الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلات ومغامرات

رحلات ومغامرات

بيرنيه الساحرة
في جبال الألب فتحت جفنا عيني إلى أعلى مدى بعد ما شممت تلك الرياحين الجميلة، وذلك عبر الزهور البرية التي انتشرت في ربوع برية جبال الألب الأوروبية والتي اختلطت بعبق المطر المنهمر غير آبه بعظمة تلك الجبال بدروبها المطروقة ومجاملها التي تنتظر منا أن نرتادها والتي تحيط بها السهول من سحر وجمال آخاذ نحو مشاهد بانورامية جميلة لبدائع الطبيعة ووسط طبيعة ساحرة من سلسلة جبلية تمتد من فرنسا مرور بأيطاليا وسويسرا ويوغسلافيا.

هذه الطبيعة والرياحين عايشتها في رحلاتي من خلال تسلق أمواج من الجبال لأننا تعودنا أن نرى الطبيعة من بعيد دون أن ندخلها، مقررا التحاور معها بكل ما أوتيت من حواس تاركا الفيلا والسيارة خلفي مبتعدا عن قضبان السجون المنزلية والتي لا تروق لي، ملتصقا ومعانقا في الوقت نفسه الطبيعة من خلال ممارسة هوايتي المفضلة (الرعي) نحو امتدادات رعوية في العديد من الجبال والتي أجد فيها ضالتي، متذكرا تلك الطفولة الجميلة عندما كنا نقطر ماشيتنا في الصباح الباكر من على جبال قريتنا الواقعة في وداعية بين أحضان الجبال الصماء والتي لا يكدر ذلك الصباح الجميل أي ضوضاء وضجيج.

لقد أشبعت عشقي نحو السفر إلى مدن وقرى نحو العديد من الدويلات وفي أماكن مغمورة قل ما يصلها السائح في السفر العادي، متغلبا في ذلك على كثير من العوائق باتت أمامي، وذلك بعد أن أنهيت فصول دراساتي من أروقة الجامعات البريطانية والمراكز الفرنسية، حيث أبلغت أسرتي بعزمي السفر والفسحة في مغامرات غير مألوفة، والتي ستأخذ مني بذلك عدة أشهر،فإذا بهم ينبهونني بتأخير ذلك لما للرحلة الطويلة من مخاطر قد لا تحمد عقباها.

لكن إزاء إصراري على السفر، تقبلوا الأمر على مضض، كما أن ما خططت له في سنتين بات سيتحقق، وذلك بعد ما نلت لغة هذه الشعوب، حيث باتت عدتي وعتادي في هذه الرحلة حقيبة صغيرة بها حذاءان وبنطالان وجاكيت للبرد مع سجادة ومصحف صغير ومظلة تقيني من المطر، وكنت مقتنعا أني لن أحتاج إلى أكثر من ذلك فيما حددت للرحلة مسارها وتركت بعضها لتحديدها عشوائيا.

عندها أبرقت إلى مسيو (لوجاليك) وهو أحد الأصدقاء المتبقين لي في غرب فرنسا، كما أن مفاد برقيتي بأني سأقوم بزيارته في (دوغييه) عندما سأحط رحالي في الأراضي الفرنسية، أما بعد ما طابت بي الإقامة في منزله غادرته حيث كان ذلك باتجاه سلسلة جبلية تفضي باتجاه (شاموني) في مقاطعة (هوت سافوا)، وهي من مناطق جبال الألب الزاخرة عند سفح قمة مون بلان، والتي تعتبر من أعلى القمم الألبية في أوروبا والتي تطل على مشاهد جميلة من وادي (أرفي) وسط مناظر خلابة نحو كتل الجبال الرئيسية من قمم جبال الألب، حيث يمكن رؤوية متسلقي الجبال المعلقين بالحبال، وهم يحاولون بلوغ قمة (شترايف) ووسط تدني درجات الحرارة في أعالي تلك القمم.

في هذه اللحظة كان يشير الترمومتر في قمم أعالي هذه الجبال إلى 14 درجة مئوية تحت الصفر، بينما يلف باقي أرجاء الجبل الاخضرار ونحن في فصل الصيف، كنت حينها على أحسن ما يرام مفعما بمشاعر الفرح والانتشاء نحو ممارسة (الرعي) عبر مماش جبلية لا يسلكها سوى الرعاة، بينما الشمس لحظتها قد أضحت في الشروق على رؤوس القمم الجبلية المكسية بالثلوج بشموخها وكبريائها المعتاد.

هذه المرتفعات الجبلية باتت توفر نقاوة طبيعية نحو هواء منعش، والذي سيعمل على منح الجسم الطاقة والحيوية بمجرد التنفس من هواء جبال الألب حيث إنها منطقة جذابة تحيط بها الجبال الشاهقة والرائعة، كما يستطيع عشاق ألواح التزلج في الشتاء أيضا الاستمتاع في هذه المنحدرات من خلال تزلجهم مع ممارسة حركاتهم البهلوانية، وسط كتل الجليد في القمم وهي تتهاوى وسط مشاهد تحبس الأنفاس لرؤيتها.

في جبال (بيرنيه) الفرنسية وعند بزوغ خيط فجر كل يوم أغادر الكوخ الذي أقيم فيه بمعية الرعاة، وهو جبل حافل بالغابات حيث، كنا نشق هذه الجبال عابرين تخوم حافة تشرف على هاوية سحيقة ونحن نسير ببطء خوفا من السقوط في الهاوية مغامرين بحياتنا حيث علينا اقتياد قطيع من الأبقار وهي تسير عند التخوم وسط أصوات الأجراس والتي تدلت من أعناقها ونحن نهم برعيها، أما الأصوات الأخرى التي كنا نسمعها هي أصوات أجراس الخيول التي باتت ترعي في هذه المرتفعات، وهي ذات عنق طويل وقد علقت فيها هذه الأجراس حتى يتمكن الرعاة من الوصول إليها.

إن (بيرنيه) قد ألهمتني بمناظرها الجميلة وصفاء جوها الرائع بعد ما بدأت منها رحلتي في الرعي وعلى امتداد انحدارات سفوح الجبال مجتازا جسورها المعلقة في أعالي جبالها والذي بات يربط ضفتيها جبل كبير فيما في الأسفل هوة سحيقة تحتضن نهرا عظيما تمكنت من اجتيازه بعد ما حصلت على ترخيص نحو عبوره، ومن خلال هذه الجبال يمكن رؤية الزهور تساير طريقي نحو الممشى الجبلي والتي تشكلت منه طرقات بالقرب من منطقة الحدود بين فرنسا وأسبانيا.

في هذه الجبال ومن خلال ممارسة الرعي مع الرعاة، كنا نقوم بقطر هذه القطعان من الأبقار والعمل على جلبها عند الصباح الباكر من أعالي الجبال الخضراء، وذلك إلى حظائرها والتي يربو عددها إلى (40) رأس بقر، ثم نقوم بإدخال القطيع في الحظيرة، حيث نقوم بحلب هذه الأبقار بعد ما أودعناها في حظائرها، والعمل على القيام بتفريغ سائل الحليب في إناء كبير.

توضع مواقد نار تحت هذه الآنية التي تم صنعه خصيصا، وذلك لتسخين سائل الحليب حيث يتم غليه، وذلك كي يتم فصل البكتيريا والشوائب منه، ومن ثم يتم وضع السائل في قوالب دائرية، حيث يشكل منها عدة أنواع من الأجبان ذي الرائحة الجميلة كالجبن الأبيض والجبن مغسول القشرة وهو لا يختلف كثيرا عن الأبيض في الأعداد، كما يوجد عندهم الجبن الصلب وهو نوع من الجبن المطبوخ والمضغوط، كما أن للجبن الأزرق رونقا خاصا، وهناك الكثير من أنواع الأجبان عندهم، كل هذه الأفكار نحو صناعة الأجبان هي نبعت من فكرة هؤلاء الرعاة.

كما يقوم بعض الرعاة بلف ذلك السائل في قطع من الورق الخاص، ومنهم من يقوم بصبه مباشرة في القوالب ويخزن بعد ذلك داخل صناديق خشبية في أماكن جيدة التهوية، وذلك في الهواء الطلق، حيث يمكن حفظ هذه الأجبان بمذاقها لعدة شهور.

في جبال (بيرنيه) أقمت في بيوت خشبية عند فصلي الصيف والشتاء بمعية الرعاة، وهي ما تسمى بيوت (الأيجلو) الخشبية بعد ما علق على حوائطها شماعات لتعليق عصي المشي والأحذية التي نستخدمها أثناء التزلج في الشتاء والتي عادة ما تكون الغرفة ساخنة الهواء لتجفيف ملابسنا المبتلة.

وفي فترة ما وجدت نفسي أحظى بدعوة من زملائي السويسريين نحو زيارتهم في مراعي جبال سويسرا الخضراء بعد ما علموا بعبوري الحدود السويسرية برا باتجاه دولة (ليخشتاين) ومنها إلى (فيينا) عاصمة النمسا والتي تنزهت في (سالزبورج وأينسبروك) سيرا على الأقدام من خلال دروبها الجبلية والأخيرة باتت تتربع في قلب ولاية (تيرول)، وهي من أجمل مناطق النمسا الجبلية والتي احتضنتها السلسلة الشمالية من جبال الألب وكذلك سلسلة جبال (توكسر) الجنوبية، مكملا رحلتي وسط أودية ومروج وسفوح جبلية خضراء بعد ما ترصعت قممها الجبلية بالبياض الثلجي والتي تسبي العيون وتحقق متعة تفوق الوصف عند رؤيتها بالإضافة إلى جبال (سومافا) والتي تندرج بشكل حاد جهة بافاريا والتشيك.

هذا العبور أتاح لي ممارسة هوايتي مرة آخرى وهي (الرعي) في جبال الألب السويسرية وجبال (تاترا) البولندية من خلال ارتفاعات جبلية تبلغ 35 مترا، كان ذلك عند نهاية الربيع وهي ما تسمى (بالمنتريب) وتعني العودة من المراعي الجبلية إلى المناطق المنخفضة، وذلك بعد ما تغذت قطعان الأبقار والماشية من أعشاب هذه المرتفعات حيث الطيور تحلق من على فضاءات عالية، ناهيك عن الشلالات المتدفقة بغزارة من جروف حادة مكسوة بالضباب والتي تتوارى السناجب في جيوب غابات الصنوبر عند رؤيتها لنا، وهي تعانق هذه الجبال الشاهقة بحميمية رائعة ومناظر ساحرة تروق لها القلوب وتتفتح لها بصفاء جوها النفوس والتي تحتضن بحيرات غاية الروعة من على قممها، كما سبق أن أقمت في هذه المرتفعات في أكواخ معلقة بين جذوع أشجار الصنوبر بعد ما بنيت موادها من الطبيعة.

أما عند الليل وأنت في أعالي هذه الجبال، لك أن تتخيل وضوح مئات النجوم وأنت في هذه الأعالي قبل أن تهم بممارسة هوايتك قبل طلوع قرص الشمس اليوم التالي حيث، يمكنك رؤية نيازك وكواكب ومجرات دون الحاجة إلى أي مرصد ساجدا للخالق عز وجل، وذلك في ليلة ظلماء حيث باتت هذه النجوم وكأنها في متناول اليد.

كل ذلك وسط أحضان الطبيعة المضيئة، معانقا تلك المناظر الخلابة ومصافحا الطبيعة الخضراء بحميمية رائعة منقطعة النظير وواقفا برهة متأملا ومذهولا لجمال لوحات الطبيعة عند الرعي ، حيث لم أكن أتوقع أن أرى تلك اللوحات الإلهية والتي يصعب على المرء أن يشاهد مثيلها، حيث بدأ كل مشهد يزهو بروعته لكنه يعجز عن تفسيره أيا كان في تلك اللحظة.

عندما كنت أجتمع مع زملائي كنت أشعر أن أفكاري وطموحاتي تختلف كليا مع آرائهم وتطلعاتهم وسريعا ما أختلف معهم، وذلك نابع من رؤيتي الشخصية فهي نظرة تحد خاصة بي أرى من خلالها ما أود تحقيقه، محاولين إثنائي في الوقت نفسه نحو التفكير في القيام بهذه الرحلات والمغامرات لما يكتنفها من مخاطر جمة، وهو عالم شبه مجهول عن الاخرين، مدركا في الوقت نفسه أني لست ذاهبا إلى نزهة معهم، فهذه مغامرات نوعية تتناقض كليا من حيث المناخ والحرارة في الارتفاعات العالية مع ما عهدته طوال حياتي، حيث يكمن بها عنصر المخاطرة عند الرعي بين عوائق الصخور، وهي فوق أعالي الجبال الحاده والوعرة فهي مثيره للأحاسيس والإلهام.

لقد استطعت أن أكمل سنوات من ممارسة هذه الهواية في رحلاتي، حيث حصاد ذلك طبيعي وبديهي ويكمن في التغير الشكلي الذي طرأ عليّ من خلال المشي عند النزول والصعود لمسافات طويلة على قدمي مما أدى في نهاية المطاف إلى أن جسمي بدأ يتكيف مع الوضع ليصبح أنحف من ذي قبل، حيث ظهرت لي حقائق وجب عليّ التوقف عندها، كما أن هذه الهواية يتفوق فيها الإنسان على نفسه، فيما اضطررت أن أستبدل أحذيتي التي أرتديها عدة مرات من شدة تمزقها وتشققها من على هذه الجبال.

لقد مررت بفترة عصيبة أثناء ممارسة هذه الهواية في هذه الجبال حيث، لم أر أي نفوس عربية تمارسها، كما أن هذه الهواية أشعرتني أحيانا بالقلق والاضطراب والتي أدت أحيانا بي إلى فقدان الشعور، فيما كنت أنظر إلى نظرات الناس من حولي بمنظار اتهامي بالجنون في أحيان أخرى، لكن هذا الجنون في داخلي بات يشعرني بسعادة بالغة ما عرفتها من قبل حيث، يتطلب مني الوصول للغاية المنشودة مني والتي أتيت من أجلها، لكن ترحالي لهذه الأمكنة بكل قوة وعزيمة بمفردي ومع رفاقي والذين رافقتهم في بعض الرحلات، فهم أناس سخروا وقتهم لممارسة هوايتهم المحببة وهي الرعي، حيث لم أر منهم ما يضايقني طيلة فترة ملازمتهم بل كانوا يسألونني عن مغزى ما أقوم به عندما يروني أصلي وساجدا في سفوح هذه الجبال وقراءة المصحف الذي بحوزتي والذي بات يحميني مع البوصله والتي هي رفيقة دربي في كل رحلاتي.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى