الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / القصيدة الغزلية في الشعر العماني (2)

القصيدة الغزلية في الشعر العماني (2)

ملامح الغزل في العصر اليعربي
يعد هذا العصر فترة من الفترات الهامة في عمان، فمنذ نشأته بدأ دوره البارز في طرد البرتغاليين، وكان لعمان آنذاك قوتها الحربية، ومع هذه النهضة الحربية فإننا سنكتشف أن الحياة الأدبية فيها بقيت تسير على نمط الشعر في عهد بني النبهان، رغم أن كثيرا من الأئمة والحكام كانوا يتذوقون الشعر ويحرصون على سماعه، بل وكان معظمهم يقول الشعر، كما ورد عن الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي ثالث الأئمة اليعاربة قوله :
ولما رأيت الناس لم أر صاحبا أخا ثقة في النائبات العظائم
وأبصرت فيهم في رخاء وشدة فلم أر منهم غير كسب الدراهم
ومن النماذج التي أسردها قصيدة الشيخ محمد بن مسعود الصارمي صاحب عين السواد من أمطى، التي قالها في مسيرة إلى (بتة) وذكر فتوحها:
كشفن عن تلك الوجوه الصباح إذ زمت العيس ليوم المراح
وجئن يختلن يعاتبنني يبسمن عن در كلون الأقاح
خامرهن الشك في عزمتي فقلن جد منك أم ذا مزاح
أسبلن دمعا هاملا هاطلا إذ صرت في عزم النوى باتضاح
ومن شعراء هذا العصر أيضا راشد بن خميس الحبسي (1089 -1150)هـــ، ولد بقرية (عين بني صاروخ ) بوادي العين في ولاية عبري وقد شاء القدر أن يحرم من نعمتين منذ طفولته وهما نعمة البصر ونعمة حنان الأبوين، حيث فقد بصره وهو ابن ستة أشهر ومات أبواه وهو في السابعة من عمره، وعلى الرغم من ذلك فقد عوضه الله بموهبة الشعر، وقد طلبه الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي للانتقال إلى جبرين ليقوم برعايته وتربيته وتعلم في ظله علوم القرآن، وعلوم اللغة؛ فأصبح شاعرا مجيدا، وأديبا حاذقا وخاض في جميع فنون الشعر، وقد ترك لنا هذا الشعر موروثا قيما في مجال الشعر؛ مما حدا بوزارة التراث القومي والثقافة بطباعة ديوانه المسمى (ديوان الحبسي). وبالرغم من أن الحبسي كان كفيفا إلا أن الحب والهوى لا يحتاجان إلى إبصار، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا، وهذا ما ينطبق على شاعرنا هذا. والحبسي لا يحتمل عتابا من أحبته أو هجرانا حتى وإن كان من قبيل التمتع والتدلل، فكأنه لا يدرك طبيعة محبوباته وما يقصدنه من هذا التمنع، فهو يقول:
أوسعتني يا هند صدا فقصدا هددتني بالبين هدا ووعدا
قربت لي البعد منك حتى كأني في كل يـوم أزداد بعدا
ساعفت يوم البين حتى قرنت سعدي بنحس وصار نحسك سعدا
فالآن لا يشتاق منزل ميٍّ قلبي ولا يشتاق منزل سعدى
وهذه الأبيات هي مطلع لقصيدة غزلية كاملة ومستقلة، على خلاف ما رأيناه سابقا من كون المقاطع الغزلية كانت مطالع للقصائد.
وشعر الغزل في العصر اليعربي يغلب عليه التكلف، والصنعة الزخرفية، والخيال السطحي، والمعاني المستهلكة، والعاطفة الفاترة، وافتقار عنصر الصدق الفني، وقد حمل معه نمط شعر النباهنة مع الإسراف فيه والابتعاد عن الغزل الفاضح، أي أن أغلب شعراء اليعاربة التزموا المنهج المتأثر بألوان البديع المتكلف، والبعد عن الأصالة، وفن القول المحكم؛ ويعود هذا إلى تبنّيهم للقصيدة الغزلية كمقدمات يستفتحون بها قصائدهم عموما، إلا ان تجربة الشاعر الحبسي تعتبر تجربة ناضجة وذات طابع مختلف، وهذا ما يستطيع القارئ أن يستنتجه حال قراءته لديوانه.

وفاء الشامسية

إلى الأعلى