الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النقل البحري .. في عالم متغير( 3 ـ 7)

النقل البحري .. في عالم متغير( 3 ـ 7)

السيد عبد العليم

” .. كان أول ذكر لمسقط كميناء في أوائل القرن الأول الميلادي عندما أشار إليها عالم الجغرافيا اليوناني بطليموس باسم “الميناء الخفي” وكانت هناك وثيقتان في القرن التاسع تحدد طرق الملاحة من الخليج إلى الصين وكانت مسقط نقطة حيوية في هذه الطرق حيث كانت آخر مكان للتزود بالمياه من جانب السفن المتجهة من الخليج إلى الهند وشرق أفريقيا وما بعدها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عمان .. تاريخ بحري عريق
ساهم الموقع الاستراتيجي لعمان في ازدهار النشاط البحري عبر العصور حيث تعد السلطنة احدى الدول الرائدة في النشاط البحري وتحافظ موانئها الكبيرة في مسقط، صحار وصلالة على هذا التراث البحري العريق. ويؤكد التاريخ هذه الحقائق، ففي رأس الجنز، تم العثور على بقايا قارب مصنوع من السعف كان يستخدم في التجارة مع الهند قبل 4500 سنة مما يدل على أن عمان التي كانت تعرف في ذلك الوقت باسم “مجان” كانت لها علاقات تجارية عن طريق البحر مع المدن القديمة مثل أور وسومر في العراق وولاية كوجرات في الهند. كما شهدت عمان انتعاشا كبيرا بسبب تجارة النحاس التي كانت رائجة في صحار وسمد الشأن وجزيرة مصيرة والعديد من المواقع الأخرى آنذاك. وسبب رواج هذه التجارة يرجع إلى توفر البحارة المهرة وازدهار صناعة القوارب. وخلال القرون الماضية، انتشرت الموانئ التجارية ومرافئ الصيد العمانية على طول الساحل الممتد لمسافة 3,165 كم من خصب بمحافظة مسندم حتى صحار ومطرح ومسقط وقلهات وسمهرم بظفار. بالإضافة إلى وجود أماكن مغلقة تحيط بها الجبال والصحارى مثل رأس الحد وبر الجصة وبندر الخيران. وقد وفرت هذه المواقع الملاذ الآمن للسفن من تقلبات الطقس واستخدمت كنقاط راحة للبحارة. وقد ورد في أحد النصوص السومرية أن الملك العظيم سرجون كان يتباهى بأن سفنا من “مجان ” تزور مملكته وترسو في مرافئه إلى جانب سفن من دول أخرى.
ومع نهاية الألفية الأخيره قبل الميلاد، شهدت ظفار انتعاشا كبيرا في تجارة اللبان مع مملكة سبأ والهند ومصر وروما والصين. وكانت تجارة اللبان السبب في ازدهار العديد من المدن والموانئ في جنوب عمان مثل خور روري والبليد ومرباط فضلا عن رواج تجارة الأواني الفخارية العمانية في أنحاء شبه الجزيرة العربية. وتشير كتابات المؤرخ الأغريقي ” بليني ” في القرن الأول قبل الميلاد، إلى أن السيطرة على تجارة اللبان جعلت بعض تجار جنوب شبه الجزيرة العربية، من أغنى تجار العالم في ذلك الوقت. وفي القرن الثامن، وصل البحار العماني أبو عبيدة بن عبدالله بن القاسم العماني، الذي يعتقد بأنه البحار الشهير “سندباد” إلى الصين حيث أقام مجتمعا تجاريا في مدينة كانتون. كما كان البحار الشهير أحمد بن ماجد من أمراء البحار في القرن الخامس عشر وهو الذي أرشد فاسكودي جاما على طريق رأس الرجاء الصالح وما حوله.
وفي القرن الثامن عشر، ظهرت مسقط كواحدة من أهم مراكز التجارة في المحيط الهندي في عهد الإمام أحمد بن سعيد. وخلال حكم ابنه السيد سلطان بن أحمد توسعت المناطق التي تسيطر عليها عمان لتشمل جوادر في باكستان وشهريار وهرمز وبندر عباس وقيشم في إيران والبحرين في الخليج العربي. أما ابنه السيد سعيد بن سلطان، فقد نجح في بسط النفوذ البحري العماني من رأس جوردافور في القرن الأفريقي بريمبا في موزمبيق بما في ذلك مقديشو وماليندي وممباسا وزنجبار. وخلال عهده، كانت السفن العمانية تصل إلى المدن البعيدة بما في ذلك لندن ونيويورك وفي عام 1834م، أهدى السيد سعيد بن سلطان البارجة ليفربول وعليها 74 مدفعا إلى الملك وليم الرابع كهدية منه للتاج البريطاني. فيما وصل أحمد بن نعمان الكعبي في عام 1840م إلى نيويورك على متن السفينة التجارية (سلطانة) مبعوثا إلى الولايات المتحدة.
وفي ذروة ازدهار الإمبراطورية البحرية العمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أصبحت عمان تملك خبرة كبيرة في بناء السفن المزودة بأحدث الأنظمة الملاحية في ذلك الوقت. وحرص القائمون على بناء السفن على النواحي الجمالية فيها ولذلك تميزت بشكلها الجذاب حتى إن أحد الكتاب الفرنسيين وصف رحلة في سفينة من النوع المعروف باسم (البغلة)” قائلا كانت نوافذ السفينة جميلة وجذابة كما تميزت السفينة المصنوعة من خشب التيك بوجود نقوش غاية في الدقة ومقدمتها المنحنية للأمام باتجاه البحر لتبدو السفينة كما لو كانت بجعة تسبح في النهر ” حيث كانت عملية زخرفة السفن تتم باستخدام أدوات بسيطة كالمطرقة والإزميل. كما أن عملية بناء السفن كانت تتم بحسب المشاهدة بالعين والتنفيذ باليد دون أن تكون هناك أي مواصفات مكتوبة أو رسومات. وكان يتم ملء الفجوات باستخدام خليط من الجبس ودهن سمك القرش وكان هذا النوع من القوارب هو الأفضل في منطقة الخليج العربي كلها. كما كانت وراء السمعة البحرية المميزة والكبيرة التي تمتعت بها السلطنة قبل اكتشاف السفن التي تعمل بالبخار.
وكان أول ذكر لمسقط كميناء في أوائل القرن الأول الميلادي عندما أشار إليها عالم الجغرافيا اليوناني بطليموس باسم “الميناء الخفي” وكانت هناك وثيقتان في القرن التاسع تحدد طرق الملاحة من الخليج إلى الصين وكانت مسقط نقطة حيوية في هذه الطرق حيث كانت آخر مكان للتزود بالمياه من جانب السفن المتجهة من الخليج إلى الهند وشرق أفريقيا وما بعدها.
كذلك فقد ظهر اسم ميناء مسقط في العديد من الخرائط البحرية التي تؤكد على أهمية المدينة كميناء رئيسي واقع على طرق التجارة العالمية في ذلك الوقت. على سبيل المثال: خريطة طريق التوابل الصادرة في عام 1649م والتي تغطي طريق التوابل من رأس الرجاء الصالح إلى منطقة البنغال في الهند، حيث ظهرت مسقط بشكل بارز على الخريطة، كما كانت السلطنة نقطة التقاء مهمة للتجارة بين منطقة البحر المتوسط والمحيط الهندي.
وكان يتم نقل التوابل والشاي والذهب والعاج والحرير والبضائع الأخرى من الهند والصين وجزر التوابل في قوارب إلى منطقة الخليج العربي ثم يتم بعد ذلك نقلها في قوافل من الإبل إلى البحر المتوسط. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان ساحل مسقط جزءا من خرائط الطبوغرافيا البحرية لمناطق العالم نظرا لموقعه الاستراتيجي على طرق التجاره العالمية. وقد قامت العديد من الدول وشركات التجارة والشحن بإرسال البعثات الاستكشافية لاكتشاف ساحل مسقط والتعرف على طبيعة أرضها وكان من نتائج هذه البعثات ظهور عدد من الخرائط والرسومات الدقيقة لمسقط التي يمكن استخدامها في الأغراض التجارية والعسكرية.
وفي رسم يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، كتب أحد الرسامين قائلا ” إن ميناء مسقط هو الميناء الوحيد الذي تبقى فيه السفن آمنة طوال الوقت” ونظرا لموقع الميناء الاستراتيجي، فقد حاولت الكثير من القوى الاستعمارية الأوروبية السيطرة عليه، فبعد أن قام البرتغاليون باحتلاله في القرن السادس عشر حاولت فرنسا الاستيلاء على الميناء لأنه يوفر الدعم الخلفي المطلوب لإسطولها الموجود في موريشيوس ويؤمن طرق التجارة في باقي منطقة الخليج. كما حاولت بريطانيا بدورها ملاحقة الإسطول الفرنسي والسيطرة على مسقط لتوفير الدعم اللوجستي اللازم لإسطولها في المحيط الهندي وتعزيز تواجدها في المنطقة. وبعد وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856، بدأ النشاط البحري التجاري العماني في التراجع واقتصر خلال الحقب التالية على إستيراد البضائع الأساسية بشكل رئيسي من الهند عن طريق قوارب الصيد التقليدية وكان على هذه القوارب الرسو بعيدا عن الساحل والانتظار ربما لأيام قبل أن يتم تفريغ حمولتها يدويا في قوارب صغيرة.
وعندما تولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم في عام 1970، بدأت عمان حقبة جديدة في تاريخها البحري، حيث تم إنشاء ميناء السلطان قابوس في عام 1974 بوصف ذلك خطوة مهمة في سبيل استعادة السلطنة لمجدها البحري العريق. علاوة على ذلك، تم تطوير عدد من الموانئ الأخرى من بينها صلالة وصحار وخصب وشناص والدقم. كما تم إنشاء أرصفة خاصة بالشركات الكبرى وموانئ الصيد مما ادى إلى انتعاش البنية الأساسية الخاصة بالنقل البحري والتي كان لها دور كبير في تنويع مصادر الدخل الوطني.

إلى الأعلى