الأربعاء 27 سبتمبر 2017 م - ٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في ذكرى النكبة…الأوسلويون والتوجُّهات الصهيونية

في ذكرى النكبة…الأوسلويون والتوجُّهات الصهيونية

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

لقد خصهم الأوسلويون بمكرمة نبذهم لخط الكفاح المسلح، أو المنطلق الرئيس للثورة الفلسطينية المعاصرة، والتخلي عن خيار المقاومة، أو الحق الذي كفلته للفلسطينيين كافة القوانين والأعراف والشرائع الأرضية والسماوية، بل دعوها تارةً عنفا وتارةً عدوها إرهابا، وسامحوهم في 87% من مساحة الوطن الفلسطيني التاريخي عندما اعترفوا بكيانهم الغاصب فيها، وفوقه وافقوا على اعتبار المتبقي منها أراضٍ متنازع عليها..

حذَّر رئيس موساد صهيوني سابق هو تامير باردو من أن “الصراع مع الفلسطينيين يقترب من نقطة اللاعودة”. اللا عودة عند باردو تعني استحالة توافر حلول من تلك التي يلهث معشر الأوسلويين وراءها لربع قرن خلا. أما تحذيره فما هو باعتراض على مثل هذا المآل الأوسلوي المجمع عليه صهيونيا، بقدر ما هو اعتراضه على طريقة إدارة الصراع من قبل حكومته المغالية في تطرُّفها، أو حرصاَ منهَ على سمعة كيانه من مردود تعاطيها المفرط في فجاجته في كل ما تنتهجه من سبل لإنهاء هذا الصراع، وإن أتى جوهر هذا التعاطي بما يتفق ولا يحيد عن ذات الاستراتيجية الصهيونية إياها، والتي هي أيضا مُجمع عليها وليس ثمة من مختلف بينهم مع سواه عليها.
هذا التعاطي، وكذا المُجمع عليه، أجمله معلِّق صهيوني هو حنان كريستال إذ يقول جازما بأنه “لو قدَّم أبو مازن رأسي حماس والجهاد على طبق من فضة لإسرائيل، لو انضم للجنة التنفيذية لليكود، فلن يغيِّر هذا من توجُّهات الإسرائيليين”. وهذه التوجهات، والتي ينسبها كريستال “للإسرائيليين” جميعا، وليس حكومتهم فحسب، ليست المقصورة الآن على الإعدامات الميدانية للمنتفضين الفلسطينيين، وحملات الاعتقالات المسعورة التي تعم كافة الضفة الغربية، والانتهاكات المتواصلة لساحات الحرم القدسي، والغارات على غزة المحاصرة، والتي تواكبها التهديدات بشن حرب قريبة عليها، ولا بملاقاة الذكرى الثامنة والستين للنكبة العربية في فلسطين، أو حيث هم يحتفلون بذكرى إقامة كيانهم الاستعماري الغاصب على أنقاضها، بإحكام إغلاق كافة التجمعات الفلسطينية في الضفة، لكنما المهم أن هذا كله كان متوازيا مع اثنتين:
الأولى: إعلان نتنياهو، وهو يجتمع بحكومته في الجولان السوري المحتل، بأن كيانه “سوف يحتفظ” به “إلى الأبد”، وأن “على العالم الاعتراف بسيادته عليه”. والثانية: إعلان وزيرة العدل في حكومته ايليت شاكيد أنها ستقدِّم مشروع قانون للكنيست يقضي بتطبيق القانون الصهيوني على سائر الضفة الغربية، بما يعني قوننة ضمها الذي تم واقعا، أو مساواة حالها بحال القدس، والذريعة هي مساواة مستعمريها بمستعمري المحتل من فلسطين في العام 1948… والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: ترى ولماذا يغيِّر الصهاينة من توجهاتهم، أو يتصرُّفون عكس ما أشار إليه جازما معلِّقهم كريستال؟!
لقد خصهم الأوسلويون بمكرمة نبذهم لخط الكفاح المسلح، أو المنطلق الرئيس للثورة الفلسطينية المعاصرة، والتخلي عن خيار المقاومة، أو الحق الذي كفلته للفلسطينيين كافة القوانين والأعراف والشرائع الأرضية والسماوية، بل دعوها تارةً عنفا وتارةً عدوها إرهابا، وسامحوهم في 87% من مساحة الوطن الفلسطيني التاريخي عندما اعترفوا بكيانهم الغاصب فيها، وفوقه وافقوا على اعتبار المتبقي منها أراضٍ متنازع عليها، هذه التي يتم الآن تهويدها شبرا شبرا، كما ساوموهم على حق العودة، الذي هو جوهر القضية الفلسطينية، وأخيرا عدوا التعاون الأمني معهم “مقدسا”، وصولا إلى تفتيش حقائب التلاميذ بحثا عن السكاكين، و… و… وليستحقوا شهادة حسن سلوك من جيش الاحتلال كالتي أوردتها صحيفة “هاآرتس” والقائلة بأن التنسيق الأمني معهم بات “حاجة مشتركة”، وأن 40% من المهام الأمنية المفترض أن يقوم بها جيشهم لجهة اعتقال “المشبوهين” الفلسطينيين تنفِّذها الأجهزة الأمنية الأوسلوية!!!
…لماذا يغيِّر الصهاينة من توجُّهاتهم التهويدية وسياساتهم الاحتلالية الباطشة في هذا الزمن العربي الرديء والمتهتك المزري؟! لماذا يغيِّرونها وقد بلغ من سوء الحال الفلسطينية ومفارقاته أنه لا يزال يطلع علينا صائب عريقات فيتحفنا بإعلاناته إياها والتي آخرها كان من مثل:
“قررت اللجنة التنفيذية البدء الفوري بتنفيذ قرارات المجلس المركزي، الخاصة بتحديد العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع سلطات الاحتلال، وذلك على ضوء تنكُّر الحكومة الإسرائيلية للاتفاقيات الموقَّعة، وإصرارها على تدمير خيار حل الدولتين”. وأن يزد فيبشِّرنا: ولسوف “نعمل من أجل وضع ملف الاستيطان في الأغوار ورام الله وكل الأراضي المحتلة أمام مجلس الأمن بأسرع وقت”، لكنما سيكون هذا كله فقط “في حال استكمال المباحثات”؟!
بات من المفروغ منه القول بأنه ما من عاقل قد يأخذ تصريحات صائب عريقات على محمل الجد. لقد عوَّدنا أن كثيرها ينطبق عليه القول المأثور، كلام الليل يمحوه النهار. قرارات اللجنة التنفيذية، التي تأخرت أشهرا بعد قرارات المجلس المركزي، انتهت بانتهاء تصريحاته ولم تتعدَّها. أما أثيره “حل الدولتين”، فأما وقد بلغ التهويد في الضفة مبلغه، فلا من أحد باستثناء الأوسلويين يتحدث عنه، أو لا يجزم باستحالته. أما حكايتي التوجُّه لمجلس الأمن، واللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، فباتتا، على رأي المثل، مثل حكاية “إبريق الزيت”، تطرحان أو يلوَّح بهما أو يُهدد، لكنما سرعان ما يسحبا من التداول. لم ننسَ بعد تأجيل تقديم مشروع القرار المتعلق بالتهويد لمجلس الأمن أو سحبه… ثم إن أبومازن نفسه، وعلى طريقة “قطعت جهيزة قول كل خطيب”، لم ينِ فشطب ما طلع علينا وبشَّرنا به عريقات، ومن على صفحات صحيفة “ديرشبيجل” الألمانية خلال زيارته الأخيرة لبرلين، حين قال: “إن التنسيق الأمني مع إسرائيل يسير على أحسن ما يرام”، ولأنه كذلك، يضيف، “يمكنني القول إن الأوضاع في المناطق الفلسطينية تحت سيطرة أجهزتنا الأمنية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية”!!!

إلى الأعلى