الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الطريق الوحيد لحل الأزمة السياسية في العراق

الطريق الوحيد لحل الأزمة السياسية في العراق

إن الانتخابات الجديدة التي يتم تنظيمها على أساس قانون انتخابي جديد معدل، يمكن أن تسمح في النهاية بإمكانية سن قوانين لإجراء إصلاحات حقيقية يمكن أن تنهي ثقافة الحصانة والإفلات من العقاب داخل الطبقة السياسية في العراق: إصلاح النظام القضائي وتطهيره من القضاة الفاسدين وإقامة محكمة دستورية جديدة ومستقلة بشكل حقيقي…

مع استمرار سيطرة تنظيم الدولة(داعش) على أجزاء واسعة من البلد وانخفاض أسعار النفط، يكون العراق على شفا الانهيار. وبدلا من العمل على حل مشاكل البلد، يتم استنزاف الطبقة السياسية في العراق من خلال الصراع على السلطة. فقد فقد المحتجون صبرهم في بغداد مؤخرا واقتحموا مقر البرلمان، وهددوا بالتصعيد حال عدم إجراء إصلاحات جدية بشكل عاجل.
وهذا الانفجار كان متوقعا منذ وقت طويل. ففي أغسطس الماضي، وعد رئيس الوزراء حيدر العبادي بتحسين الخدمات الحكومية والقضاء على الفساد.
ولا غرابة، فقد فشل في الوفاء بوعده. وردا على ذلك طالب المتظاهرون بحكومة جديدة والتخلي عن نظام الحصص الطائفي الذي ترتكز عليه الحكومات العراقية منذ عام 2003. وحاول العبادي الرد عن طريق طرح مجلس وزراء من الخبراء المختصين (تكنوقراط)، لكنه لم يتمكن من الحصول على موافقة مجلس النواب.
العراقيون العاديون غاضبون. وحاول زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر استغلال ذلك من خلال تزعم حركة الاحتجاج. غير أنه لا يستطيع السيطرة على غضب العراقيين من قياداتهم.
إن سبب الأزمة السياسية في العراق، ليس عقائديا أو طائفيا. في الواقع فإن أغلب الفاعلين الرئيسيين في النزاع المتواصل هم من الشيعة. والخلاف قائم على عدم الثقة المتبادل الذي يذكيه عدم الكفاءة والفساد الذي يشكل أساس النظام السياسي العراقي منذ عام 2003. ومثل تلك الحيوية جعلت من المستحيل على مؤسسات الدولة أن تقدم أية حلول قابلة للتطبيق للأزمة.
بعض المسئولين العراقيين والأميركيين، بمن فيهم نائب الرئيس جوي بايدن قد أعربوا عن الأمل بأن العبادي على رأس حكومة جديدة يمكن أن يعالج الحالة. وهم مخطئون في ذلك. فحتى لو تمت الموافقة على حكومة جديدة من قبل البرلمان، فإنه يصر على ترشيح نفس الأفراد ممن هم عديمي الكفاءات والفاسدين من المنفيين السابقين الذين يديرون الدولة في الواقع. الأهم أن الحكومة الجديدة سوف تصبح مدينة بالفضل لبرلمان فاسد طائفي. والاحتجاج بأن الحكومة الجديدة يمكن أن تصمم وتمرر وتنفذ إصلاحات شاملة في نظام الحكم هي إما واهمة أو محاولة للقفز على الواقع.
إن الطريق الوحيد للخروج من الأزمة الحالية هو ضخ دماء جديدة في الطبقة السياسية للبلد.
فالأولية الأولى لأي حكومة عراقية جديدة يجب أن تكون تنظيم إجراء انتخابات جديدة على أساس مختلف تماما عن الطريقة التي كانت تتم بها الانتخابات في الماضي. وثمة تغييران بسيطان وضروريان يجب عملهما على وجه السرعة. أولا: أعضاء البرلمان العراقي هم من أفضل المشرعين في العالم من حيث الراتب والبدلات. ولذلك سبب كبير في جذب المرشحين للأسباب الخاطئة. ومن ثم يجب تقليص حجم الرواتب والحوافز والبدلات لأعضاء البرلمان بشكل كبير.
ثانيا: يتعين منح لجنة الانتخابات صلاحيات واسعة لرفض المرشحين الذين ينتهكون القواعد الأساسية للحملة الانتخابية. في الماضي، بعض المرشحين رشا وتلاعب وهدد الناخبين في الوقت الذي كان يمول حملته الانتخابية بأموال مختلسة دون أن يتعرض لأي جزاءات حقيقية. وكانت النتيجة برلمانا يضم أسوأ العناصر في المجتمع، منعدمي الكفاءة تماما لا رؤية لهم بغض النظر عن غناهم وتمكينهم. ومن ثم يجب عدم السماح لهؤلاء الأشخاص بالتنافس على مقاعد البرلمان بأي حال من الأحوال.
ربما يكون من الصعب تخيل سن قوانين انتخابية جديدة مع التسليم بالوضع السياسي في العراق. غير أن هناك سابقة. ففي عام 2009، تم إجبار البرلمان على الانتقال من نظام القائمة الانتخابية المغلقة إلى نظام القائمة الانتخابية المفتوحة بسبب الضغط من المجتمع المدني العراقي (بما في ذلك المؤسسات الدينية ومراكز الأبحاث والمنافذ الإعلامية الرئيسية) ومن المجتمع الدولي(بما في ذلك الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي). وبالنظر إلى المستوى الحالي من الغضب الشعبي، ثمة احتمالية قوية بأن يتم ممارسة ضغط مماثل في الوقت الحالي الأمر الذي يعطي قوة لمحاولات إصلاح القوانين الانتخابية.
ويطالب عدد من المنظمات العراقية والخبراء وحتى بعض السياسيين بهذه الإصلاحات، لكن مطلوب عمل ما هو أكثر من ذلك بغية التنسيق وجعل ذلك أولوية. وبشكل طبيعي، فإن كل هذه التغييرات تتطلب إجراء تشريعيا، وإذا رفض البرلمان الحالي عمل ذلك، يجب على الحكومة أن تمضي قدما في ذلك بشكل أحادي وسوف تحظى بتأييد كامل من الشعب. إن العراق يعيش في أزمات منذ سنوات، وأي إصرار على التمسك بالإجراءات القانونية يبدو في غير محله في ذلك.
إن الانتخابات الجديدة التي يتم تنظيمها على أساس قانون انتخابي جديد معدل، يمكن أن تسمح في النهاية بإمكانية سن قوانين لإجراء إصلاحات حقيقية يمكن أن تنهي ثقافة الحصانة والإفلات من العقاب داخل الطبقة السياسية في العراق: إصلاح النظام القضائي وتطهيره من القضاة الفاسدين وإقامة محكمة دستورية جديدة ومستقلة بشكل حقيقي، وإعادة تحديد دور القضاة لحماية الصالح العام.
كما يمكن أيضا للانتخابات الجديدة أن تسمح في النهاية بإصلاح أجهزة المحاسبة الحكومية البالية في العراق. فالقوانين الكارثية التي تحكم هيئات مكافحة الفساد في العراق تم صياغتها من قبل السلطة الانتقالية للتحالف بقيادة الولايات المتحدة ولم تمس من قبل البرلمان. غير أن تلك المؤسسات بحاجة إلى أن تكون مستقلة ويكون لها أسنان، إذا كان هناك عزيمة على إخضاع المسئولين للمحاسبة.
بدون دماء جديدة، لن يكون لتلك الإصلاحات الحيوية فرصة للنجاح. وبدون ثقافة محاسبة جديدة لمسئولي الحكومة، لن يكون لدى العراق أي أمل.

زيد العلي محاضر
زائر وباحث في برينستون ومؤلف كتاب”الصراع على مستقبل العراق: كيف قوض الفساد وعدم الكفاءة والطائفية الدميقراطية.”
خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى