاخرى، لما تمكنت قواتهم من البقاء لستة أشهر، في تلك اللحظات، كنت استحضر حجم العمليات التي تنفذها المقاومة العراقية، ضد القوات الأميركية في أرض منبسطة تماما، ويتفق الخبراء في العلوم العسكرية ومنظرو حرب العصابات، أن أول أعداء المقاتلين والمقاومين هو (الأرض المنبسطة وعدم وجود الأحراش والغابات).
أن الأراضي التي بدأت فيها أولى عمليات المقاومة العراقية وتواصلت بعد ذلك، هي أرض منبسطة جدا، إذ لا توجد جبال ولا تلال وليس هناك غابات واسعة تمتد لمسافات كبيرة، وهنا لابد من الإشارة إلى مسألة مهمة، إذ أن التصور الجمعي عند العراقيين قبل الغزو الأميركي قد تكرس بإتجاه خطورة التقنيات الأميركية، بما وصلت إليه من التفوق والتطور، لدرجة أن أجهزة الرصد الجوي والاستطلاع (الاقمار الاصطناعية) التي تغطي سماء العراق، لديها القدرة على الاتي – حسب ما تصوره العراقيون قبيل الغزو:
1- اكتشاف أية حركة وتصويرها بدقة متناهية.
2- القدرة على متابعة الهدف المتحرك (للأشخاص والعجلات) والوصول إليه في أي مكان.
3- رصد الحوارات والأحاديث بين الأشخاص وتحليلها بسرعة فائقة، والتعرف على فحوى مايدور بين الناس.
وقد تعززت هذه القناعات نتيجة لسرعة تقدم القوات الأميركية، واجتياحها للقطعات العراقية خلال فترة قياسية (بدأ الغزو19/3/2003 وتمت السيطرة على بغداد في 9/4/2003، وتمكنت القوات الأميركية من دخول مطار بغداد مساء الثالث من أبريل 2003). يضاف إلى ذلك الحكايات والروايات، التي نقلها العسكريون العراقيون عن الدقة المتناهية للصواريخ الأميركية في إصابة الأهداف العراقية مثل مقرات الجيش والحرس الجمهوري، الدبابات، المدافع وتجمعات القوات في مختلف المناطق والمعسكرات.
اجتمع هنا عاملان قويان ومؤثران في الجانب النفسي، فمن ناحية يشعر المرء بأنه أمام قوة أميركية عملاقة وهائلة، سواء من حيث المعدات الثقيلة (الطائرات والدبابات والمدافع، أو القوات البشرية على الارض، وبالاخص قوات المارينز المعروفة بقوتها وسطوتها، يضاف إلى ذلك القدرات التكنولوجية الهائلة).
بالمقابل فأن المقاومة العراقية لا تمتلك عوامل مضادة لما تمتلكه القوات الأميركية، ومن أهم تلك العوامل، القدرة على الحركة والمناورة وسرعة الاختباء بعد تنفيذ هجماتها، ولاشك أن هذا العامل لا يتوفر بدون تضاريس تكفل تأمين ذلك.
يمكن الجزم، بأن التضاريس قد وقفت ضد المقاومة العراقية بصورة لا مثيل لها في تجارب المقاومة في العالم، فأزاء القدرات الهائلة لدى القوات الأميركية، ونحن هنا نتحدث عن التطور التقني الكبير والسريع الذي حصل خلال السنوات الاخيرة في الألفية الثالثة، وماتمتلكه القوات الأميركية تحديدا من التقنيات والأجهزة الأحدث والأقوى في العالم، ولانتحدث عن ظروف حربي الجزائر وفيتنام (خمسينات وستينات القرن العشرين) ومثل ذلك المقاومة الفلسطينية، أو المقاومة الفرنسية (النصف الأول من أربعينات القرن العشرين). وبدون أدنى شك، فإن ذلك من عوامل القوة المضافة للجيش الأميركي، ويقف بالضد من العمل المقاوم في العراق.
وسط الظروف النفسية التي عاشها العراقيون نتيجة لزلزال الاحتلال والانهيار السريع لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والسياسية، انطلقت المقاومة العراقية بالسرعة المعروفة، وبدأت الهجمات في أرض منبسطة، وإذا بدأنا من الهجمات التي حصلت داخل مدينة بغداد، فأن أرض العاصمة منبسطة وشوارعها مستقيمة، ولاتوجد فيها الكثير من البنايات الشاهقة، ماعدا شارع حيفا بجانب الكرخ من العاصمة حيث توجد العمارات السكنية الحديثة، والهجمات التي شنها المقاومون في مدينتي العمارة والبصرة حصلت في أرض منبسطة أيضا، إذ لا توجد مرتفعات وتلال وغابات، رغم ذلك فأن المقاومين هناك قد أوقعوا خسائر فادحة بالقوات البريطانية الغازية، وحصلت جميع الهجمات في أرض منبسطة، وهاجم المقاومون القوات الأميركية بشراسة داخل العاصمة بغداد، وخير مثال على ذلك إطلاق 29 صاروخ على فندق الرشيد أثناء وجود نائب وزير الدفاع الأميركي بوول وولفويتز بداخله، وهذا الفندق أحد مقرات القوات الأميركية الرئيسية ويقع ضمن حدود (المنطقة الخضراء) شديدة التحصين، وأصابت الصواريخ الفندق إصابة مباشرة أواخر شهر أكتوبر 2003، ونحن هنا أزاء هجوم واسع، إذ أن إطلاق هذا العدد الكبير من الصواريخ ليس بالأمر السهل، وأنه يحتاج إلى منصات إطلاق وطواقم مدربة، كما أن ذلك يقتضي البقاء في المكان لمدة قد تصل بين (5-8) دقائق، أما الأمر الأكثر أهمية فيتمثل بتأمين انسحاب القوة المهاجمة من المقاومين، حيث تنتشر القوات الأميركية في جميع أنحاء بغداد، ووقع الهجوم في جانب الكرخ من بغداد، ولايبعد عن مقر السفارة الأميركية سوى خمسمائة متر، وبسبب كثافة الصواريخ تأخر إقتراب المروحيات الأميركية، ما ساعد المقاومون على الانسحاب بسرعة دون أن تتمكن القوات الأميركية من رصد مكان تواجدهم، أو الأماكن التي انسحبوا إليها.
ـــــــــــ
26- مداخلة للمؤلف، تحدث فيها بالتفصيل عن عدد الهجمات التي نفذتها فصائل المقاومة في العراق حتى انسحاب القوات الأميركية نهاية العام 2011، في ندوة عقدها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي في الاسكندرية في 6-1- 2012 بمدينة الحمامات بتونس.
27- تشي جيفارا الثائر البوليفي الشهير وقد شرح ذلك بالتفصيل في كتابه عن حرب الغوار، الذي يعد أحد اهم مصادر الفصائل المقاومة في العالم.
28- تمركزت القوات الأميركية في 505 قواعد ومعسكرات في مختلف مناطق العراق، ما عدا المحافظات الشمالية الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك) – المصدر – (المقاومة العراقية وأميركا) للكاتب وليد الزبيدي ،صدر عن مكتبة جزيرة الورد في القاهرة العام 2012.

إلى الأعلى