الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قُريشيات أُنثويّ قراءة في نص “كذبة نيسان” للشاعرة فاطمة سلمان آل قريشة

قُريشيات أُنثويّ قراءة في نص “كذبة نيسان” للشاعرة فاطمة سلمان آل قريشة

من الأمسيات التي شدّتني كثيراً وكتبت عنها، تلك الأمسية الدافئة الجميلة والتي أقيمت قبل أشهر في “منتدى الوسطية للثقافة” بمدينة صفوى بالمنطقة الشرقية، وذلك احتفاءً بالأديبة الشاعرة فاطمة سلمان آل قريش، بمناسبة صدور ديوانها الأول “بعد منتصف الحب” الصادر بطبعته الأولى للعام الماضي 1436هـ- 2015م عن دار أطياف، حيث قدم الكاتب حسن آل حمادة كلمة بهذه المناسبة ركز على أهمية تشجيع الكتّاب والكاتبات، كما ألقى الأديب والمؤرخ الدكتورعلي الدرورة كلمة عن أهمية طباعة ما ينتجه الكتاب للارتقاء بالجانب الثقافي والفكري والأدبي لدى المجتمع، وقد ألقيت كلمة تحدثت فيها عن أهمية استمرار الشاعرة بكتابة القصيدة النثرية بنفس الروح الوثّابة التي كتبت بها نصوصها السابقة، بالذات تلك النصوص التي شاركت بها في يوم الشعر العالمي في 21 مارس 2015 والذي أقامه “منتدى النورس الثقافي” في إحدى قاعات المطعم المشهور بالقلعة في جزيرة تاروت، ومما قلته ـ في هذه الأمسية ـ لهذه الشاعرة / الناثرة فاطمة سليمان آل قريش ألا تتوقف عن مواصلة كتابة نصوصها النثرية مهما كانت العقبات والعراقيل، وقد تخللت الأمسية مداخلات من الحضور إضافة إلى بعض الأسئلة والاستفسارات التي وجهها الجمهور للشاعرة فاطمة قريش عن تجربتها وتطلعاتها، وقد أجابت عليها وتحدثت عن تجربتها منذ المرحلة الابتدائية، كما تحدثت عن مشروعها القادم وهو كتابة رواية أدبية وضعت لها عنواناً أوليا وهو (أحلام سمراء)، وقد ختمت كلمتها بإلقاء البعض من نصوصها التي استحسنها الحضور، ورسمت الدهشة على وجوههم، مما حداني كتابة كلمة طويلة في الدفتر الذهبي للمناسبة بأسلوب النثر الفني، وكانت بمثابة رؤية موجزة وكلمات أخوية في صدق الإعجاب وأهمية هذه النصوص وفائدة استمرارها في مواصلة الإبداع.
من خلال قراءة ديوانها الأول المُشار إليه أحببت أن أقدم قراءة “نقدية / تذوقية” لنصّ واحد من هذه النصوص على سبيل الاستئناس الثقافي، ومحاولة في التحليل الرؤيوي، وكل نصوص الديوان تستحق القراءة ولكنني سأقتصر على نصٍّ واحد من باب إطلاق قراءة البعض على الكل، من حيث وحدة الأسلوب وتماسك الموضوعية، والالتزام بقواعد النثرية الفنية، وشروط وأسس وأركان وأعمدة النص الشعري المنثور، وقد حاولت قدر المستطاع أن أتجاوز ما هو معتاد في العملية التحليلية، استجابة لآراء الكثير من الأدباء والنقاد ومنهم ما ذكره الدكتور عبد العزيز المقالح معلقاً على جهود هؤلاء النقاد الأكاديميين والتي “تؤكد على أن مهمة الإبداع الأساسية تتجلى في تجاوزه لمفاهيم الواقع وما يسود فيه من أشكال وأساليب مستهلكة، فإن النقد بوصفه قراءة لهذا الإبداع المتجاوز لابدّ أن يكون أكثر تجاوزاً وألا تمنعه الإشكالات الآنية من مواصلة تطوره الكمي والنوعي في آنٍ، وهذه الإشارة لا تعني بحال أن يتجاكل كل من الإبداع والنقد ما يحيط بالواقع من اضطرابات وانكسارات…”،( ) والشاعرة فاطمة آل قريش أخذت من خلال نصوصها بكل أساليب الخروج عن التعبيرات الاعتيادية أو المستهلكة حسب تسميتها من قبل الدكتور المقالح، ونحن كذلك نحاول في هذه القراءة أن نتجاوز الأساليب الاعتيادية في القراءة ـ ولعلنا نوفق ـ .
القراءة الأولية عادة ما تكون لدى الناقد بمثابة رؤوس أقلام يربطها خيط سحري واحد، ولكنها غير مكتملة البناء، وهذا اللون من الكتابة يميل إليه العديد من النقاد إذا ما طُلِب منهم الكتابة السريعة عن نصٍّ معين ولا يسعفه الوقت لإتمام كل ما يريد، فيعمد إلى أسلوب القراءة الأولية، مُحاولاً التركيز على أهم المعطيات الجمالية في هذا النص، وهذا ما فعلته تماماً عندما قرأت نص الشاعرة فاطمة سلمان ال قريش (كذبة نيسان)، فهو نص يختزن في داخله العديد من الاحتدامات النفسية مع الواقع، والذات الشاعرة التي تنطلق من شخصية فاطمة سلمان آل قريش تحاول بين مقاطع هذا النص أن تثبت شيئاً ما فتقوله للآخرين بكل هدوء، وتكون بذلك محققة إيصال الرسالة المطلوبة لمتلقي النص، إنها من جهة تثبت ذاتها وكينونتها، وتكشف ما يكمن في خبايا نفسها تجاه الآخر، وبالذات تجاه من تخاطبه في النص وهو شخص مجهول، ومن جهة أخرى تنقل هذه الصورة للآخرين عبر الكلمة والجملة والمقطع ومجمل المقاطع ومن ثم من النص بأكمله، وقد لجأت الشاعرة إلى الأسلوب السوريالي في التعبير الشعري، حيث لا يخفى على القارئ والمتابع للمدارس النقدية والفلسفية في الفكر والثقافة والأدب والفن أنه “كانت لانفتاح السوريالية على الآخر – التصورات الأخرى في الشعر، الثقافات الأخرى، الطرائق الأخرى في التفكير والسلوك، نتائج مؤثرة من بين العديد من الحركات الطبيعية، التي انبثقت في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين، كانت السوريالية الحركة الوحيدة التي استقطبت المرأة المبدعة، والمبدعين من أعراق أخرى…”، ( )، وانطلاقاً من أسلوب الشاعرة في التعبير السوريالي تتعدد التأويلات والتفسيرات في القراءة التحليلية للنص، كما أن لهذه التأويلات والتفسيرات مدخلية كبيرة في محاولة اكتشاف ما يكمن في خبايا نفسها ـ كشاعرة ـ وقد أبدعت في هذا التوصيف النفسي، وهي واعية تماماً في التكوين النصي الموازي للحالة النفسية التي تعيش في وجدانها، حيث نلاحظ كمية الصور المناسبة للتعبير عن ذلك وهي تعتبر بذلك إحدى المبدعات ضمن سلسلة طويلة من كُتاب النص الشعري النثري ممن سبَرُوا أغوار النفس والذات، وهذا ما أكّده الأديب الراحل الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب عندما قال: “يوافقني صديقي الدكتور طه حسين على أن النثر العربي قد تطور في هذا العصر الأخير، إلى حيث قارب أن يكون صالحاً لأداء حاجات النفس…”، ( ) وهذا صحيح والدليل على ذلك ظهور الكثير من الدراسات في النقد السايكلوجي للأدب في العديد من الجامعات بعالمنا العربي والإسلامي بشكل عام، وبالذات ما يتعلق بالنص الأدبي النثري من مقالات وجدانية أو خواطر أو شعر نثري، جنباً إلى جنب الشعر العمودي والتفعيلي أيضاً.
تقول الشاعرة في أوّل مقطع من النص:
” تزدحمُ العصافير على بابي”
في هذه الجملة تتواصل الشاعرة مع الطبيعة من حولها من خلال بعض هذه الطبيعة وهي العصافير، التي تحمل في كينونتها رمزاً لطيفاً للوجود الناعم حيث تتحرك هذه العصافير وتتقافز وتسقسق على عتبات باب الشاعرة، وتذكرنا هذه الصورة بقول الشاعر درويش في نص (العصافير تموت في الجليل)، غير أن العصافير عند فاطمة هي نذير شؤم لمصيبة تأثرت بها الذات/المفردة – أي الشاعرة -.
بينما العصافير عند محمود درويش ضحية تأثرت بها الذات / المجموع – أي الشعب الفلسطيني، يقول درويش:
تعالَي ننتمي للمجزره…!
سقطت كالورقِ الزائدِ أسرابُ العصافير بآبارِ الزمن..
غير أن الصورة عند الشاعر محمود درويش تميل إلى توظيف العصافير في صورة بيانية مُجملة ومن مصاديقها الأطفال الذين سقطوا في هذه المجزة..
بدلالة أنه في بداية النص قال:
ورَمَت في آلةِ التصوير عشرون حديقة وعصافير الجيل ( )
حيث يشير إلى مجرّد الذكريات من خلال ما صوّرته بطلة النص في كاميرتها الخاصة من حدائق وعصافير الجليل التي أصبحت مجرّد ذكرى فقط.. وما وراء هذه الصورة الظاهرية صورة واقعية لما حدث بالجليل من سقوط الطبيعة والبراءة معاً برصاص المعتدين .. بينما الشاعر فاطمة آل قريش تستخدم العصافير بطريقة مقلوبة تماماً.
فالعصافير هنا ليست العصافير على حقيقتها بدلالة ما ستوضحه في السطور التي تلي هذا المقطع الأول من النص.
وكم هو منظر جميل أن ترسم الشاعرة هذه الصورة بأربع كلمات، مُعبّرةً على التحام كلّ من:
-
الذات/الشاعرة -
الذات/الوجود.
من خلال اندماج الجزء مع الجزء، الذي هو في حقيقته التحام الكل مع الكل في آنٍ واحد، تقول الشاعرة فاطمة سلمان آل قريش:
” في هذا الصباح البارد جدًا.. المُمِلِ حدّ لعبةٍ تافهةٍ.
..
تَزدَحِمُ العصافير على بابي”
وهذا المقطع الذي بدأت به الشاعرة نصها (كذبة نيسان) يوحي للمتلقي لأوّل وهلة ما ذكرته من التحام الذاتين، الشاعرة والوجود، وبينهما الباب، الذي هو رمز مادي للدخول والخروج.
-
الدخول إلى عوالم أخرى تختبئ خلفه.
-
الخروج من تلك العوالم إلى عوالم أخرى، وهكذا… ولكننا نُفاجأ من خلال هذه النقلة إلى كلمة (بابي)، بجملة أخرى تنقلنا من عالم اللطافة في هذه العصافير الوديعة إلى ما لم نتوقعه كمتلقين، حيث تقول:
” تصرخ كما يصرخ غراب جائع لا أعلم هدفها، ولا أريد أن أعلم لا يهمني هل جاءت جائعة .. مُغْرِدة .. أو مُبَشِرة المهم أني أكره العصافير “ليس من المعتاد أن تكون العصافير الجميلة تصرخ كالغربان الجائعة .. وهذا دليل على عملية إلباس الشاعرة هذه الكائنات اللطيفة لباساً ليس لباسها، كأنما تريد أن تقول لنا أن الواقع الجميل الذي حولنا والمفترض أن يُسعدنا ويدخل السرور على قلوبنا … هذا الواقع ليس هو هو .. إنه باختصار كالغراب وهو نذير شؤم في بعض الثقافات الشعبية، إنه يصرخ من الجوع وما وقوفه على أبوابنا إلا ليقضي على جوعه من خلالنا.. وهذا يعني أن نكون نحن من ضحاياه.. لذلك تقول الشاعرة: ( لا أعلم هدفها.. ولا أريد أن أعلم )، لأنها خائفة من الأساس من هذا المنظر المُخيف، وتختم هذا المقطع بأنها تكره العصافير..
وفي حقيقة الأمر إنها لا تكره العصافير الوديعة ذات الأصوات الموسيقية الرائعة..
ولكنها تكره ذلك الواقع المرّ الذي استخدمت فيه هذا القناع المقتبس من الطبيعة التي حولنا، ومن طبيعة الكثير من الشعراء والشاعرات اللجوء إلى طرح أمثال هذه الصور البيانية التي تستلزم العديد من التساؤلات المباشرة أو غير المباشرة عن الذات وعن الآخر، بتجاذبات تعبيرة مختلفة في أساليبها وطرقها.
ونتابع النصّ مع الشاعرة، حيث تقول:
” أخبئ رأسي تحت و سادتي.
..
أحاول أن أسمع ضجيجكَ بداخلي ألعنُ تلك العصافير البريئة ألف مرة لأنها دائماً ما توقظني منك ”
في هذا المقطع تلجأ الشاعرة إلى شخصٍ ما..إنّها تستنجدُ به بطريقة غير مباشرة.. وتستمر في تضجّرها من تلك العصافير البريئة وتلعنها لأنها بشكل دائم توقظها من ذلك الشخص الذي تلجأ إليه وتستريح إلى ضجيجِهِ في داخلها.. وهذا يعني أنها تهرب من الواقع المرّ إلى واقع افتراضي يعيش في وجدانها أو ما تبقى من ذكراه في ذاكرتها وأخيلتها فتشكلّهُ كيف تشاء، وهذا الشخص لا زالت تذكره بصيغة المذكّر أي إنها تخاطب رجلاً ما يعيش في خباياها وبين حناياها وفي دهاليز ذاكرتها.. قد يكون الحبيب.
.قد يكون شخصاً ما عزيزاً عليها فقدته..قد يكون شخصاً آخر..
” تسرَّب الضجر إلى أوردتي تذكرت أني منذ أعوام لم أكذب عليك.
..” إنها لا تزال تسرد مشاعرها تجاه هذا الضجر الذي انتابها، ولكنه هذه المرة يتسلل إلى أوردتها، وهو تعبير ينمّ عن الألم الكبير الذي تشعر به من جرّاء هذا الضجر..ويأتي عامل آخر من عوامل استمرارية هذا الضجر وهو عامل الزمن، الذي يعطي للألم من الضجر بعداً آخر ينطلق من المكان الذاتي وهو الجسد، إلى الزمان الممتدّ في حركة الوجود..
تقول: ” تذكرت أني منذ أعوام لم أكذب عليك…”، وهذا لأنها قبل هذه الأعوام الماضية كانت تمارس حياتها معه بشكل طبيعي وأنها كانت تكذب عليه كأي امرأة تكذب ولوكان كذباً أبيضاً، أما الآن فهي على استعداد للكذب عليه..أي أنها ستمارس حياتها الاعتيادية والطبيعية معه..
ويلاحظ من الشاعرة استخدام فعل المضارع (تسرّب) من جهة..
والفعل المضارع ( تذكرتُ ) من جهة الأخرى، حيث لا زالت تلعب الشاعرة في تكويناتها اللغوية على جهتين: الذات ـ الوجود، على اعتبار أن التسرّب للضجر إلى الأوردة يعود إلى الذات.. وعدم كذبها من أعوام مضت دلالة على حيّزٍ من الوجود الممتد زمنياً.
” وها هو نيسان ينقذني.
..
يحيكُ لي الأكاذيب…
سأختار لي منها ما يلائم كل هذا الصدق الذي حملته لك.
..
الكذبة الأولى.
..
أنا لا أحبك.
..
الثانية: ولم أحبك.
..
الأخيرة: ولن أحبك أبدًا.
..”
تستخدم الشاعرة/الناثرة فاطمة آل قريش أسلوباً نوعياً، للتعبير عن بعض مشاعرها ولكن بالمقلوب، أنها توظف “كذبة نيسان” المشهورة، فتحوّل هذه الكذبة التي يُراد بها الدّعابة والمُزاح بين الناس في هذا الشهر، تحوّلها إلى صدق، ولكن لكذبة نيسان في التاريخ قصة ذكرها الشيخ الدكتور خالد الجبير، بقوله: أنه ” عندما سقطت الاندلس خرج الصليبيون ونادوا بالناس: أنه من أراد النجاة بنفسه وأهله وماله فليذهب إلى الشاطئ، فإن سفناً كبيرة قدمت من المشرق لتأخذ من تبقى من المسلمين؛ وبالفعل صدّق المسلمون وذهبوا جميعاً إلى الشاطئ وهناك كانت الخديعة حيث الجيش الصليبي بانتطارهم يحيط بهم من كل جانب فأعملوا السيوف في رقاب المسلمين، وذبحوا النساء والرجال والكبار والصغار حتى احمرت مياه البحر من دمائهم، وسرقوا أموالهم بعد أن سرقوا أرواحهم، وكان ذلك في الأول من نيسان، حيث دُعيت هذه الخديعة بسمكة نيسان، لأنهم كذبوا على المسلمين واصطادوهم كالسمك، وبعد هذا أيليق بنا أن نكذب وقد امتزجت هذه المعصية بدماء إخواننا وسخرية أعدائنا! ” ( ).
والكذب في ثقافتنا الأخلاقية مذموم على أي حال، ولكن الشعراء يستخدمون مصطلح الكذب الشعري كما استخدمه المناطقة عندما قال بعضهم: “أعذب الشعر أكذبه”، أو “أكذب الشعرِ أعذبه” وهو الكذب البلاغي الذي يستخدم المجازات بأنواعها والتشبيهات بأنواعها فهو تحكي ظاهراً ما ولكنها تقصد باطناً ما هو المعوّل عليه في القراءة النقدية أو التأويلية للنص الأدبي شعراً كان أو نثراً أو قصة أو رواية أو مسرحية أو مقالة.
الشاعرة/ الناثرة فاطمة أل قريش تستخدم أسلوب المدح بما يشبه الذم، فعندما تقول: (الكذبة الأولى أني لا أحبك ) هذا يعني أن الجملة الأولى الصادقة أنها تحبه.. وعندما تقول له: ( الثانية ولم أحبك ) وهذا يعني أيضاً أن الثانية لم تكذب في حبه، وعندما تقول: ( الأخيرة ولم أحبك أبداً ) وهذا يعني أيضاً أن الأخيرة لم تكذب عليه في حبه أبداً.
والدليل على استنتاجنا المذكور هو قولها في تتمة النص:
” فتعالَ هِبْ لِجُرحي راحةَ كفك.
..
ضعها هنا فوق هذا الجرح الذي لا يستكين.
..
وهنا…وهنا…وهنا وفي هذه الزاوية..
وعند مدخل قلبي..
وأيضًا هنا فوق وجنتي وعند مسكن عيْنَي وعلى كل أوردتي المهترئة..”
تلجأ الشاعرة إلى أسلوبين تعبيريين واضحين في هذا المقطع والمقاطع التي تليه، حيث تستخدم في قبال الحديث عن ذاتها بمخاطبة هذا الشخص المجهول أسلوب الأمر، فتكرر فعل الأمر ( هَبْ ) – من الهِبَة – فتقول: ( هب لجرحي ) ثم تكررها في مقطع (هب لظلامي )..
وتستتبع هذا الفعل بأسلوب التكرار بحذف الفعل ( هب ) واستخدام حرف الجر ( لـ )، فتقول: ( لجفافي )، ( لخوفي )، ( لبكائي )، ( لكلّ )..
كأنها تكرر الفعل ( هب ) ولكن بحذفه في كل الكلمات السابقة، ثم تكرره بصيغته في مقطع ( هب لي كذبة أخرى )، هذا في قبال الحديث عن ذاتها في الوقت الآني – وقت الخطاب الموجّه للشخص المجهول، ولكنها تستخدم أسلوب الخطاب الحال والمستقبل في قبال الحديث عنه، لأنها بذلك تترقب حالة انكشاف هذا الحزن والانفتاح على مستقبل زاهر، ففي المقاطع التالية تقول مخاطبة الشخص المجهول: ( تجعلني ألتصق بك ) – فعل مضارع ثم فعل مضارع – وهما يفيدان الحال والمستقبل، وتقول أيضاً (حتى تتنفس السحب )، (ينقشع الضباب )، ( يسقط الضياء )..
كلها أفعال مضارعة تفيد الحال والمستقبل.
إنها لا زالت تلجأ لذلك الرجل المجهول..
الذي تناديه هنا في هذا المقطع من النص وتطلب منه المجيء بكلمة: ( تعالَ ) وهو كما جاء في معاجم اللغة ” اسم فعل أمر للمذكَّر بمعنى أقْبِل، هَلُمَّ، وتتَّصل به الضَّمائرُ فيبقى على فتحِهِ؛ تعالَيْ للمؤنَّث وتعالَيَا للمثنَّى وتعالَوْا للجمع المذكَّر وتعالَيْن للجمع المؤنَّث، وربمّا تضمّ اللام مع جمع المذكّر وتكسر مع المؤنث تَعَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ يُعْجِبُكَ: اُحْضُرْ”،( ) ونلاحظ هنا استخدامها لهذه اللفظة بصيغتها المذكرة، أي أنها لا زالت تخاطب ذلك الرجل المجهول الذي تطلب منه أي يقبل عليها لكي يهب لها راحه كفه..وأن يضعها فوق الجرح الذي لا يستكين، وهنا وهنا..
وهكذا.. فنشعر بأن الشاعرة/الناثرة لا زالت تحاول الاتصال بذلك المجهول الذي تستنجد به، ومن دلالات استخدام حرف ( تعالَ ) أنها تنادي غائباً ما، وتستمر في هذا النداء فهذا الفعل مرى ثانية في المقطع التالي:
” تعال هِبْ لظلامي…لجفافي لخوفي وبكائي.
..لكل جزءٍ في روحي.
..”
لا زالت تطلب منه أن يهبها ـ كذبة نيسان ـ تلك التي أوّلناها من خلال القرائن أنها عكس ما تكشفه كذبة نيسان، إنها تريد منه أن يحضر بشخصه.. بذاته.. لتلتصق به كعينيه.. كظله.. وهنا تلجأ الشاعرة/الناثرة إلى التعبير المادي الحقيقي بعالم المحسوسات..بعد أن كانت تغني على أوتار الغيب.
” هِبْ لي كذبةً أخرى من كل الأكاذيب التي حبكتها حتى تجعلني ألتصق بك كعينيكَ.
..
كظلك “.
ثم تستخدم أسلوباً آخر..
وهو إضفاء صفة التنفّس على هذا الغائب التي تفترض عودته إليها، فإذا تنفس ينقشع الضباب الذي يخفيه عنها، ويسقط الضياء في قلبها..
وكم في هذه الصور التعبيرية من سوريالية واضحة من حيث التصاق الذات/الشاعرة، بالشخص المجهول الذي تخاطبه الشاعرة، وتترك لمخيلة المتلقي كيف يكون الالتصاق كالعينين، وكالظل، وفي المقطع الذي يليه ترسم صورة سوريالية أخرى وهي تنفّس السّحب، وسقوط الضياء في القلب.
“تعال حتى تتنفس السحب، و ينقشع الضباب، ويسقط الضياء في قلبي، فأنا أنثى أدمنت أكاذيبك،وأحب أن أعيشها بدقة بالغة الجنون”
وهذا كله لكي تثبت أنها أنثى أدمنت أكاذيب ذلك الرجل المجهول، أي أنها أدمت صدقه بذاته، وصدقه بأقواله، وهي لذلك تحب أن تعيشها بدقة بالغة الجنون.. وهنا يمكن أن نفسر قولها كلمة الجنون وتقصد بالذات بنفس الأسلوب المقلوب الذي استخدمته أعلاه، حيث تقصد بذلك العقلانية والذكاء، وهذا ما يسميه بعض النقاد بتراسل الدلالات..فدلالة الأبيض قد يقصد بها الأسود، ودلالة الكذب قد يقصد بها الصدق..وهكذا.
وبعد الانتهاء من هذه القراءة التذوقية للنص .. أترك القرّاء مع نصّ آخر للشاعر الناثرة فاطمة سلمان آل قريش، بعنوان: (جدائل الوجع)، وهذا النص لا تزال الشاعرة/الناثرة فيه تستخدم نفس الأساليب السابقة ولكن بطرق أخرى، إنها تيمتها التي تعوّدت عليها في حبك قماشة النص الذي تتقن عمله أيّما إتقان.. ولكنها هذه المرة تتحدث عن أمّها، وأتصور أنها تبوح بالسرّ الذي أخفته في النص السابق ( كذبة نيسان ) عندما صرّحت بيتمها، أي أن ذلك الرجل المجهول في النص السابق كان والدها الذي فقدته وهي لا زالت ترثيه برمزياتها بعدة طرقٍ وأساليب، وإن كانت لفظة اليتم تستخدم عند الشعراء بعدة معان، منها فقد الحبيب.
موجوعةٌ أنا يا أمي جَدِّلِي تبعثُرات حُزني.. فما عاد الفرحُ حليفي والشيبُ أقام مُقاماً كريماً في شعري..
قلِّمي أظافر الهمّ عن أصابِعي فيدايَ باهتتان..
متعبتان من غُبار الزمن المُرّ يا أمي.
دعيني أنام فوق رجليكِ..
هزي لي..
وغنّي لي فالكوابيس تُطارِدُ فِراشي يا أمي.
مريضةٌ أنا يا أمي..
أحتاج قِطعة قِماش مُبللة بثلجِ صدرك مُديها فوق جبيني فحرارة اليُتم تَحرِقُني..
تَحرِقُني جدًا يا أمي.
جائعةٌ أنا يا أمي ورغيف أبيَ اليابس أكلهُ الطير..
أحتاج طهو دعائكِ في ماعون أحلامي.
متسِخةٌ أنا يا أمي..
مرَّ من هُنا عابرُ سبيل وألبسني السواد ورحل..
القليلَ من دموعكِ في حضنِ سجادة..
وليلةِ ظلماءْ تغسِلُ أوجاعي يا أمي..
أحتاج أن أعود طفله يا أمي طفلة، وكفى.
وتذكرني هذه النصوص الشعرية/النثرية، بالقريشيات الشواعر اللواتي كنَّ يندبن قتلاهنّ من الآباء والإخوان والأقارب في الحروب الأولى زمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك العقود المتعاقبة بعد هذه المرحلة الزمنية وصولاً إلى كربلاء، وما بعد كربلاء على امتداد التاريخ الأموي والعباسي، وما جرى للهاشميين طوال تلك الحقب الزمنية الغابرة.
إن شاعرتنا تعمّقت في وصف ألم الذات، وحرقة الوجدان، وحرارة الأحاسيس، وبكاء المشاعر..تماماً كما نقرأ ذلك في العديد من نماذج الشاعرات القرشيات في العديد من صفحات تاريخنا العربي القديم، ولا أوحِي هنا بأن ( أسرة آل قريش ) هم امتداد الأسرة القريشية، ـ فليس هذا موضوع حديثنا هنا ـ ولكنني أقارب بين حجم الألم والحزن لدى شاعرتنا فاطمة بفقد من تحب ـ سواء كان والدها أو حبيباً من رسم خياليها ـ، والنساء الشواعر من قبيلة قريش عبر التاريخ، وبالذات الهاشميات، فحجم الفجيعة بفقد الأب كبير جداً يستحق ذلك الشعر العظيم الذي لا يزال مخلداً حتى يومنا هذا، وقد أشارت بإشارة أخرى في نص ( موجوعة أنا يا أمي ) عندما قالت: (ورغيف أبي اليابس أكله الطير)، وكذلك فقد المرأة حبيبها الذي كانت تترقبه ثم تفقده حتى لو كان في فضاء مخيلتها الواسعة.
الهوامش:
- نص وقراءة .. نحو قراءة ثانية للنص، أ.د.محمد أحمد النهاري، سلسلة دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2014، ص: 5و6
- السوريالية في عيون المرايا، ترجمة وإعداد أمين صالح، دار الفارابي، دار الفراشة للنشر والتوزيع، ط: 2، 1431هـ 2010م، ص: 249، 250.
- ثورة الأدب، محمد حسين هيكل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2011م، ص: 55.
- محمدود درويش، الأعمال الكاملة، قصيدة ( العصافير تموت في الجليل).
- صفحة الشيخ الدكتور خالد الجبير– 31 مارس 2014م.

https://ar-ar.facebook.com/KhalidAljubair/posts/802708923089788

- معجم المعاني الجامع..

http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/

عقيل المسكين

إلى الأعلى