الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة الفنّانة التشّكيلية التونسيّة ربيعة رنشي

قراءة في تجربة الفنّانة التشّكيلية التونسيّة ربيعة رنشي

الممارسة الفنيّة: دفع الذّهني إلى تعدد طرق تمثّل المعنى
الرسم فن، والفن منظومة رموز، ولطالما مثّل الرسم منذ ممارساته الأولى مع الإنسان البدائي على جدران الكهوف إما إعادة إنتاج وتمثل للواقع آو استحضار شيء غائب غير قابل للإدراك الحسيّ يسكن مخيّلة الفنان.
وبتقدم الممارسة الفنية شيئا فشيئا ضمن تاريخ الفن وقع اكتشاف طرق وقواعد للرسم وخاصة المنظوري، كما لم يعد دوره يقتصر على محاكاة الواقع، وبالتالي يصبح الرسم من هذا المنطلق وسيلة الفنان لإعطاء أفكاره وخيالاته وجودا ملموسا.
كما لم يعد هناك قاعدة واحدة للرسم فأصبح لكل فنان طريقة خاصة تعبر عن مجموعة من الغايات.
إما غايات تعبيرية للتعبير عن فكرة أو تخيّل وخلق عوالم خاصة كما غايات تواصلية بين الفنان والآخر.
وأصبحنا نتحدث عن أنواع من الرسم وعلى سبيل العد لا الحصر مثّل الرسم الخطي أحد أهم آليات الفنان للتعبير والإبداع.
وفي هذا الإطار تتنزل تجربة الفنانة التشكيلية التونسية ربيعة رنشي والتي تعيش مع الرسم الخطي تجربة حقيقية لها وظيفة إشباع مطالب روحية ومعنوية، فللفنانة تطلعات خيالية تريدها أن تتحقق وأسئلة تبحث لها عن أجوبة.
الرسم بالنسبة لها غذاء للروح بما هو يحقق لها توازنا نفسيا من خلال تقديم أجوبة ولو وقتية لفهم وجود الإنسان ومنزلته في الكون وتخيّل عوالم تخرج به عن المألوف والمتعارف عليه.
فيحقق لها الغايات التي تستهدفها بمثابة البوصلة التي تحمي خيالاتها من التيه والضياع.
هذه الممارسة الخطيّة إذا تنظم نوعا مما يجول في خيالات وفكر الفنانة، بأن ترسم لها حضورا في الفضاء باعتبارها نظاما رمزيا قادرا على تشكيل المشهد الذي يسكن ذهن الفنانة.
فتمر الممارسة الفنية لديها من الذهني إلى تمثّل المعنى عبر العديد من طرق التعبير بداية من الرسم الخطي مرورا بالنحت الخطي وصولا إلى التنصيبة.

