الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شرخ في جدار العلاقات الأميركية الأوروبية

شرخ في جدار العلاقات الأميركية الأوروبية

د.أحمد القديدي

” اليوم فهم المراقبون الأذكياء بأن أشياء كثيرة بدأت تتغير في ملف العلاقات الأوروبية الأميركية مع احتمال فوز (دونالد ترومب) بعرش البيت الأبيض بعد شهور عقب إنتهاء ولاية (البركة بن الحسين أوباما). ومنذ تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008 أدرك الأوروبيون أن انطلاق الأزمة كان من أميركا وأن واشنطن هي مصدر البلاوي المالية الأوروبية…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما أعلن وزير الخارجية الأميركية جون كيري الأسبوع الماضي أنه إتفق مع زميله (و حليفه!) سيرجي لافروف على وقف إطلاق النار في حلب كتبت صحيفة (لوموند) الفرنسية الأوروبية تقول:” ما دام قرار الحرب و قرار الهدنة يتمان باتفاق بين أميركا وروسيا فلماذا نحن الأوروبيين نرسل جنودنا يموتون وطائراتنا تقصف؟ استخلصت الصحيفة بأن أوروبا لم تعد حليفة واشنطن! كما أن أبرز حدث سياسي حرك المياه الأسنة في الغرب هو الذي عشناه أواخر أبريل حين زار الرئيس أوباما بعض العواصم الأوروبية وأهم محطاتها لندن ليبلغ الأوروبيين رسالتين الأولى أيها البريطانيون لا تغادروا الاتحاد الأوروبي والثانية أيها الأوروبيون وقعوا معاهدة التبادل التجاري الحر بينكم و بين الولايات المتحدة. بريطانيا ردت بأدب حازم على النصيحة الأوبامية بقولها (تقريبا) أهل لندن أدرى بشعابها والأوروبيون (خاصة برلين وباريس) ردوا على الدعوة الثانية بإعلان تمسكهم بالقوانين الأوروبية الصارمة في رفض الأغذية المعدلة جينيا (من حبوب بالتلقيح ودجاج بالهرمونات وهمبرغر الأبقار المسمنة إصطناعيا والسيارات الملوثة للبيئة ألخ ألخ…) وهو رفض أوروبي يتجاوز الأسباب الصحية ليصبح موقفا أوروبيا من نموذج حضاري أميركي يعتمد التوحش الرأسمالي والربح السريع. الحكمة التي نستخلصها من هذا الاختلاف العميق هي أن ما نسميه نحن (الغرب) كأنه جبهة صلبة موحدة ما هو في الحقيقة سوى حلف عسكري يمثله الناتو ولا يعززه اتحاد سياسي ولا توافق حضاري يجمع بين ضفتي المحيط الأطلسي. والأربعاء الماضي فضحت صحيفتا (الجارديان) البريطانية و(الواشنطن بوست) الأميركية مخططات لندن السرية للتدخل في سوريا بطرق ملتوية (كالاختراقات المخابراتية التي تذكرنا بجمس بوند) بعد رفض مجلس العموم لديها السماح بالتدخل العسكري مما أثار حساسية الدبلوماسية الأميركية وأربك مشاريع البنتاجون.
وتتذكرون أيها القراء الأفاضل حين سافر أحد القضاة الألمان منذ مدة الى موسكو واستجوب (سنودون) الموظف السابق بوكالة الأمن القومي الأميركي الذي فضح ممارسات التجسس الأميركي على القادة الأوروبيين وعلى اتصالاتهم ثم استقر في روسيا لاجئا وهذه الزيارة (القضائية) تنذر باستمرار الشقاق بين الحليفين وبعدها اكتشفت باريس أن الدور الخامس في سفارة الولايات المتحدة في ساحة (لاكونكورد) بالعاصمة الفرنسية هو عبارة عن ملحق بوكالة المخابرات الأميركية ثم إنعقدت قمة أوروبية غير مسبوقة و لم تكن على بال واحد من القادة و لا الخبراء في العلاقات الدولية لأنها قمة ….خصصت لمعاجة قضية غريبة وهي إكتشاف حكومات الإتحاد الأوروبي أن وكالة الأمن القومي الأميركية الرسمية تتنصت على هواتف أبرز القادة الأوروبيين و بخاصة جوال السيدة أنجيلا ميركل وفرنسوا هولند وأن الوكالة الأميركية (أي في الحقيقة الإدارة الأميركية) أصبحت في المنظور الأوروبي تتصرف كعدو استراتيجي مهما كانت العبارات الدبلوماسية المنمقة التي اختارتها القمة في بيانها الختامي و سبق أن وصفت (ميركل) العمليات المخابراتية بالتجسس وأضافت أن التنصت على جوالها الشخصي كان لها بمثابة الهزة القوية لأن واشنطن حليف و لم يجد الرئيس (أوباما) بدا من الإعتراف المبطن بالتجسس لكنه أوعزه بالطبع إلى ضرورة الحفاظ على الأمن الغربي (أميركا وأوروبا واليابان والحلفاء التقليديين لحلف الناتو).
والعالم يشهد منذ عشرة أعوام بأن الإتحاد الأوروبي شعر أنه لا بد أن يعمل من أجل إقرار سياسة خارجية موحدة وإنشاء قوة عسكرية مشتركة، كان دعا اليهما وزير الخارجية الفرنسي الراحل (ميشال جوبير) في السبعينات.
اليوم فهم المراقبون الأذكياء بأن أشياء كثيرة بدأت تتغير في ملف العلاقات الأوروبية الأميركية مع إحتمال فوز (دونالد ترومب) بعرش البيت الأبيض بعد شهور عقب إنتهاء ولاية (البركة بن الحسين أوباما). ومنذ تفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية سنة 2008 أدرك الأوروبيون أن انطلاق الأزمة كان من أميركا وأن واشنطن هي مصدر البلاوي المالية الأوروبية خاصة بعد تغول الدولار ضد اليورو والاستفراد بتخفيض سعر البرميل و بدأوا يخشون حلفا جديدا يتشكل من واشنطن وموسكو على حساب منظومة الأطلسي التقليدية وهو منعرج خطير في العلاقات الدولية تأمل أوروبا ألا يكون على حسابها.
وحين ظهر ما يسمى بالربيع العربي تزعزعت موازين القوى بين الولايات المتحدة و الإتحاد الأوروبي و نتذكر أنه منذ رئاسة نيكولا ساركوزي للإتحاد الأوروبي، ومع بروز معضلة القرصنة البحرية في المعابر التقليدية و التي هددت التجارة العالمية وإمدادات النفط والغاز تعزز التعاون بين الحليفين بعودة فرنسا إلى القيادة المركزية لحلف الناتو وكذلك مع حلول عصر جديد في العالم وصلت خلاله أمم صاعدة إلى مركز القيادة و الريادة مثل الصين والهند والبرازيل وعودة روسيا التدريجية إلى سالف عنفوانها مع الملف النووي الإيراني والأزمة الأوكرانية وقصف المدن السورية. وقد ذكر المراقبون بأن الأخطار المحدقة بأوروبا تدفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في نوعية الارتباط ما بين أوروبا و حلف شمال الأطلسي أي في الحقيقة ما بين القارة العجوز التي تعتبر نفسها أم الولايات المتحدة و ما بين الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها راعية وعرابة أوروبا وغطاءها النووي !
لاحظنا أن التغييرات الطارئة على وزارات الخارجية الأوروبية هذه الأيام تهدف الى طمأنة واشنطن بأن الاتحاد الأوروبي لا ينوي قلب الموازين الغربية رأسا على عقب بل يرمي إلى التأكيد على أن أوروبا تسعى فقط إلى نوع من التكامل والتناغم مع حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة على أسس سيادية جديدة مستقلة.

إلى الأعلى