الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الشاعر ليرمنتوف وبطله بِتْشورين في القوقاز

الشاعر ليرمنتوف وبطله بِتْشورين في القوقاز

علي عقلة عرسان

يقول ليرمنتوف عن روايته، في المقدمة التي كتبها لها: “إن “بطل زماننا” ليست صورة لرجل واحد، بل صورة تضم رذائل جيلنا كله.. وإذا قال أحد إن الأخلاق لن تجني من ذلك خيرا، فلا تتعجلوا، فطالما غذي الناس بالحلوى حتى فسدت معدهم. ويجب عليهم الآن أن يتناولوا العقاقير المرة، وأن يتقبلوا الحقائق اللاذعة.. لقد أردت على سبيل التفكه أن أرسم صورة لإنسان هذا العصر كما فهمته، وكما رأيته في أغلب الأحيان.”

في الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر 1996 كان ختام احتفال، هو الأول، بالشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف، Mikhail Lermontov /1814-1841/م استمر ثلاثة أيام/12-14/ في مواقع ومناطق تعلقت بها سنوات من حياة الشاعر ليرمنتوف، لا سيما: جلنزوفودسك، بيتورسك، وكيسلافودسك، وهي مناطق مياه معدنية للعلاج والراحة والاستجمام، في القوقاز. في المدن الثلاث، وربما في معظم “القفقاس” الروسي، كلُّ جميل، وعاطفي، وساحر، وممتع بنكهة رومنسية حادة، ينسبونه إلى ليرمنتوف، ” جمال ليرمنتوفي، سهرة ليرمنتوفية، مناظر ليرمنتوفية.. إلخ”. وتاريخ القوقاز ينحسر ويضيق بنظر البعض، ليصبح تاريخ الروس فيه، وتاريخ القادة الذين نفذوا سياسة القياصرة التوسعية العدوانية فيه، ضد شعوب القوقاز، مثل الجنرال ألكسي يرميلوف، أحد القادة الروس الثلاثة الذين قادوا معارك تلك الحرب التي عرفت بحرب القوقاز، ودارت رحاها من 1817-1864 ذاك الجنرال الذي اتصف العنف الشديد في تلك الحرب، وقال: “إنني أرغب في أن يبث أسمي الرعب، وأن يحمي هذا الرعب الحدود بكفاية أشد من القلاع”.. وشاع بين الروس، في تلك الحرب التي أسفرت عن سيطرة على القوقاز الشمالي: “الآن وقد انتزعنا منهم أسلحتهم لم يبق لنا سوى أن ننتزع سراويل نسائهم”.
لقد مجد الروس كل من قاتل في القوقاز، لا سيما من الأعلام، ومشاهير الشعراء والكتاب، فأولئك تُذكر أسماؤهم، وتنسب أماكن لهم.. حتى العدوان الصارخ الذي يقوم به شخص مشهور ما، على بنات القبائل وزعمائها، يصبح شيئًا من بركة ذلك الشخص، وجاذبية قلبه الدافئ، وحنانه الغامر، على أولئك “المتوحشين أو المستوحشين؟!”، الذين ينقلب دفاعهم عن أنفسهم وشرفهم وأرضهم وثقافتهم بنظره إلى قرْصَنة.. أو إلى “إرهاب”، بتعبير عصرنا؟! لا تعجبوا هذا يتكرر في مراحل التاريخ البشري، في ومفاصل الأرض، التي يصرخ فيها الإنسان من جور وظلم، كما يصرخ التراب من انصباب الدم البشري فيه، عندما يغرقه ويحول دونه ودون التنفس واستقبال أشعة الشمس. والمجلي من بين أسماء الكتاب والشعراء الذين قاتلوا في القوقاز، ونُسبَت إليه أجواء ساحرة، وعواطف حارة فيه، هو ليرمنتوف، في هذا المجال، فهو البطل الرائع، الذي يملأ الربوع ودًّا وحبًّا وكبرياء وسحرًا وعاطفة رقيقة، ورومانسية جذابة، ويعطي لكل شيء من حوله مدلولًا ومعنى وربما اسمًا.. وقد سُجل كل من بوشكين، وتولستوي في المشاركة في حرب القوقاز، واستفاد تولستوي كثيرًا من خبرته هناك في روايته الحرب والسلام، وكتب بوشكين قصائد كثيرة هناك، منها” سجين القفقاس”، و”روسلان ولودميلا”، و”الغجر”.
ولد ميخائيل ليرمنتوف في موسكو ١٥ تشرين الأول/أكتوبر عام ١٨١٤ وقُتل في بيتورسك، في مبارزة يوم ٢٧ تموز/ يوليو ١٩٤١ وهو في سن ٢٧ سنة.. قتله مارتينوف، وهو ضابط زميل لـه في الكلية الحربية، وذلك بعد سهرة مثيرة تم فيها تبادل آراء وكلمات وغمزات غير موفقة، وربما حدث ذلك لأنها كانت أمام فتيات مثيرات في بيت الجنرال، الأمر الذي ترك ندبة عار لا يمحوها سوى الدم، فدعا مارتينوف زميله ليرمنتوف إلى المبارزة، وأرداه قتيلًا على سفح جبل “مَعْشُوقة”، برصاصة اخترقت صدره ورئتيه، وألقته فاقدًا الحياة في اللحظة ذاتها التي أطلق فيها ليرمنتوف الرصاص في الهواء. مفارقة تستحق أن يتوقف عندها المرء.
وقد شاهدت الغرفة التي قضى فيها ليرمنتوف ليلته الأخيرة في بيتيغورسك، وملابسه، وبعض أدواته وأوراقه، والمكان الذي تمَّت فيه المبارزة عند سفح الجبل، جبل معشوقة، والقلعة التي خدم فيها ضابطًا بعض الوقت، في نفيه الثاني من بطرسبورج إلى القفقاس.. وكثيرًا من المواقع التي نُسِبت فيما بعد إليه. لم يكن ذلك الشاب ابن السابعة والعشرين، الذي ترك رواية وبعض القصص، وأربع مسرحيات، وعددًا لا بأس به من القصائد.. لم يكن قد نضج إلى درجة تكفي لتصنع حوله تلك الهالة العالمية الكبيرة، ولكن: قصيدته ” موت الشاعر”، التي قالها بعد أن لَقيَ آلكسندر بوشكين مصرعه في ٢٩ كانون الثاني/يناير ١٨٣٧، وهو في السادسة والثلاثين من العمر، وفي أوج عطائه الكبير، إثر مبارزة مع البارون الفرنسي دانتس، وتسببت قصيدة ليرمنتوف في أن نفاه القيصر نيقولا الأول إلى القفقاس، لأنها تضمنت ما يدعوا إلى الثورة، فقد جاء في خاتمتها:
“.. أَمَّا أَنتُم أَيَّتُهَا السُّلالَةُ المُتَعَجرِفَة
يَا أَبنَاءَ من اشتُهِرُوا بِمَخَازِيهم الوَضِيعَة
يَا مَن بِقَدَمٍ ذَلِيلَةٍ قَد دُستُم
بَقَايَا عَائِلاتٍ نَبيلَة تَجَهَّمَ لَهَا الحَظ
يَا مَن تُحِيطُون بِالعَرشِ في قُطعَانٍ شَرِهَة
كَالجَلاَّدِين الَّذِينَ يُخفُونَ نَوَايَاهم الحَقِيرَة
في أَثَوابِ العَدَالةِ، مُتَظَاهِرينَ بَالبَرَاءَة
مَن أَجلِ ذَبحِ الحُرِّيَةِ والَمجدِ والعَبقَرِية
هُنَاكَ حُكمُ الرَّب
حُكمٌ رَهِيبٌ يَنتَظِر
لا يَمِيلُ مَعَ الذَّهَب
وَأَمَامَ العَرشِ الإِلَهِي
لَن تَنقِذُوا جُلُودَكم بِقَذفِ الأَوحَال
ولَن تَستَطِيعَ كُلُّ دِمَائِكم القَذِرَة
أَن تُعَوِّضَ أَبَدًا الدَّمَ العَادِلَ لِلشَّاعِر.”
وكذلك ما أكسبه موقفه ذاك من تعاطفٍ شعبيٍّ، وموته المبكر ـ والموت “يطيل رجلين الميت” كما يقولون في المثل عندنا ـ وكذلك الزمن الذي يمر ويعطي للماضيين شيئًا من قداسة، كل ذلك، إضافة إلى إبداعه وجودة إنتاجه، أعطاه دفعًا وموقعًا متقدِّمًا في الأدب الروسي.. فقيل إنه الشاعر الثاني بعد بوشكين، وقيل الثالث بعد ديرجافين وبوشكين، حسب الناقد الروسي فيساريون بيلينسكي، وجاء بعد ذلك من غضب له، وقال “إنه يستحق الموقع الأول”. وقد كتب ليرمنتوف الكثير من القصائد، منها: أسير القفقاس، الشركسي، الخريف، موت شاعر، وهم الحياة، غيوم السّماء، طرب الحروف، اُخرج مهاجرًا، الشراع، أشعر بالسأم و بالحزن،
النخلات الثلاث، النبيّ، منذ أن منحني الإله الخالد، القرصان، الخنجر، الشيطان، . كما كتب مسرحيتين هما: حفلة تنكرية ـ الشقيقان. ولكن أكثر أعماله شهرة، روايته “بطل من هذا الزمان، أو بطل زماننا”.
وفي الزمن الذي قضاه في القوقاز، محاربًا في فرق المشاة، مع جيش القيصر، ضد أهل الأرض وفي أرضهم، وعلى رأسهم: الشيشان، والقبرداي، والأوسيتيين، والشراكسة بصورة عامة، لإخضاعهم لسلطة القيصر، وجعل أرضهم جزءًا من روسيا القيصرية، بصورة نهائية.. في ذلك الزمن القاسي لم يفقد إنسانيته من جانب، ولم يوصم بالجبن من جانب آخر.. ولم يدم نفيه ليمارس القتل طويلًا، فقد أعيد بعد النفي الأول إلى بطرسبورج، بوساطة، وفي النفي الثاني لقي حتفه.
لقد أضفى الروس، لا سيما في ذلك الوقت، ومن بعده باستمرار، أضفوا على القوقاز انتماء خاصًّا يجعله لهم، ولذلك رفعوا عاليًا أسماء من قاتل فيه، ومن زاره، أو عاش فيه، أو مات على أرضه من أعلامهم.. فبوشكين زار القوقاز، وكذلك تولستوي، ولكن ليرمنتوف يكاد يختصر تاريخ ذلك الوجود الذي يطيب للبعض أن يسميه انتماء وسحرًا. لقد كانت للشاعر ليرمنتوف مغامرات، وأحب الطبيعة الجميلة، لا سيما بيتورسك، ومر بتجارب متنوعة، وقطع الجبال، والوديان، والأنهار.. وتعامل مع الناس، لا سيما مع زملائه من العسكريين، ومع رؤساء، ومرؤوسين.. وتعرف على طباع، ورغبات، ومغامرات، وعلى بيئة اجتماعية، ونفسية، وفكرية روسية، سواء فيما كان قد عاشه في موسكو وبطرسبورج، مع الطبقة الراقية، أو ما كان من ذلك في القوقاز.. لا سيما في المدن الجميلة الثلاث “جلينزفودسك، بيتيغورسك، كسلوفودسك”، حيث كان الروس من الطبقة الراقية يأتون إليهن للاستشفاء بالمياه الكبريتية والمعدنية، وللاستجمام، والاستمتاع بالطبيعة الخلابة. وهناك كتب ليرمنتوف أشعارًا، وقصصًا، وربما كانت روايته “بطل من هذا الزمان” أكثر ما يلخِّص كل تجاربه، وما رآه، وعانى منه، وحلم به.. وقد جعل بطلها/ بطله، بتشورين محورًا لأحداثها، والمحرك الرئيس لأشخاصها، والدافع لحوار في مواضيع كثيرة، منها ما يتعلق بالجبريَّة والقدرية، المستقى من المسلمين القوقازيين الذين كان الروس يحاربونهم. تقع الرواية في خمس قصص، تتمحور حول شخصية الضابط بتشورين، لكنها، وفي كل منها، تقدم نماذج بشرية معبرة جدًّا، ومتمايزة، وحاملة لبيئتها، ولما يمكن أن يلخص توجهات ليرمنتوف وشواغله، وما رسخ في نفسه من تشخيص، وتكثيف لملامح مجتمعه، وميزات أناسه واهتماماتهم، ولروح مجتمعه بصورة عامة، ولم يغفل في تصويره وتشخيصه عمن كانوا من “الأعداء”، في إطار التعامل، وقد قسا عليهم في صفات وسلوك واتهامات، ساقها على لسان بطله بتشورين، وهي ليست منصفة، بل هي من نوع كلام عدو في عدوّه.. وهناك في نص الرواية، احتقار واضح للشرقيين، الأوسيتيين، والشراكسة، والشيشانيين، واتهام لهم باللصوصية، والكفر، والقذارة، من بينهم.. والإسيتي متهم دائمًا بالابتزاز.. مع أنهم يطلبون أجورهم على أداء عمل شاق.
يقول ليرمنتوف عن روايته، في المقدمة التي كتبها لها: “إن “بطل زماننا” ليست صورة لرجل واحد، بل صورة تضم رذائل جيلنا كله.. وإذا قال أحد إن الأخلاق لن تجني من ذلك خيرا، فلا تتعجلوا، فطالما غذي الناس بالحلوى حتى فسدت معدهم. ويجب عليهم الآن أن يتناولوا العقاقير المرة، وأن يتقبلوا الحقائق اللاذعة.. لقد أردت على سبيل التفكه أن أرسم صورة لإنسان هذا العصر كما فهمته، وكما رأيته في أغلب الأحيان.”.. وأنموذج الإنسان الذي رآه صورة لعصره هو الضابط بتشورين كما أسلفت، الذي يقول في صفحة ٧٨ من الرواية: “إن لي نفسًا أفسدتها حياة المجتمع الراقي، وخيالًا قلقًا، وقلبًا لا يشبع من جوع، لا شيء يرويني، فسرعان ما آلف الألم واللذة كليهما.. إن وجودي ليزداد فراغًا يومًا بعد يوم، ولم يبق لي إلا مخرج واحد: السفر. وسأسافر متى استطعت ذلك.”. وقد يقدم هذان المقتبسان، بعض أغراض المؤلِّف، وملامح “بطل ذلك الزمان”، وهو شخص لا تنتهي رغباته، ولا مغامراته، ولا يكاد يعنيه أحد بعد أن ينفض يديه منه، لا الأصدقاء، ولا النساء، حتى بيلا القوقازية، التي أحبها واختطفها من أهلها بمكر وثعلبية، وفيرا التي عاشرها سنوات وسنوات.. إنه ينسى ببساطة، ليتعلق ببساطة. إن بتشورين” رجل وسيم، ذكي، حاد الملاحظة، ويتحلى بمستوى ثقافي رفيع، ويدافع عن شرفه، فقد دخل في مبارزة مع ضابط مستجد، وقتله، من أجل كلام يتعلق بالأميرة الجميلة الثرية ماري، من موسكو، جاءت إلى مدن القوقاز الساحرة مع والدتها.. لكنه رفض أن يتزوجها، حين عرضت عليه أمها ذلك الزواج. إن شيئًا عجيبًا في تكوين بتشورين، ودخيلته، وسلوكه.. فلا يكاد يستقر على صورة حتى يغادرها. وتراه في فصول الرواية شخصًا يكاد يكون مغايرًا له في فصل آخر من فصول الرواية الخمسة. وفصول الرواية كما رأى الناقد الروسي “بيلينسكي” أن يرتبها، وفق ترتيب مغاير لما جاء في سرد المؤلف ليرمنتوف، هي، وفق ما اقترح بيلنسكي: بيلا ـ مكسيم مكسيميتش ـ تامان ـ الأميرة ماري ـ الجَبْرِي.”، وهو ليس الترتيب الذي اتبعه ليرمنتوف في سرده. ويكاد كل فصل من الفصول المشار إليها يبدو قصة تامة مستقلة، لا علاقة لها بالفصول الأخرى، ولا يجمعها سوى ظهور بتشورين فيها، وربما بالغْنا إذا قلنا: إنها تكشف بتتالٍ سردي مدروس، شخصية ذلك البطل، بتطور واضح مقصود. إنها لا تفعل ذلك، ولا أجد ما يسوِّغ إطلاق بعض النقاد عليها “رواية سيكولوجية”.
لقد برع ليرمنتوف في الوصف، وعبر بشاعرية عن مواقف وعواطف، وقدَّم لمحات شاعر في مواقف تأملية وسردية، ورسم صورة دقيقة لأشخاص غير البطل بتشورين، بجمل، ومن خلال مواقف قليلة. ويحتاج شعره إلى وقفة خاصة، لا سيما قصيدة “موت شاعر”، لما فيها من صدق، وجرأة، وتعبير قوي متدفق.. وقصيدته ثلاث نخلات، لمقاربة ما قد تنطوي عليه من تعريض خفي، ليس الآن مجال الحديث عنه.

إلى الأعلى