الرسم الخطيّ: تصوّر فنّي لعوالم الخيال:
يمثل الرسم الخطيّ أسلوب الفنانة ربيعة رنشي للتعبير وتأسيس مشهدية كاملة تترجم حالاتها النفسية والذهنية على حامل مسطح ورقي أو قماشة، حيث تقوم من خلاله بإجلاء ما هو بالداخل أي فضاء اللاوعي في شكل رسوم خطيّة عفوية وتلقائية بمثابة الكتابة اللامقروءة، تعارض فكرة المحاكاة لكل ما هو واقعي.
حيث يرفض هيقل في هذا الإطار أن تكون الحقيقة في الواقع المادي، فهي موجودة في واقع الروح وهكذا وتبعا لذلك يرفض هيقل أن يكون الفن مجرد محاكاة للواقع الطبيعي، فالفن هو نتاج الفكر والفكر أسمى من الواقع والجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي، بما أن الفكر يسمو على الطبيعة فان سموه يتواصل فيما ينتجه (الفن).من هذا المنطلق لا تهدف الفنانة إلى إعادة صنع ما هو موجود في العالم الخارجي وكما هو موجود فيه، فالفن حينئذن لا يعدو أن يكون تكرارا عقيما بل تسعى إلى واقع جديد وخاص.
حيث نقد كانط أيضا فكرة المحاكاة فهو يعتبر الفن خلقا وإنتاجا لواقع جديد.
فالجمالية هنا لا تستمد من الواقع بل من ذات الفنانة أي من فكرها، فالإبداعية في أعمال ربيعة رنشي تعني الحضور الكثيف للذات في مستوى الأثر الفني.
الفن لديها ذاتيا أو لا يكون وذاتيته هي أن يحمل في طيّاته شيئا من رغبات الفنان وقيمه وأحلامه وخياله وأفكاره…
خطوطها المتقاطعة النحيفة والدقيقة رسوم لهيئات آدمية مجردة حالمة وغرائبية قوامها خط وتكرار لا متناه لرسوم خطية متفاوتة السمك والتعرجات تبحث عن باطنها وجوهرها اللامكاني و اللازماني، تتجاوز المنظور التقليدي وتتماهى نوعا ما مع الرسم التكعيبي من خلال السعي لإظهار كل جهات الشيء المرسوم من دون منظور، كما تأثرها واضح بالرسم الخطي الحركي الذي يرقص في انحناء وتعريج واستدارة ليكون ملامح وجوه وأجساد شخصيات خيالية عجائبية.
عمدت الفنانة إلى إعادة الاشتغال على الرسم الخطي بطريقة مغايرة وطريفة فتنوعت أشكال إدراجه في أعمالها الفنية من خلال زخم الحركة الخطية وسمكها/ تقاطع الخطوط وتشابكها وفق نسق جمالي رمزي/ جمالية الهيكلة من خلال تفاعل الخطوط الهندسية والغنائية والأشكال الحلزونية/ دوائر وخطوط ناتجة عن تواتر حركة الخط وتشعباته والتواءاته والتفافه بنفسه/ عقد جامعة لمسارات الخط ترسم بعض ملامح الوجوه والهيئات الآدمية/ تسارع النسق غير المحكوم بقواعد النظام والتراتيب المتعارف عليها في مجال الرسم الذي ولد حركة دائرية على كامل المساحات المرسومة كحركة مؤسسة وأساسية/ خطوط تخطو جريا على وتيرة متموجة قلّما تستقيم أطرافها لكي تشمل الأدنى والأبعد.
هذه المشهدية الخطية المسطحة ذات عمق فهي تدور وتتشكل حسب تواتر الخط وجزئيات تعرجاته فتعطينا الإحساس بالبعد والقرب وبكل ملامح الشخصيات الحالمة والمفكرة والسعيدة والحزينة إلى غير ذلك من الحالات النفسية.
كأني بالفنانة بصدد ترويض هذا الخط الهائج والتحكم بمساراته لترسم من خلاله مشهدية خطية سريالية دخل اللون فيما بعد شيئا فشيئا في بنائها لتتخذ أبعادا تعبيرية إضافية مع التصوير.
فالألوان ليست ثوبا يرتديه العمل لمجرد التحلي بل له دلالاته وعلاقته بالمعنى والفكرة فشحن مختلف الحالات النفسية للشخوص المرسومة كما زاد من معنى الغرائبي والعجيب حيث لم تكن الاختيارات اللونية منسقة ومنظمة حسب تراتيب الأعمال الكلاسيكية بل كان نوعا ما مساهما في إعطاء الأعمال صفة اللامتوقع.
وللمضي قدما منحت هذه الأعمال الخط تموّجات تنبثق من المسطح نحو الفضاء مجبرة الخط أن يصبح أكثر حركية وحرية وانطلاقا من خلال إعطائه أحجاما ليخرج مما كان عليه نحو المطلق، ليعانق صورا وأفكارا أخرى بمثابة عملية توليد واستيعاب جديد للشخوص حسب رغبة الفنانة وميولاتها نحو المادة ووفق تشكلات الخط في الفضاء.
فأصبحنا نتحدث عن حضور جديد للرسم الخطي في الفضاء بالمادة أي ما يسمى النحت الخطي ومن ثمة التنصيبة.

النحت الخطيّ: الخطّ المحجّم انطلاقة وهمية في الفضاء بتقدم الممارسة الفنية وجدت الفنانة نفسها أمام مطلب ملحّ هو مطلب التحرر، تحرر الرسم الخطي من المحمل المسطح نحو الفضاء، ومن الأقلام والألوان إلى المادة.
فاستعاضت عن الخطّ المرسوم بالخط المنحوت بمادة السلك المعدني.
أصبح للخطوط سمك متباين بعد أن كان مسطحا ليدخل الفراغ والضوء والظل في تركيبة العمل وتختلف بالتالي القراءة عن التي كانت موجودة، فأصبح لمنحوتاتها بالمعدن وجود في الفضاء وتعددت بالتالي أساليب وتقنيات تطويع هذه الخامة الصلبة واللينة في آن.
فكان الأسلوب حركيا غنائيا يخلق أشكالا وعلاقات جديدة بفعل الفراغ المؤسس للمعنى.
فيتحرك السلك المعدني في الفضاء في نسق متسارع مكونا مجموعة خطوط حلزونية دائرية تسعى كالعادة إلى خلق مشهديتها الغرائبية بمثابة تنظيم ديناميكي لمجموعة من العناصر المتعددة، كالخط المحجّم والفراغ في الفضاء تؤسس الفنانة بمقتاضاها تكوينا إيقاعيا يمتاز بتداخل خطي كبير دون الإخلال بتوازن التكوينات بين الأجزاء المكونة للمشهد مع ضرورة دراسة الفراغات بينها.
فالفراغ عنصر مهم جدا في المنحوتات الخطيّة للفنانة.
حيث ينظر إلى الفراغ عادة على انه ذلك الفضاء الذي يقع حول وبين وفوق وتحت الشكل المحدد، ويتحدد الفراغ بادراك العلاقة بين الشكل والخلفية والأرضية الذي يترتب عنه الشعور بالمسافة.
الفراغ فضاء والفضاء صمت والصمت فراغ سيشحن ليمتلئ بحركة وانسياب الخيوط المعدنية، فتكون الانطلاق من الأشكال المحددة والمرسومة سلفا ثم تتوالد منها الأشكال والبناءات الجديدة.
فتصميم الحركة والشخوص ليس تصميما للشكل المراد تصويره أو نحته فقط، بل هو أيضا تصميم للفراغ الذي سيتموقع فيه.
حيث تأخذ المنحوتات المعدنية بالسلك معنى آخر مختلف عن الرسم الخطي على المسطح من خلال تموضعها في الفضاء.
حاولت الفنانة أن تكون العلاقة بين الكتلة (المنحوتة بالسلك المعدني) والفراغ الذي لا يعد الفضاء الخاوي من القيمة البنائية بل هو تلك الأرضية التي تحتضن الكتلة وتكون هي الأخرى عنصر بناء وفعل مؤسس في خضم البنية الخطيّة علاقة انسجام وتكامل.
إذا الفراغ في أعمال الفنانة فضاء يحتضن التكوين ويخترقه ليبني هو الآخر هذا التكوين ويستحيل بدونه قراءة الأعمال الفنية.
من هنا ولان حبل الأفكار بالنسبة للفنانة متسلسل يمكن لنا أن نتحدث عن التنصيبة كطريقة لعرض تلك المنحوتات الخطيّة التي تحقق في الممارسة التشكيلية للفنانة مجموعة تفاعلات في المكان العرض الذي ستموضع داخله، فهي ستقوم باستدعاء المتلقي للولوج بين تلك المنحوتات الخطية المعلقة في الفضاء بخيوط شفافة يحركها الهواء ويخترق ثباتها. منحوتاتها الخطية تبحث عن فكرة التموضع في المكان والسكن فيه.
حيث تقول الفنانة في هذا الإطار “التنصيبة” التي أنشاتها أرادت من خلالها جذب المتلقي ليعيش التجربة الجمالية بدلا من الاكتفاء بمشاهدتها أو تأملها من الخارج وذلك من خلال الممارسة الحركيَّة أثناء قراءتها من الداخل.
إن تفاعل المتلقي مع الأجساد الفنتازمية يعطيها بعدا رابعا يتمثل في الامتداد زمانيا بوجود المتلقي كشريك لها داخل فضاء “التنصيبة” التي يمكنني تصنيفها ضمن الفن التفاعلي (Art Interactive) وهو يعتبر من الفنون المعاصرة ويهدف الى إزالة الحواجز والحدود بين المتلقي والعمل الفني ليتفاعلا مع بعضهما من خلال تحرك المتلقي داخل فضاء “التنصيبة” والعلاقات الحسية والنفسية التي يبنيها مع العمل التشكيلي.” إذا تحاول الفنانة خلق علاقة غير متداولة كثيرا بين الأثر والمتلقي بحيث يتموقع هذا الأخير داخل فضاء العمل وحوله ويتجول خلاله، حيث يخلّف هذا النوع من القراءة حوارا تفاعليا بين عدة ثنائيات، العمل الفني والمشاهد/ كما بين الشكل والمعنى/ وبين الداخل والخارج/ والصلب واللين.
ففي كل مرة يتحرر فيها العمل في الفضاء تتضاعف فيها ملامسة الفنانة للمادة وتنكشف أكثر من خلالها ممارستها التشكيلية.
فتتحول الأفكار فيها من قيد المتخيل والذهني إلى تعدد فضاءات التشّكل وتمثّل المعنى، ويتحوّل الرسم الخطي من قيد الفكرة الأولى إلى ملامسة أفكار أخرى جديدة تشحن الفضاءات المفتوحة تخترقها تلك المشهدية السريالية الفنتازمية في تراكب وتقاطع وتجاور وتناغم وانسياب، مما يجعل عين المشاهد تتيه نحو العديد من القراءات والتأويلات تتعلق بالشخوص وتراكيبها واختلاف ملامحها وإيحاءاتها.
وبالتالي يمكن القول ونحن بصدد تجربة الفنانة ربيعة رنشي أننا بصدد التحوّل في كل مرة من وضع إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى، وكل مرحلة تفضي إلى أخرى جديدة تنفتح على عدة قضايا ومفاهيم جديدة وتكسر الرتابة والتكرار.
خرج الرسم الخطي من المحمل المحدد إلى فضاء جديد حيث لا حدود للفعل التشكيلي فأخذت الأشكال بعدا غرائبيا وخارقا للعادة في كل مرة وكأننا شهدنا نتائج الجدلية القائمة بين المادة والفراغ، ولادة مخلوقات قادمة من عالم الأساطير انه نتيجة خيال لا محدود حوّل اللامرئي إلى مرئي وكشف عن رؤى جديدة لفكر الفنانة.
رحلة ربيعة رنشي مع الرسم/التصوير/النحت/التنصيبة رحلة بحث عن الحقيقة المغايرة والمتجاوزة لحدود العقل، تشق طريقها بثبات عبر الخطوط والألوان والخامات والفراغ والفضاء…وكل ما من شأنه أن يدفع بالذهني قدما نحو تمثل المعنى، أثار فنية تتخد أشكالا مختلفة تتناسل من “الرسمة” لتعانق الفضاء.

دلال صماري باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى