الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة

أضواء كاشفة

المبادرة الفرنسية المغزى والهدف
في الوقت الذي تقف فيه القضية الفلسطينية محلك سر إن لم يكن القول إنها “للخلف در” في ظل الانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني الأعزل نجد فرنسا تقوم بالترويج لمبادرتها التي أطلقتها لاستئناف مفاوضات السلام بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني والتي يحملها في جعبته وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت ويجوب بها منطقة الشرق الأوسط خلال زيارته لإسرائيل والأراضي المحتلة على أمل التوصل لاتفاق ينهي المشاكل بين الطرفين.
السؤال الذي يفرض نفسه ماذا يمكن أن تقدم المبادرة الفرنسية من حلول عادلة وهل ستنجح فيما فشلت فيه أميركا وتستطيع إقرار حل الدولتين المنشود؟.
لم يكن مستغربا أن ترفض إسرائيل المبادرة شكلا وموضوعا فهي لا تريد إنهاء الأزمة وإعادة الحقوق لأصحابها لأنها ترى أن الفلسطينيين لا حق لهم في ممتلكاتهم وأراضيهم من وجهة نظرها لذلك تقوم بتسمين مستوطناتها وسلب الأراضي القطعة تلو الأخرى حتى يصبح الاحتلال بالتدريج أمرا واقعا بحيث لا يجد الفلسطينيون أرضا يقيمون عليها دولتهم المنشودة .. والغريب أن إسرائيل ترفض المبادرة الفرنسية بحجة أن حل النزاع لن يتأتى إلا عبر المفاوضات المباشرة ومع ذلك كلما اجتمع الطرفان تهربت اسرائيل ورفضت كل الحلول ووضعت العراقيل في سبيل تحقيق أية تسوية وتتعمد إفشال المحادثات وآخرها ما تم في إبريل 2014 بعد تسعة أشهر من انطلاقها لتظل الأزمة تدور في حلقة مفرغة.. حيث إن المفاوضات المباشرة التي يدعو لها نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي لا تعتمد على مرجعية حل الدولتين وحدود 67 بل تريد شرعنة الاحتلال والاعتراف بيهودية الدولة وبالمستوطنات التي تبتلع الأراضي الفلسطينية.
نحن لا نريد أن تشكك في النوايا الفرنسية لإحياء عملية السلام وهل الهدف منها البحث عن موطئ قدم في طريق الزعامة العالمية وتسليط الأضواء على دورها التاريخي والدولي المرتقب خاصة بعد تنامي الدور الروسي في المنطقة أو أن هدفها بالفعل نبيل وتريد إنهاء النزاع المزمن فالنتيجة واحدة وهي أن الملف تم فتحه من جديد وعادت المباحثات إلى الحياة من جديد فإما أن يتم التوصل لحل جذري لهذه القضية المزمنة أو يعلن موت حل الدولتين.
إن الكيان الصهيوني لا يحترم أي اتفاقيات مبرمة بين الطرفين ولا يلتزم بالقوانين الدولية والخوف كل الخوف أن تتحول المبادرة الفرنسية لمناورة سياسية تستفيد منها دولة الاحتلال خاصة أن الرئيس الفلسطيني تعهد بوقف كافة الجهود التي يبذلها في مجلس الأمن لإدانة الدولة الصهيونية واستصدار قرار يوقف انتهاكاتها ويعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الضائعة والمنهوبة وبالتالي فإن هذه المفاوضات ستمنح بني صهيون الوقت لالتهام المزيد من الأراضي وسلب الحقوق والممتلكات وهو ما تتبعه أمريكا مع أي مباحثات بين الطرفين.
إن بنود المبادرة الفرنسية تعترف بدولة فلسطينية مستقلة ونهائية تقام استنادا لحدود 1967 وأن القدس عاصمة مشتركة للدولتين كما تحدد مهلة 18 شهرا للتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض وعمل المقايضات اللازمة في الأراضي بما يتفق مع الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية وعالجت الترتيبات الأمنية على الحدود بين الدولتين بتواجد قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة الأغوار على الحدود الأردنية الفلسطينية بمشاركة قوات دولية بحيث تكون فلسطين دولة منزوعة السلاح تماما .. وبرغم أن هذه البنود فيها بعض الإجحاف للحق الفلسطيني خاصة فيما يتعلق بحق عودة اللاجئين وتقسيم القدس وعدم التطرق للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني إلا أنها خطوة إيجابية للوصول لحل يقضي على الانتهاكات الإسرائيلية الغاشمة وينهي المشكلة وفق برنامج زمني واضح ويكفي أنها تعترف ببعض حقوق الشعب الفلسطيني التي نهبتها قوات الاحتلال وستكشف أمام العالم الوجه الحقيقي لبني صهيون الرافض للسلام والمسئول الرئيسي في عرقلة حل الدولتين .
الجميع يعلم أن توجهات فرنسا لا تختلف كثيرا عن توجهات المجتمع الدولي الداعمة لإسرائيل بدليل التغاضي عن التعنت الصهيوني وانتهاك القوانين الدولية .. فالمجتمع الدولي لا يهتم بحقوق الشعب الفلسطيني بقدر اهتمامه بنيل رضا المليارديرات اليهود ومحبة أميركا الداعم الأكبر لاسرائيل لذلك نرى صمتا دوليا مطبقا تجاه كل الاعتداءات الإسرائيلية والمشاريع الاستيطانية بل وصل الأمر بأميركا لمنح إسرائيل أكبر رزمة مساعدات عسكرية تتلقاها دولة من واشنطن تقدر قيمتها بأكثر من 40 مليار دولار ناهيك عن الثلاثة مليارات دولار سنويا التي تمنحها إياها بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل ومواجهة تحديات المنطقة وهو ما يعني أن هذه المبادرة ربما تكون أميركية الأصل الهدف منها تهدئة الشعب الفلسطيني واحتواء حالة الغضب التي تنذر بقيام انتفاضة جديدة.
فرنسا ستدعو عشرات الدول لحضور مؤتمر تمهيدي على مستوى وزراء الخارجية نهاية الشهر الجاري لتحديد برنامج المؤتمر الدولي الذي سيعقد لاحقا ونتمنى ألا تسعى إسرائيل لوأد هذه المؤتمرات كعادتها حتى تتجنب أي قيود أو التزامات دولية أو أن تضغط أميركا لإفشال أي محاولة دولية لفرض حل على الطرفين.
لاشك أن ما سيضع المبادرة الفرنسية على الطريق الصحيح ويساهم في إنجاحها هو الوحدة الفلسطينية وتكاتف الشعب بكافة طوائفه وأحزابه على قلب رجل واحد .. ساعتها سيصبح الفلسطينيون قوة تستطيع فرض رأيها ورؤيتها على أي مفاوضات ووقف نزيف التنازلات الذي يقدم مع أي مبادرة دولية جديدة.

* * *
من يحكم العالم ؟
تعجبني كثيرا آراء المفكر الأميركي نعوم تشومسكي ليس لأنها تكتسب اسم وتاريخ مؤلفها الذي ينافح عن القضايا الإنسانية ما يزيد على نصف قرن طوال الأزمنة الإعلامية المختلفة وإنما لمواقفه الاستثنائية من السياسة الأميركية والتي ينتقدها دون مواربة أو نفاق مستدلا بذلك بأحداث وحقائق من الواقع .. فهو يعتبر أن قول الحقيقة وفضح الأكاذيب مسئولية المثقفين كما ذكر ذلك في مقالة كتبها سنة 1966.
ومؤخرا صدر لتشومسكي كتاب جديد بعنوان “من يحكم العالم ؟” تداولت مختلف المواقع الإلكترونية محتوياته وتحدث عنه شخصيا للقناة الرابعة البريطانية يتناول فيه دور أميركا في العالم ومستقبل نظامها حيث طرح سؤالا فيه عن ماهية المبادئ والقيم التي تحكم العالم ؟.. فيرى أن هذا السؤال يجب أن يطرحه مواطنو الدول الغنية والقوية الذين يتمتعون بإرث من الحرية والامتياز بفضل نضالات من سبقوهم .. ويقول إن أميركا من خلال سياستها الخارجية تخاطر بوقوع كارثة وتخريب القواسم العالمية المشتركة خاصة بعد 11 سبتمبر ودلل على ذلك ببرنامج الاغتيال بالطائرات من دون طيار وتهديد الحرب النووية وقضايا العراق وأفغانستان وإيران وغيرها وهو ما يشير إلى تراجع الإمبراطورية الأميركية وانهيار عملتها لأنها تمثل حالة إرهاب الدولة أي أنها تقود أكبر حملة إرهابية في العالم.
أما عمن سيخلف أميركا في قيادة العالم فيرى تشومسكي أن الصين لديها دور هام في المجال الاقتصادي والتقدم العلمي إلا أن الفوارق في المجال العسكري مازالت كبيرة بين الدولتين ولفت إلى أن التصعيد بينهما سيكون على حافة المياه الإقليمية الصينية .. أما روسيا فيرى أنها دولة خطيرة تقوم بأفعال قبيحة في منطقتها وهذه الأفعال تقوم بها أميركا أيضا في العالم كله والمواجهة المحتملة بينهما ستكون على الحدود الروسية.
وحول من سيحكم العالم فيقول إنهم “أسياد البشرية” الذين يمثلون في عصرنا الحالي تكتلات الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية العملاقة وإمبراطوريات البيع وما شابه ذلك .. وعن سبب تنامي شعبية دونالد ترامب المرشح الجمهورية للرئاسة الأميركية يقول تشومسكي يرجع ذلك بسبب خوف الناس الذين يشعرون أنهم معزولون وضحية لقوى مسيطرة لا يفهمونها ويرى أن ترامب يشكل خطرا على أميركا خاصة ما يتعلق بالأسلحة النووية وإمكانية استخدامها في الحروب وإنكاره لخطورة التغيرات المناخية وتأثيرها على العالم .. وأشار إلى أن الظروف التي تسوق الناخبين نحو ترامب هي نفسها التي كانت وراء صعود الفاشية في القرن الماضي إلا أن الظروف الراهنة أسوأ من السابق.
لاشك أن النظرة التشاؤمية لتشومسكي لا تقتصر عليه وحده بل تسود معظم الكتاب والمحللين السياسيين حول العالم فالقلق يسري في أوصال جميع الشعوب من الظروف التي تمر بها معظم دول العالم وما ستؤول إليه الأمور لو دخل ترامب البيت الأبيض وهو لا يمتلك شيئا من الكياسة والفصاحة والحنكة السياسية بل إنه قد يكون سببا في عودة الفاشية مرة أخرى.
إن آراء تشومسكي الصريحة والجريئة يجب أن يسير على نهجها المثقفون حول العالم عسى أن تتمكن آراؤهم من توجيه القادة نحو الأفضل وبما يعود على البشرية بالخير والسلام بدلا من سياسة قلب الحقائق التي نراها على صفحات الجرائد العالمية.

* * *
حروف جريئة
• انتخاب موحتيريم آراس أول مسلمة رئيسة لبرلمان ولاية بادن فورتمبرج الألمانية وكذلك انتخاب صادق خان أول عمدة مسلم للعاصمة البريطانية لندن رسالة لكل من يشوه صورة الإسلام .. فالمسلمون في الخارج مواطنون لدولهم من الدرجة الأولى ويحرصون على التعايش السلمي المشترك.

• تنظيم داعش يعلم الأطفال الأبجدية العربية على طريقته الخاصة حيث أطلق تطبيقا إلكترونيا بعنوان “حروف” يعلم من خلاله “أشبال الخلافة” لغتنا الجميلة على شكل ألعاب وأناشيد مع صور أطفال يرتدون أقنعة التنظيم السوداء ويرافقها مصطلحات عسكرية مثل مسدس ومدفع ودبابة وصاروخ .. هذا التعليم أقوى من القتل والتدمير لأنه يربي جيلا على العنف والإرهاب ويدمر مبادئهم ويقتل إنسانيتهم.

* ليس مستغربا أن يدعم المليارديرات الأميركان اليهود دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري في سباق الرئاسة الأميركية فجميعهم هدفهم واحد وهو اضطهاد المسلمين وتشويه صورة الإسلام.
* * *
مسك الختام
قال تعالى : “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى