الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 14/18

المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 14/18

سعود بن علي الحارثي

” ( المنزفة) ( القناطر ) ( السباخ ) ( البارزة ) وغيرها من المناطق والحارات القديمة تعبر عن أنماط معمارية فريدة وهندسة إسلامية بديعة في البناء تنم عن الخبرة والجودة والإتقان وعن حياة مزدهرة موغلة في الماضي ونشاط تجاري متعدد الأوجه وتبادل ثقافي واجتماعي لا يهدأ وتواصل لا ينقطع مع شعوب وثقافات أخرى وحركة رائجة بين شطري الامبراطورية العمانية. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرابع عشر : من ولاية إبراء
ما زلت أستذكر تلك المشاهد الحالمة في بداية السبعينيات وأنا في مراحل الطفولة عندما كنت أصحب جدي إلى سوق إبراء التجاري كعادة يومية قديمة يمارسها الأولون للتسوق واستكشاف حركة البيع والشراء وانتهاز الفرص المواتية والاسترزاق والالتقاء بالأصدقاء والتعرف على الأخبار والنقاش حول الأوضاع بشكل عام, أو مرافقة بعض أفراد الأسرة في زياراتهم المتكررة إلى المستشفى القديم انطلاقا من منطقة المعترض بسفالة ابراء, حيث كانت قصور ( المنزفة) تطل بهاماتها المنتصبة في الفضاء من وراء السور المحيط بها والمحمي ببوابات خشبية يستعصي اقتحامها والتحايل عليها واختراقها على أعتى وأشجع وأقدم الفرسان عندما تغلق في ساعات الليل وحتى الفجر بأيدي حراسها أو في وقت الصراعات والحروب التي كانت تنشأ وفقا لظروف تلك المراحل الزمنية, وتختفي تلك القصور أحيانا عن بصر الناظر المتطلع إليها بين أشعة الشمس الساطعة والقوية في ظهيرة أشهر صيف حارق أو الضباب الذي يغطيها في صباحات الشتاء القارص, وما بين الظهور والاختفاء يخيل لي وأنا أقترب منها شيئا فشيئا أني أعيش أجواء قصص شهريار مع شهرزاد في ملحمة ( ألف ليلة وليلة), وإلا فكيف انبثقت هذه القصور المهيبة في هكذا مكان وكأنها قامت لتوها بطريقة فجائية في عملية أشبه ما ترتبط بأساليب السحر والشعوذة أي بدون سابقة وإشعار وتفكير وتهيئة وتخطيط ؟ من هم هؤلاء الأمراء الذي أشادوا بناءها؟ وكيف اختاروا هذا المكان دونا عن غيره ؟ وما هي هذه الموارد المالية الكبيرة التي اعتمدوا عليها والوسائل التي استخدموها؟ وكيف تدبروا أمر المهندسين والبنائين والعمال الذين أقاموا صروحها وأسسوا قواعدها وأعلوا أركانها وأبدعوا في تنظيم وتنسيق ورسم زخرفتها ونقوشها وشرفاتها ودقائق جمالياتها درجة الابهار؟ كانت تلك التساؤلات التي تشغل تفكيري في لحظة ما تتلاشى بمجرد ما تختفي تلك القصور عن ناظري فتعيدني تدريجيا إلى ليالي ألف ليلة بقصورها الحالمة وحكاويها الغريبة وشخصياتها الأسطورية وأحلامها الوردية فأعتبر ما اعتقدت أني أبصرته نوعا من التخيلات تسقطها قراءاتي الأولية لليالي ( شهريار)… نعبر البوابة الجنوبية للمنزفة فإذا ما اعتقدته خيالا بات حقيقة وواقعا لا تخطئه عين, قصور عن اليمين وأخرى في الشمال بعضها يصل إلى طوابق ثلاثة عبر عن حياة معيشية غاية في الثراء والرخاء والازدهار تتخللهما منازل متوسطة البناء وبعضها متواضع تشي عن تباين الطبقات الاجتماعية التي عاشت هنا. واحد من هذه القصور تم تخصيصه كمقر رئيسي لمستشفى ابراء في الستينيات من القرن الماضي, ينتهي الطريق بالسائر في هذه المنطقة التي كانت يوما مزدهرة عامرة نشطة حافلة بالأمجاد والأحداث الإنسانية الغنية بالتجارب والدروس والأعمال الجليلة بالبوابة الشمالية التي تشرف على البساتين وقنوات الأفلاج والمناطق الزراعية التي تمتد إلى منطقة ( القناطر) بحاراتها وآثارها السياحية القديمة, وحيث سوق إبراء المشهود له بالحركة والنشاط والذي يعد يوما ما مرجعا تجاريا لأسواق المنطقة بحكم أنها كانت – أي ولاية إبراء ولاتزال – مركزا إداريا وسياسيا وعلميا, وقد صمم السوق بأسلوب هندسي بديع حيث تحيط محلاته التجارية الرئيسية بساحة السوق المغلقة بسور وعدد من البوابات من جهاته الأربع فيما تتابع محلات أخرى في دواخل وزوايا الأزقة والطرقات الجانبية. ( المنزفة) ( القناطر ) ( السباخ ) ( البارزة ) وغيرها من المناطق والحارات القديمة تعبر عن أنماط معمارية فريدة وهندسة إسلامية بديعة في البناء تنم عن الخبرة والجودة والإتقان وعن حياة مزدهرة موغلة في الماضي ونشاط تجاري متعدد الأوجه وتبادل ثقافي واجتماعي لا يهدأ وتواصل لا ينقطع مع شعوب وثقافات أخرى وحركة رائجة بين شطري الامبراطورية العمانية. ومع تسارع الأيام وتعاقب الأعوام وأمام أبصارنا وفي إدراك منا ظل الزمن يأخذ معه جزءا من جسد تلك القصور ويقضم بعضا من أجمل ما تتزين به من محاسن العمارة وإبداع الصانع العماني ويهدم ركنا من أركانها القائمة ويسحق قائمة أخرى من قوائم أساساتها وتنخر الأكلة خشب الساج الذي حملته السفن من الهند وشرق أفريقيا وأشرف على صناعة أبوابه ونوافذه وشرفاته صناع وأساتذة ومبدعون … فلم تعد تحفظ الأيام من تلك القصور إلا بقايا أطلال تثير مشاعر الألم والحزن على تاريخ أهمله أهله ومجد تخلى عنه أبناؤه وثروة لم يتنبه لها أو لم يعرها أي اهتمام القائمون على مقدرات الوطن ومقوماته السياحية الثمينة …لم يعد من أثر لكثير من تلكم القصور الجميلة إلا بعض من قصص وحكايات لا تزال حية في ذاكرة كبار السن سرعان ما تتلاشى وتضمحل وتموت بموت ذاكرتهم واحتضان الثرى لأجسادهم …أحداث ومواقف وصور ومشاهد تتابعت في غرف وقاعات ومجالس ومرافق هذه القصور , وجهود وإمكانات وتضحيات رافقت بناءها وتشييد صروحها وأساطير وروايات قيلت عن الشخصيات التي عاشت فيها…عن التنافس على قيم الشجاعة والكرم والضيافة عن الإرث الاجتماعي والثقافي الذي يخلفه الآباء للأبناء…عن الثراء والأملاك الواسعة التي تحوزها الأسر والقبائل في عمان وفي شرق أفريقيا وعن التبادل التجاري بين الشطرين العمانيين وأثره على حياة العمانيين ونمط معيشتهم والازدهار الذي تحقق , لو لاقت رساما مبدعا يصورها في لوحاته الفنية كما نرى في أوروبا وفي الكثير من دول العالم لنافس بها الفنانين الكبار في معارض ومتاحف العالم وقدم لنا عملا يبهر العقول والحواس , فكل ما نراه ونصفه هنا يحتاج إلى توثيق والى رصد وتسجيل وتصوير , إلى بحوث ودراسات , إلى مناهج وتخصص أكاديمي وإلى مرشدين سياحيين يدون كل ذلك , قادرين على نقله إلى السياح والزوار ضيوف الوطن فهذا جزء أصيل ومهم وأساسي في دعم و تشجيع القطاع السياحي وضمان نجاحه , وإلى ترميم وصيانة , والحفاظ على ما بقي من هذا الإرث المعماري السياحي التاريخي الكبير من الاندثار والهدم . إننا في حاجة حقيقية إلى أقلام روائية بارعة ولغة أدبية رصينة وروح روائية مبدعة كي تكتب لنا عن قصور إبراء وحكايات ملاكها وساكنيها وشخصياتها المهيبة ونمط العلاقة وأسلوب الحياة , عن العزة والإباء والكرم والشجاعة والإقدام والمخاطرة التي تحلى وعرف بها أولئك المؤسسون والبناة الذين خاضوا أمواج المغامرة وسلكوا طرق التجارة وحملوا رسالة العلم والتعايش والتواصل بين الثقافات وتوغلوا في ادغال وغابات القارة الأفريقية وسبقوا المستشرقين والرحالة والمغامرين الأوروبيين ومهدوا لهم الطريق إلى نجاح سهل ومريح كان العمانيون هم السباقون إليه, ولكن عرف عن العمانيين زهدهم في الشهرة والانشغال عن توثيق سيرهم وحياتهم الشخصية والتعريف بانجازاتهم وأدوارهم التاريخية وجهودهم الممهدة , ولولا ذلك لتكلم التاريخ بلغة فصيحة وصريحة عن أعمالهم المشرفة في الداخل والخارج…هنا في قصور ابراء تعاقبت شخصيات فذة كانت لها مواقف وأدوار في الحفاظ على قيم العماني وثقافته والتحلي بمسئولياته والتمسك بأنفة العربي وإبائه وكرامته, مواقف وقصص وأدوار تاريخية لا تقل اعجابا وإثارة وتشويقا وتعلقا بها عن تلك التي ضمنت في كتب التراث العربي ( قصص العرب) ( سلسلة أخبار العرب ) ( أيام العرب ) وعنما كنت أصغي إلى لمحات من تلك القصص والمواقف من الآباء وكبار السن استحضر لحظتها شخصيات عربية شبيهة ( كليب وائل – الأحنف بن قيس – عمرو بن كلثوم التغلبي – معن بن زائدة – الحارث بن عوف … ) ومن الأهمية بمكان أن توثق هذه الأحداث وهذه الشخصيات والمواقف والقصص وأن ترصد لخدمة الثقافة والتاريخ والمعرفة وتضمن في مناهجنا العمانية لربط الحاضر بالماضي والأجيال بثقافتهم وقيمهم الأصيلة , وتوظف في خدمة قطاع السياحة عن طريق مرشدين مؤهلين يمتلكون المهارات والمعرفة والإلمام بالتاريخ وأحداث كل موقع ومنطقة سياحية , فهذا من جانب يجذب السياح ويستهويهم ويشبع فضولهم للمعرفة , فهم في جولتهم بين الحارات والأسواق والقلاع والحصون القديمة تتولد لديهم الرغبة والشوق في معرفة كل شيء واستطلاع أي معلومة تاريخية عنها, ومن جانب آخر نقدم تاريخ وحضارة العمانيين وانجازاتهم وقيمهم الثقافية إلى الشعوب الأخرى, فالمقومات السياحية في هذه الولاية العريقة وغيرها من ولايات السلطنة غنية ومتعددة وثمينة وجميلة … قصور وحارات وأبراج وحصون قديمة تتوزع على عشرات القرى والمواقع أشرنا إلى بعضها وبعضها يحتاج إلى المزيد من المقالات, فإلى جانب السفالة هناك العلاية والثابتي واليحمدي والنصيب واللماع وغيرها من القرى التي تحفل بالآثار والافلاج الكبيرة منها والصغيرة والأودية الجميلة والواحات الغناء والمساجد ذات التاريخ الضارب في القدم, ويكفي مسجد ( الكباشة ) او ( العقبة ) الذي بني قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام في مكة, حيث أن قبلته الرئيسية تتجه إلى المسجد الأقصى, وهو ما ( ثبت بالقياسات العلمية الحديثة ) وقد اختير شعارا لولاية ابراء , والمسجد الكبير أو ( الجامع ) الذي شيده قاضي الامام سلطان بن سيف اليعربي عام 1074 ه الشيخ راشد بن سعيد الحارثي, وقد رمم اخيرا على النمط القديم , ومدارس العلم المشهورة التي أخرجت العلماء والقضاة والأدباء وكانت مقصدا لطلاب العلم.
إبراء منطقة سياحية جديرة بأن تتبوأ مكانتها ضمن الخارطة السياحية العمانية. وإن تحظى بالاهتمام الذي تستحقه وأن تجد معالمها وشواهدها التاريخية ومساجدها القديمة التفات الباحثين والمختصين في حقول التنقيب عن الآثار ودراستها وان تستثمر فيها الموارد المالية لتجميل المواقع السياحية وحماية وترميم الآثار والحفاظ على ما تبقى منها والترويج لها عالميا وإقامة الخدمات وتعزيزها وتنظيم الفعاليات في ساحة السوق القديم بعد اعادة ترميمه وتشجيع السائح على الاستمتاع بالمقومات المشار إليها ..إننا في حاجة إلى سياحة حقيقية بمفهوم عصري وأسلوب حداثي يتعاطى مع ثقافة الشعوب ويستفيد من خبرات الدول المتقدمة في هذا المجال الحيوي والمهم.

إلى الأعلى